بعزيمتهم استطاعوا الصمود وسط النيران ومواجهتها دون تردد، وبشجاعتهم ضحوا بأرواحهم لأداء واجبهم وإنقاذ غيرهم بلا تشدد، هم فئة من الرجال التحقوا بوظيفتهم وهم يدركون مدى خطورتها وصعوبة مهامها، ولم يوفروا جهدا في حماية الأرواح والحفاظ على ثروات الوطن، إنهم رجال الدفاع المدني. فالبرغم من المخاطر المحدقة بهم من كل جانب تجدهم دائما على أهب الاستعداد لمواجهتها وقد ارتسمت البسمة على وجوههم التي اعتادت على لهيب الحرائق، دون أي تأمين على حياتهم وبعلاوة لا تتجاوز 200 درهم.
ففي مساء الجمعة قبل الماضية لقي اطفائي مواطن يدعى علي حسين في العقد الثاني من العمر مصرعه وأصيب اثنان من زملائه أثناء تنفيذهم لمهمة إنقاذ بحرية تابعة للدفاع المدني في دبي عندما واجهتهم عاصفة بحرية أدت إلى غرق زورقهم بعد أرتطامه بالأمواج بسبب سوء حالة الطقس التي شهدتها البلاد مؤخراً. كما أصيب أربعة اطفائيين أثناء إخمادهم لحرائق المصانع التي انتشرت مؤخرا في المنطقة وتم نقلهم إلى مستشفى راشد لتلقي العلاج اللازم ليعودوا إلى العمل مرة أخرى ولكن بمعنويات محبطة. فبأصواتهم الخافتة وخوفهم من مواجهة المسؤولين طالب عدد من الأفراد العاملين في الدفاع المدني برفع علاوة الخطر التي تقدر ب200 درهم مقارنة بالمخاطر التي يواجهونها ويتعرضون لها بشكل يومي وبتوفير التأمين الشامل على حياتهم لضمان مستقبل أسرهم بالإضافة إلى التأمين الصحي..
يقول أحد العاملين في وحدة التدخل السريع بالدفاع المدني رفض ذكر اسمه تجنبا لإحراجه أمام مسؤوليه إنه يتعرض بشكل مستمر هو وزملاؤه لألسنة اللهب وأعمدة الدخان المتصاعدة التي تؤثر على جهازهم التنفسي مع مرور الزمن مشيرا إلى عدم وجود أي تأمين صحي يمكنهم من متابعة العلاج في المستشفيات الخاصة. ويضيف: أجد صعوبة في التنفس أحيانا أثناء نومي خاصة عندما أمضي يومي في اخماد الحرائق والدخول وسط النيران، أنا لا أنكر وجود اسطوانات اكسجين وأقنعة تنفس ذات مواصفات عالية ولكن يتوجب علينا أحيانا مواجهة بعض الأمور المتعلقة بالحادث وبالتالي تسرب الدخان إلى أجهزتنا. أما الاطفائي بومحمد فيقول: نيابة عني وعن زملائي أطالب المسؤولين في إدارة الدفاع المدني بضرورة رفع علاوة بدل الخطر وتوفير التأمين الصحي المناسب لنا ولأبنائنا لكي يتسنى لنا العمل في بيئة تسودها أجواء الراحة والطمأنينة على مستقبلنا.
من جانبه أكد الاطفائي خليل قائلا: إن الاطفائيين التابعين للحكومة الاتحادية يتقاضون علاوة بدل خطر تزيد عن الألف درهم فلماذا لا يتم رفع علاوتنا أو توحيدها مع نظرائنا لان مصيرنا في النهاية واحد وعملنا مشترك فأين الإنصاف في ذلك. كما أشارت مجموعة من العاملين على أجهزة الاستقبال الخاص برقم الطوارئ رفضوا ذكر أسمائهم الى أنهم يتعرضون بشكل مستمر إلى مشاكل صحية تتمثل في آلام بالإذنين مع احمرار شديد وصداع مستمر بسبب الأجهزة السمعية التي يرتدونها يوميا ولساعات طويلة وبالتالي هم أيضا بحاجة إلى التأمين الصحي وعلاوة الخطر. وأضافوا أن تلك الأجهزة وما تحتويها من موجات وذبذبات قد يكون لها تأثير سلبي على صحتهم وبالتالي هم بحاجة إلى اختصاصي يوضح لهم مدى خطورتها أو صلاحيتها لأنها غالبا ما تكون سببا رئيسيا للإصابة بمرض السرطان حسبما سمعنا به من بعض الجهات الإعلامية.
