عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة».
فالإنسان مخلوق مكلف يتحمل أمانة قيادة الحياة بمنهج الله والتكليف يعني المسؤولية والحساب والجزاء والإنسان المكلف هو البالغ العاقل وحينئذ فما يصدر عن هذا الإنسان من اعتقاد أو قول أو فعل يسجل عليه، قال الله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ).
ومعنى «رقيب» حافظ، و«عتيد » حاشر، فهناك ملكان كل منهما رقيب عتيد حاضران حافظان يسجلان الحسنات والسيئات حتى إذا وافى العبد القيامة وجد عمله أمامه يحاسب عليه إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وقد ذكر العلماء أن مراتب قصد الشيء هي: الهاجس وهو ما يلقى في النفس والخاطر وهو ما يجرى في النفس وحديث النفس وهو ما يقع فيها من التردد بين الفعل والترك، والهم وهو ترجيح قصد الشيء، والعزم وهو الجزم بالشيء فإن اقترن بمباشرته فهو النية.
وذكر العلماء أيضاً أن الهاجس لا يؤخذ به العبد ولو كان كفراً لأنه ليس من فعله وإنما هو الشيء طرقه قهراً عنه، وما بعده من الخاطر وحديث النفس وإن قدر المرء على دفعهما لكنهما مرفوعان بالحديث الشريف وهو قوله صلى الله عليه وسلم:« إن الله سبحانه وتعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به ».
وهذه المراتب الثلاث لا أجر فيها في الحسنات أيضاً لعدم القصد أما الهم فقد بينه الحديث الشريف، والعزم يؤاخذ به الإنسان على التحقيق لقوله صلى الله عليه وسلم:« إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه » فالقاتل تحققت له النية بمباشرة الفعل فدخل النار، والمقتول تحقق له العزم وهو الجزم بالقتل فدخل النار.
يبين الحديث الشريف فضل الله تعالى في جزاء الهم بالحسنة أو السيئة فمن هم بحسنة فلم يعملها لظروف منعته من ذلك فإن الله تعالى لا يحرمه الثواب بل يكتب له عنده حسنة كاملة، فنية المؤمن أبلغ من عمله، وإن تجاوز الإنسان مرحلة الهم إلى النية والتنفيذ، وعمل الخير عقيدة أو سلوكا توالى عليه ثواب الله تعالى من عشر حسنات إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وخزائن الله لا تنفذ، وعطاء الله ممتد.
ومن هم بسيئة يعملها، وتركها مخافة من عقاب الله، كافأه الله تعالى على ذلك بأن كتبها عنده حسنة كاملة، وقد جاء في بعض الروايات الصحيحة، قالت الملائكة : «رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به، فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة. أما من ترك المعصية لخوف الناس أو لعدم توافر ظروف الجريمة أو لأمر خارج عن إرادته فهو ملوم محاسب بقدر همه.
ومن هم بالسيئة كتبها الله سيئة واحدة .. قال الله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون). فقد علق الإمام النووى على هذا الحديث في الأربعين النووية فقال: « فأنظر يا أخي وفقنا الله وإياك إلى عظيم لطف الله تعالى بعبده، وتأمل هذه الألفاظ وقوله «عنده» إشارة إلى الاعتناء بها، وقوله «كاملة» للتأكيد وشدة الاعتناء بها وقال في السيئة التي هم بها ثم تركها «كتبها الله عنده حسنة كاملة» فأكدها «بكاملة» وإن عملها كتبت سيئة واحدة فأكد تقليلها «بواحدة».
رجاء علي