معلمون يمنحون رواتب متدنية لا تساهم في الحفاظ على كرامتهم التي يتطلع المجتمع إلى تحقيقها.. منهكون متعبون تستغلهم سوق العمل وكثرة العرض وقلة الطلب ما يجعلهم يقبلون بالأمر الواقع، ورواتب معلمات تصل في مجملها لأقل من أجور خادمات المنازل، وشهادات لا يعترف بها، وغير ذلك يعكس رياحا من الممارسات الخاطئة تشتهيها مدارس خاصة تعتقد آراء مجتمعية أن ما تقدمه من تعليم هو الأكثر تقدما وتطورا مقارنة بنظيره الحكومي.
نؤمن أن هناك مدارس خاصة تقدم مخرجات جيدة برسوم باهظة تنوء بها جيوب أولياء الأمور، إلا أن ممارسات بعضها تقف «حجر عثرة» أمام اعتقادنا بأن كعبها التعليمي الأعلى مقارنة بالحكومي، لاسيما لو كانت إمكاناته كافية وإدارته مستقلة.
إبراهيم بركة مدير مدرسة الشعلة الخاصة لم ينف أن بعض المدارس الخاصة لا تزال غير قادرة على مواكبة التطور الذي شهده قطاع التعليم الخاص خلال الخمسة والعشرين عاما التي عاصرته فيها تطورات هائلة انتقلت به كما ونوعا إلى مكانة مهمة وتعيش في عقلية يجب أن تتخلى عنها وإلا ستجد نفسها خارج المنافسة، وبالتالي مضطرة لمغادرة الميدان ، لافتا إلى ان الممارسات الخاطئة التي ترتكب في بعض المدارس الخاصة لا تسيئ لها فقط، بل إلى غيرها من المدارس الأخرى ، فضلا عن تعارضها مع أسس العملية التربوية السليمة، داعيا إلى تضافر جهود الأطراف كافة لمنع هذه الممارسات ومحاسبة المسؤولين عنها بدءا بوزارة التربية والتعليم التي ينبغي أن تتخذ ما يلزم من إجراءات قانونية وإدارية، مرورا بإدارات وأصحاب المدارس الخاصة الأخرى التي يجب ان يساهموا في التصدي لهذه الممارسات من خلال تشكيل مجالس ولجان تعمل على بحث ومعالجة كل ما يسيئ للميدان التربوي، وانتهاء بأولياء الأمور الذين لهم الكلمة الأخيرة في اختيار المدرسة المناسبة لأبنائهم على أساس سليم من خلال تقييم المخرجات الحقيقية لكل مدرسة وعدم الانسياق وراء اعتبارات وعوامل شكلية وثانوية.
استثناء للقاعدة
وقال بركة: إن مثل هذه الممارسات الخاطئة أصبحت معزولة وتشكل استثناء للقاعدة، ومن المؤكد أن كل المدارس سواء الخاصة أو العامة مضطرة للسير مع الركب إلى الأمام وتطور لأدائها في مختلف الميادين لأن الطموحات التي تسير على هديها الدولة سوف تدفع الجميع في قطاع التعليم وغيره لمواكبة تطورات العصر وأن يرتقي مع هذه الرافعة العملاقة التي يتمتع بها مجتمع الإمارات.
الدكتور هاشم دويدري منسق لغة عربية تساءل : هل بين التعليمين العام والخاص صراع حقا ؟، معتقدا أن ما يدور في الأفق هو تنافس من أجل مخرجات تعليمية وتربوية أفضل، مشيرا في هذا الإطار إلى عدم إمكانية القول إن التعليم العام كله جيد والتعليم الخاص كله رديء، كما ان العكس ليس صحيحا، فهنا بحسب قوله مدارس خاصة استطاعت إثبات وجودها وتحقيق مخرجات فيها الجودة والتميز ، دليل ذلك حصد هذه المدارس جوائز عديدة في الأداء التعليمي المتميز ، فيما أثبت طلاب مدارس حكومية ممن ارتقوا إلى التعليم الأكاديمي والجامعي قدرات متميزة في مختلف المواد.
واستطرد قائلاً: إذا أخذنا الأمر من وجهة نظر عامة نستطيع القول إن التعليم العام يعاني من مشكلات كثيرة تبدأ بالقرارات الوزارية غير المتوازنة والمضطربة وتنتهي بالسلوكيات التربوية لبعض الطلاب والتي تسيء إلى البيئات التربوية وإذا كانت تلك المشكلات تدخل أيضا في معاناة التعليم الخاص إلا ان استقلالية القرار وسرعة اتخاذه ومتابعته في التعليم الخاص يجعل من مدارسه أكثر قدرة على التحرر من الرتابة التي يعاني منها التعليم الآخر.