أما رأي الجمهور في موضوع التأمين الصحي ورفع علاوة الخطر يقول أحمد الشريفي موظف في وزارة اتحادية: يجب أن يتم تكريم جميع العاملين في هذا المجال ومنحهم العديد من الامتيازات والبدلات كونهم حريصين على سلامتنا ويسهرون على راحتنا لذلك يجب الاهتمام بقضيتهم.
وعن رد إدارة الدفاع المدني حول موضوع التأمين وعلاوة الخطر يجيب العميد راشد ثاني المطروشي مدير الدفاع المدني بدبي قائلا إن الإدارة مازالت تدرس تطبيق نظام التأمين الصحي على الاطفائيين والعاملين في الدفاع المدني حتى الآن إلا أنه رفض التعليق على موضوع علاوة بدل الخطر وزيادتها مثل نظرائهم العاملين في وزارة الداخلية.
وأكد العميد على وجود تأمين خاص بإصابات العمل والوفاة أثناء تنفيذ المهمات وأوقات الدوام مشيرا إلى أنه سيتم تعويض ذوي الفقيد علي حسين بمبلغ مالي بالإضافة إلى سريان راتبه مدى الحياة.
وأوضح أن الأجهزة التي يستخدمها الاطفائيون في عمليات الاطفاء والإنقاذ تعد ذات مواصفات عالمية عالية الدقة وتساهم بشكل كبير في الحفاظ على سلامتهم أثناء تنفيذهم لمهمات الإخماد والإنقاذ مؤكدا إخضاع جميع الاطفائيين لتدريبات مكثفة قبل إلحاقهم للعمل.
وأشار المطروشي إلى أن المراكز الخمسة الجديدة للدفاع المدني التي سيتم إنشاؤها العام الجاري سيتم تزويدها بقوة بشرية مؤهلة ومدربة بشكل جيد لتقديم أفضل خدمات الإطفاء والإنقاذ البشري لسكان دبي وضيوفها مما يتطلب منا توفير بيئة عمل مناسبة للعاملين عليها.
وأكد مدير إدارة الدفاع المدني بدبي أن مراكز الدفاع المدني مهما تباعدت مواقعها داخل المدينة فإنها جزء من خطة متكاملة لخدمات الدفاع المدني بحيث يتولى كل مركز تغطية احتياجات منطقة اختصاص محددة لتقديم تلك الخدمات.
وقال العميد راشد إن معايير اختيار مواقع مراكز الدفاع المدني في أية مدينة هو من أهم وأولى الخطوات لإنشاء البنية الأساسية لخدمات الدفاع المدني، مشيرا إلى وجود العديد من المعايير المعمول بها عالميا، والتي نأخذها بعين الاعتبار مثل معيار عدد السكان في كل منطقة من مناطق المدينة، التي سيخدمها المركز، ومعيار النطاق الجغرافي المحيط بالمركز، مع الأخذ بعين الاعتبار الكثافة السكانية لهذا النطاق الجغرافي، ومعيار المسافة المقطوعة من المركز إلى أبعد نقطة في محيط المركز بالنسبة للمناطق ذات التجمعات السكانية المتباعدة، بالإضافة إلى معيار زمن الوصول من المركز إلى أبعد نقطة في منطقة اختصاصه، ويأخذ هذا المعيار بعين الاعتبار طبيعة الطرق، كثافة المرور، اتجاهات الشوارع ومعدلات التدفق، وساعات الذروة في المدن المزدحمة.
وأضاف قائلا إن تلك المعايير تضاف إليها مجموعة أخرى تعتمد على نوع المخاطر المحتملة في المنشآت الموجودة في كل قاطع جغرافي، لذلك قسمت المدن حسب تلك الفئات، وتوزع مراكز الدفاع المدني تبعا لتلك الاحتياجات. ويضاف إلى ذلك الأخذ بالمسافات المقطوعة بين كل مركز وتلك المنشآت والمباني التي يقدم خدماته إليها، وكميات المياه التي سيحتاجها في حالة وقوع حريق، ونحن في دبي نعتمد بشكل عام معيار تحديد عدد المراكز ومواقعها وفقاً لعدد السكان مع مراعاة نصف قطر نطاق دائرة خدمات الإطفاء والإنقاذ المحيطة بكل مركز.
