لم يكن أحد يتصور مدى العشق والحب الذي كان يربط «ف» بإبله فقد كانت عزيزة عليه أكثر من نفسه ومن أولاده فهو دائم التنقل معها حتى عندما يشتد الحر يبحث عن ظل يأوي إليه وكان «ف» يسير خلف إبله ليطمئن عليها ومما زاد من حبه لها ان إبله أصبحت تشارك في السباقات التي كانت تقام هنا وهناك وكان يجني من وراء ذلك مبالغ كبيرة.

نتيجة لهذا الحب غير الطبيعي كان «ف» يسافر من بلد إلى آخر بحثاً عن إبل جيدة وذات سلالات معروفة وذلك ليضمها إلى المئات من الإبل التي عنده، وكان «ف» قد رزق بولد واحد وثلاث بنات حيث تزوجت الثلاث في حين ركز «ف» على ابنه «م» ليجعله وريثاً له في حبه للإبل إلا ان «م» كان يكره الإبل كرهاً لا مثيل له، وذلك لأن والده حرمه من دخول المدرسة حتى يبقى يرعى الإبل في الصحراء أو على أطراف المدينة، ويحس «م» دائماً بالأسى عندما يجد أمامه وهو يسير خلف الإبل ورقة مكتوب عليها بعض الأسطر أو قطعة من جريدة ولا يستطيع قراءتها حيث تحول هذا الأسى إلى كره كبير للإبل ولكل أنواع الماشية.

كبر «م» وكبرت معه أحلامه وكأي شاب كان يريد ان تكون له حياته الخاصة كي يشعر برجولته إلا ان كل أحلامه حتى البسيطة منها كانت تتلاشى أمام رغبة والده الاهتمام بالإبل.

في أحد الأيام قال «م» لوالده بأنه يريد ان يذهب إلى المدينة ليعمل هناك ولا يريد ان يعود أبداً إلى بيت فيه إبل كانت هذه الكلمات نذير شؤوم على «ف» الذي رأى فيها تمرداً على الإبل وعلى مكانتها عنده، لذا رفض هذه الفكرة وطلب من ابنه ان يرفضها هو أيضاً، أحس «م» بأن عليه ان يتخذ قراراً بشأن تقرير مصيره وبعد تفكير طويل ترك البيت وما فيه من إبل وذهب إلى المدينة باحثاً عن عمل واستمر غياب «م» يومين عاد بعدها إلى بيت أبيه الذي استقبله ضرباً بالعصا على كل جزء من جسده وطلب منه عدم ترك المكان مرة أخرى مهما كانت الأسباب.

ترك هذا التصرف آثاراً سيئة على جسد ونفس «م» وأخيراً قرر ان يترك البيت ولا يعود إليه أبداً وأحس والد «م» بأن ابنه غير مكترث بالإبل وانه يتحين الفرصة لمغادرة البيت وعدم العودة، لذا بقي والد «م» محاصراً ابنه ويأخذه معه إلى كل مكان يذهب إليه خلف الإبل، وفي أحد الأيام شاهد «ف» إعلاناً في التلفزيون حول سباق للإبل، وكانت هناك فقرة من الإعلان تقول ان الشوط الثالث من اليوم الثاني مفتوح لمشاركة من يشاء، فرح «ف» كثيراً بذلك فهو يحب هذه السباقات وبدأ يخطط للاشتراك فيها ويختار من إبله أجودها وأقواها ترك «ف» مكانه في الصحراء وتوجه إلى مكان قريب من المدينة التي سيقام فيها السباق وفي صباح أحد الأيام أخذ «ف» جملاً وتوجه به إلى حلبة السباق وطلب من ابنه «م» ان يهتم بالجمال بعده وان يأخذها إلى مكان قريب لترعى هناك، لكن «م» لم يأخذ الأمر على محمل الجد فقد أغراه قربه من المدينة بأن يذهب إلى أحد أسواقها ويقضي يومه فيه.

عندما عاد «ف» إلى خيمته التي نصبها بالقرب من المدينة لاحظ ان الإبل بقيت في مكانها وانها لم تخرج للرعي، وعندما بحث عن ابنه لم يجده وبالطبع لم يكن هناك أحد يسأله عن ابنه لأن أحداً لم يكن معهما عندما جاءا من الصحراء إلى المدينة للمشاركة في سباقات الإبل فقد كان هو وابنه فقط.