خبرة ميدانية
ويرى الدكتور دويدري أن التعليم العام في مجمله استطاع تحقيق تقدم ملموس ونجاحات واضحة بتميز طلابه وانضباطهم وحصدهم للجوائز على مستوى المسابقات المحلية والدولية إلى جانب تحرير مديري المدارس ومديراتها من بعض القيود في السنوات الأخيرة ما ابرز عطاءهم المتميز، لافتا إلى أن معظم ما يقال عن تراجع دور الهيئات الادارية والتعليمية يبدو مبالغا فيه ولا يمت معظمه للحقيقة بصلة بل إن بعض جوانبه يعود إلى البيئة والأسرة أكثر من ارتباطها بالمدرسة.
ويعتقد أن التعليم الخاص يتطور كما أكثر من تطوره من حيث النوعية ، فيما يقوم في معظمه على أساس مؤسسات ربحية تتطلع إلى جني المال بأسرع ما يمكن ومن حسن حظ هذا التعليم أن كثرت مدارسه ما أدى إلى تنافس بينها من أجل الأفضل ولكن بقيت مدارس كثيرة تحبو ولا تقدم ما نتطلع اليه من إبداع وتميز، فهي تشكو من معلمين غير مؤهلين ومن ذوي الخبرات المحدودة، ويمنح معلموها رواتب متدنية لا تساهم في الحفاظ على كرامتهم التي يتطلع المجتمع إلى تحقيقها، كما أن أنصبتهم ينوء بحملها الشباب، فهم منهكون متعبون تستغلهم سوق العمل وكثرة المعروض وقلة الطلب مما يجعلهم يقبلون بالأمر الواقع، وهم فوق هذا وذاك خاضعون للأمزجة بدءا بالادارة وانتهاء بالطلاب.
ولفت الدكتور دويدري إلى أن ذلك لا يشمل بالضرورة كل المدارس، فهناك مدارس راقية لا تستغل المعلم وتقدم مخرجات جيدة ولكنها في المقابل تحصل رسوما دراسية كبيرة من الطلاب تنوء بها جيوب أولياء الأمور، وهناك مدارس خيرية ومدارس جاليات تقدم خدمات تعليمية وتربوية تشكر عليها إضافة إلى ما يحصل عليه الطلاب في المدارس الخاصة من متابعة بيتية خاصة لشعور الأولياء بأنهم يدفعون المال الوفير، مرتئيا في الختام أن التعليم العام لو أعطي الإمكانات المادية الكافية ومنحت إدارته الاستقلالية فإنه يستطيع أن يتفوق على التعليم الخاص بلا شك، كما يستطيع أن يحد من سياسة الاتجار بالتعليم.
ممارسات فردية
وتشدد نهاد سعيد الشامسي المدير العام لمدرسة الاتحاد الخاصة ـ فرع الجميرا على أن المدارس الخاصة تقوم بدور فاعل ورئيسي في القطاع التعليمي بالدولة بهدف تقديم تعليم نوعي يساير العصر ويواكبه بتقنياته مع محافظة الكثير منها ـ من غير مدارس الجاليات ـ على انتمائها لمجتمعها والتزامها بمتطلبات وزارة التربية بتركيزها على العربية لسانا والإسلام منهجا، أما ما أشير إليه من ممارسات خاطئة صدرت عن بعض المدارس الخاصة وقد تصدر، فترى انها ممارسات فردية لا تعمم ولا تحدد نتائج قطعية، مشيرة إلى ان اعتقاد الكثيرين بأن المدارس الخاصة أكثر تطورا لا يرتبط بالضرورة بممارسات وإنما بمناهجها وما تقدمه من خبرات تعليمية متطورة وكذلك بتركيزها على بناء شخصية طلابها ما يؤهلهم بسهولة لمرحلة التعليم الجامعي بأرق مستوياته.
اضاءة
قالت بشرى عبد الله معلمة بمدرسة الغبيبة للتعليم الثانوي بالشارقة : تظل كفة التعليم الحكومي هي الراجحة في ميزان التعليم الجيد والأداء التعليمي المتميز، ومع ذلك نجد للتعليم الخاص رواجا ملفتا لاسيما لدى التربويين انفسهم، مشيرة إلى ان المشكلة بدأت تتفاقم بازدياد عدد المدارس الخاصة وتقاضيها رسوما خيالية في بعض الاحيان مايثقل كاهل رب الاسرة بمصاريف مغالى فيها.
ولفتت إلى ان المشكلة متجذرة ومستفحلة في الوقت الحالي والحل كما تراه في ابحاث ميدانية ترصد الخلل، واذا كان اولياء الامور يفضلون التعليم الخاص بداعي التأسيس الجيد في اللغة الانجليزية فعلى وزارة التربية والتعليم ان تنظر في اعادة تأهيل معلمي المادة ليصل التعليم الحكومي إلى المستوى المطلوب وهذا على سبيل المثال لاالحصر.
تحقيق: يحيى عطية