وأوضح إن إدارة الدفاع المدني بدبي وضعت خطة متنامية تبدأ بإنشاء خمسة مراكز للدفاع المدني ونقطة للإطفاء هذا العام، وتحديد المواقع الضرورية لها ضمن قائمة أولويات المراكز التي ستنشأ في الأعوام المقبلة بحيث تصنف هذه المراكز وفق طبيعة المنطقة التي تتولى تأمينها، فهناك مناطق (تجارية، سكنية، صناعية، زراعية، سكنية تجارية، سكنية تجارية صناعية، زراعية سكنية، صناعية سكنية...الخ)، وتبعاً لذلك نحدد احتياجات واختصاصات كل مركز من الآليات والمعدات والأجهزة والأفراد، ومواد الإطفاء، آخذين بعين الاعتبار التغيرات المحتملة في كل منطقة من حيث عدد السكان، وتنوع القطاعات الاقتصادية وفروع الإنتاج والتسويق والترفيه.
كما يعد اختيار تلك المواقع الإجراء الأولي الذي ستكمله خطوة بناء وتجهيز تلك المراكز بسيارات الإطفاء، والسلم الهيدروليكي، ومجموعة الدعم الفني من التجهيزات والمعدات، وعدد الضباط والأفراد والإداريين والفنيين، لاسيما في مدينة متسارعة النمو مثل دبي فوضع خطة لتلبية الاحتياجات من مراكز الدفاع المدني ينبغي أن تخضع لتأمين متطلبات الحاضر وتضع رؤية لاحتياجات المستقبل، سواء الذي هو في قيد التنفيذ أو قيد الدراسة، إضافة إلى المشاركة في وضع التصورات الخاصة بالخدمات التي ستقدم في المناطق الجغرافية التي لم تنفذ بها مشاريع جديدة.
وأضاف ان إدارة الدفاع المدني بدبي تسعى إلى مواكبة التطور العمراني والمعماري في دبي بما في ذلك إنشاء المراكز بمواصفات معمارية جمالية تنسجم مع البيئة المعمارية المتميزة للمنشآت والمشاريع الحديثة التي تتزايد يوماً بعد يوم إضافة إلى تلبية هذه المراكز للمتطلبات العملياتية والفنية والإدارية لخدمات الدفاع المدني، بما في ذلك استثمار برج المركز كغرفة مزججة للعمليات يطل من خلالها أفراد غرفة العمليات على التجمعات السكانية والاقتصادية التابعة لمنطقة اختصاص المركز، ويتيح لهم رؤية مباشرة للشوارع وامتداد تلك المناطق، ورصد أي دخان يمكن أن يتصاعد من أي جزء في تلك المناطق.
ويعد التصميم الجديد للمراكز، في دبي مظهراً متميزاً وغير تقليدي، يتسم بالجمالية والحداثة ويوفر سهولة لحركة الآليات والقوة البشرية في المركز أثناء الانطلاق إلى مواقع الحوادث، ويوفر إمكانيات إضافية لتطوير تلك الخدمات التي يقدمها المركز للجمهور في منطقة اختصاصه، كالخدمات الوقائية والتوعية.
ويبقى الهدف الرئيسي بالنسبة للدفاع المدني من تحديد مواقع الدفاع المدني هو إنقاذ الأرواح والممتلكات، والثروات الوطنية والتراث الحضاري لبلادنا وذلك من خلال تقليل زمن الوصول إلى جميع المباني التي قد تحتاج إلى خدمات الدفاع المدني وخاصة ذات الكثافة السكانية أو الصناعية أو التخزينية، ولأجل ذلك نخطط ونعمل بدعم متواصل من حكومة دبي لتوفير العدد الكافي من تلك المراكز، وتجهيزها بالقوة الآلية والبشرية المؤهلة فنيا وبدنيا، وتوفير القيادة الكفوءة لها وتزويدها بموارد الإطفاء المختلفة والمتطورة ومعدات الإنقاذ، ووسائل الدعم الفني لمساندة المجتمع في حالات الطوارئ.
وفي ختام حديثه أوضح العقيد المطروشي إن الدفاع المدني بدبي وبدعم كبير ومتواصل من حكومة دبي سيشهد في المستقبل المنظور تطورا نوعيا في خدماته، سواء من حيث الارتقاء بتلك الخدمات أو من خلال تغطيته لكامل مناطق الإمارة وفق خطة إستراتيجية لإنشاء المراكز الجديدة خلال السنوات القادمة وفق الاحتياجات الفعلية والميدانية لخدمات الدفاع المدني، وستشترك الشركات الخاصة المنفذة للمشاريع الكبيرة في بناء مراكز جديدة وتجهيزها بأحدث الآليات والمعدات ليتولى الدفاع المدني إعداد الأفراد والقيادات وإدارة تلك المراكز كجزء من قوة الدفاع المدني المتنامية في دبي.
تحقيق: سعيد الصوافي



