تصاعد الفلتان الأمني في غزة أمس منذراً بحرب أهلية بعد اغتيال قاضٍ ينتمي لحركة «حماس» بعد يومين من اغتيال ثلاثة أطفال لضابط مخابرات، ما دفع رئيس الوزراء إسماعيل هنية إلى التحذير من ان حكومته لن تقف مكتوفة اليدين أمام هذا الانفلات، وهو ما قوبل باتهامات بالفساد لحركته وحكومته من قبل القيادي في «فتح» محمد دحلان، وسط تسريبات عن قرار رئيس السلطة محمود عباس (أبومازن) يقضي باعتبار حكومة هنية حكومة تصريف أعمال والدعوة إلى استفتاء على الانتخابات المبكرة.
وقتل مسلحون مجهولون القاضي بسام الفرا المنتمي لحركة «حماس»، بعدما أجبروه على النزول من سيارة أجرة وفتحوا عليه النار أمام المحكمة التي يعمل بها في قطاع غزة أمس في حادث يزيد المخاوف من اندلاع حرب أهلية.
وقال شهود لـ «رويترز» ان المسلحين تناولوا الإفطار في مطعم قريب من المحكمة في بلدة خانيونس، أثناء انتظارهم وصول الفرا إلى عمله وانهم أطلقوا عليه النار عن قرب بعدما جذبوه من السيارة.
إلى ذلك أفاد شهود بأن مسلحين فلسطينيين فتحوا النار مساء أمس على مسيرة جماهيرية نظمتها حركة حماس في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين جنوب قطاع غزة. وأضاف الشهود انه سمع أيضاً أصوات انفجارات يبدو أنها ناجمة عن انفجار قنابل يدوية في الموقع. وقالت مصادر طبية في مستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة أن شخصاً واحداً على الأقل أصيب بالرصاص وأن إصابته متوسطة وأنه يتلقى العلاج في المستشفى.
وانطلق آلاف المواطنين الفلسطينيين في مسيرات حاشدة جابت شوارع مدينة غزة، تنديداً بجرائم القتل التي راح ضحيتها القاضي الفرا أمس، وثلاثة أطفال قبل ثلاثة أيام. ورفع مئات المتظاهرين، بينهم مئات الأطفال والنساء ومنتسبي الأجهزة الأمنية، الرايات والشعارات المنددة بجرائم القتل، مطالبين بأن يكون يوم أمس هو آخر يوم في الانفلات الأمني الذي يستبيح دماء الأبرياء في شوارع غزة.
وتجمع مئات من عناصر الأجهزة الأمنية بالقرب من مجمع السرايا الحكومي وانطلقوا بمرافقة مئات المواطنين المدنيين باتجاه مقر المجلس التشريعي في مسيرة سلمية مطالبة بوقف حالة الفوضى العارمة التي تجتاح القطاع، مشددين على ضرورة محاسبة المسؤولين عنها وتقديم المجرمين للعدالة للقصاص منهم.
وتم تعليق العمل في المحاكم الشرعية في القطاع، بينما يواصل مئات الفلسطينيين الاعتصام المفتوح في خيام أقيمت قرب منزل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبومازن)، غرب غزة للمطالبة بالكشف عن قتلة الأطفال الثلاثة وتقديمهم للمحاكمة.
وفي سياق متصل، أعلنت وزارة الداخلية الفلسطينية أمس إنه جرى الإمساك بطرف خيط قد يقود إلى الكشف عن هوية منفذي جريمة قتل الأطفال الثلاثة في غزة يوم الاثنين الماضي.
وأضاف بيان صادر عن الداخلية «ان الأجهزة الأمنية والشرطة والقوة التنفيذية التابعة للوزارة ضبطت سيارتين يشتبه باستخدامهما في جريمة قتل أبناء العقيد بهاء بعلوشة ومرافقه محمود الهبيل وتوقيف ستة مسلحين كانوا بداخلهما على ذمة التحقيق». وقال الناطق بلسان القوة التنفيذية إسلام شهوان إن «عناصر أجهزة الأمن والشرطة والقوة التنفيذية المنتشرين في جميع أنحاء قطاع غزة استطاعوا توقيف السيارتين إحداهما في محافظة وسط القطاع وبداخلها أربعة مسلحين والأخرى في خانيونس وبداخلها مسلحون وجرى التحرز على السيارتين وجميع من كانوا بداخلها لحين التحقق من هوياتهم».
مؤكداً على ان توقيف وضبط السيارتين جاء بناءً على بلاغات ومراقبة لهما كونهما تحملان أوصاف ولون السيارتين اللتين شاركتا في جريمة القتل البشعة، موضحاً أن «التحقيق جار مع الجميع».
وفي الخرطوم، انتقد رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية انتشار قوات أمن موالية لرئيس السلطة الفلسطينية في غزة. وقال في مؤتمر صحافي عقد في العاصمة السودانية ان انتشار قوات «فتح» يعوق عمل وزارة الداخلية الفلسطينية، وأوضح أن «قوات أمن الرئاسة ليست لها علاقة مباشرة بالأمن الداخلي... هذا الانتشار يشكل قطعاً للطريق على أداء وزارة الداخلية... يجب ان تمنح وزارة الداخلية الصلاحيات المنصوص عليها دستورياً».
وتابع ان «الحل الشامل لهذا الموضوع هو احترام إرادة الشعب الفلسطيني. احترام خياراته الديمقراطية ووقف الحركات الأمنية على الأرض». في إشارة إلى الفلتان الأمني. وحذر من ان الحكومة لن تقف مكتوفة اليدين بعدما قام مسلحون مجهولون بقتل القاضي بسام الفرا. وأعلن هنية عن ان السلطات السودانية وعدت بتقديم 10 ملايين دولار كمساعدة طارئة للسماح لحكومته بمواجهة الحصار الغربي.
في المقابل، شن النائب عن «فتح» محمد دحلان أمس هجوماً لاذعاً على «حماس» وحكومتها واعتبر أن عهدها يقوم على «الفساد والفوضى وسلب الحريات». وقال دحلان في كلمة له خلال احتفال تكريمي للصحافيين في غزة « إن عهد حكومة (حماس) مليء بالاعتداء على الصحافيين ويقوم على كتم الأصوات وتكبيل الأقلام وهو ما لم يكن في عهد الحكومة السابقة بقيادة (فتح)».
واتهم دحلان «حماس» «بالفساد وسرقة الأموال التي تقوم قياداتها بإدخالها من أجل صرف رواتب الموظفين». وحمل الحكومة «مسؤولية الفلتان الأمني وجرائم الاقتتال الداخلي»، متهماً وزير الداخلية سعيد صيام بمعرفة قتلة العقيد جاد التايه قبل ثلاثة شهور وعدم اتخاذ الإجراء اللازم بحقهم. وقال «إذا جاء وزير الداخلية بأسماء قتلة التايه وأطفال المسؤول في جهاز المخابرات سنؤدي له التحية ونسانده في أي شيء يقوم به».
وفي ما يتعلق بتطورات الأزمة السياسية الفلسطينية، أكدت مصادر مطلعة أن أبومازن سيعلن في خطابه المقرر صباح بعد غد السبت عن حكومة «حماس» برئاسة هنية كحكومة تسيير أعمال وعدم إقالتها إلى حين، وهو ما يمكن اعتباره حلاً وسطاً بين الحلول الأكثر تشدداً. وأضافت المصادر أن أبومازن سيعلن في خطابه الذي من المتوقع أن يكون «شاملاً وتاريخياً» عن استفتاء شعبي في شهر مارس المقبل لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة تكون بعد شهرين على الأقل من إجراء الاستفتاء .
وعلمت وكالة الأنباء الفلسطينية المستقلة «معا» أن أبومازن سيتعهد شخصياً بدفع رواتب جميع الموظفين الفلسطينيين والبالغ عددهم 160 ألفاً، بمن فيهم أفراد الأجهزة الأمنية الفلسطينية الذين لم يتلقوا رواتبهم منذ ما يزيد على عشرة أشهر، من خلال صندوق الاستثمار الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية.
وأكدت المصادر على أن رئيس السلطة سيعلن عن جملة قرارات خاصة بتفعيل أجهزة منظمة التحرير الفلسطينية بعد تلقيه ضمانات عربية ودولية باعتماد منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، فضلاً عن أن بعض الدول العربية والأوروبية تعهدت بتحويل الأموال إلى صندوق الاستثمار التابع للمنظمة والذي من خلاله سيتم دفع رواتب الموظفين في السلطة الفلسطينية.
من ناحيتها أفادت مصادر فلسطينية رفيعة المستوى امس بأن الاتحاد الأوروبي أبلغ رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية نيته التكفل بدفع رواتب منتسبي الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي تقل رواتبهم عن 2500 شيكل.
ونقلت وكالة«سما» عن تلك المصادر قولها« ان قرار الاتحاد الأوروبي جاء عقب عدة تقارير تلقاها الاتحاد تنذر بكارثة إنسانية حقيقية في الأراضي الفلسطينية نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية والحصار الذي فرض على الشعب الفلسطيني منذ تولي حركة حماس مقاليد السلطة في الأراضي الفلسطينية.