بعد منتصف الليل عاد الابن إلى الخيمة فوجد والده نائماً على باب الخيمة فتسلل خلسة ودخل الخيمة ونام قبل طلوع الفجر أفاق الأب من نومه وعندما شاهد ابنه نائماً في الخيمة ذهب إليه ليوقظه لكن الابن كان قد غلبه النوم فقام «ف» بضربه بالعصا التي كانت في يده وطلب منه ان يفيق من نومه وان يأخذ الإبل لترعى قبل طلوع الشمس لكن «م» غطى رأسه وبدأ يغط في نوم عميق، ذهب «ف» ليصلي الفجر وعندما عاد وجد ابنه لا يزال نائماً، هنا ثارت ثورته وسحب الغطاء عن وجه ابنه وبدأ يؤنبه طالباً منه القيام ليأخذ الإبل كي ترعى لأنه هو سيذهب إلى مضمار السباق مبكراً إلا ان «م» لم يلتفت كثيراً لهذا الكلام، فحاول الأب معه مرة أخرى، لكن «م» افهمه انه لا يحب الإبل ولا يحب رعيها وانه لم يفكر في يوم من الأيام ان يكون راعياً للإبل أو ان يكون هذا مستقبله لذا طلب من والده ان يأتي براع من باكستان كما يفعل غيره من أصحاب الإبل في مضاربهم في الصحراء فأحس «ف» بأن ابنه يتحداه وان هذه التصريحات الخطيرة عن الإبل لا يمكن السكوت عليها ذهب الأب واحضر عصا غليظة ووقف عند رأس ابنه وقال له ان لم تقم لرعي الإبل الآن سأقتلك، فقال له «م» اقتلني لكني لن أذهب أبداً، فما كان من «ف» إلا ان جن من ردود ابنه هذه وهوى بالعصا الغليظة على رأسه ثم ضربه ثانية وثالثة ضرباً مركزاً على وجهه دون ان يستطيع الابن الدفاع عن نفسه، وبقي «ف» يضرب ابنه حتى انفجر الدم من رأسه بعد ان تكسرت جمجمته.

ترك «ف» الخيمة وذهب إلى الإبل ليأخذها ترعى على بعد عشرات الأمتار من الخيمة التي أقامها لحضور سباقات الإبل قبل الظهيرة، عاد «ف» إلى الخيمة حيث وجد ابنه غارقاً في دمه وجزء من دماغه قد خرج من رأسه وهنا بدأ يفكر في طريقة للخلاص من هذه المشكلة دون ان يكشف جريمته أحد، لذا قرر ان يذهب إلى الشرطة ويخبرهم بأنه كان يرعى إبله وترك ابنه في الخيمة وعندما عاد وجده مقتولاً وقد سرقت منه بعض الأموال لكن هذه الفكرة لم تدم في رأسه طويلاً فقد خاف ان تكشف الشرطة أمره، لذا فكر بطريقة أخرى وهي ان يحفر قبراً لإبنه في الخيمة ويدفنه فيه دون ان يلاحظ عليه أحد ذلك أو يراه وهو يحفر كما ان أحداً لا يعرفه في المكان فعندما يخفي الجثة بهذه الطريقة وفي هذا المكان فإن أحداً لن يكتشفها، وجد «ف» ان الفكرة مناسبة وعلى الفور قام بأدوات بسيطة وبالخنجر الذي معه بحفر قبر غير عميق وسط الخيمة ووضع جثة ابنه فيه ثم وضع رماداً من الموقد على القبر ليخفي معالمه وليبدو وكأنه موقد نار، وبعد ان اطمأن «ف» بأن أحداً لن يكتشف أمره ترك المكان وعاد بإبله إلى مضاربة وعندما وصل سأل زوجته عن ابنه «م» فقالت له بأنه ذهب معك ولم يعد فقال لها لقد وقع بيني وبينه سوء تفاهم على رعي الإبل وفي اليوم الذي ذهبت فيه لحضور سباقات الإبل بقي هو في الخيمة وعندما عدت لم أجده وأغلب الظن انه ذهب إلى المدينة ليبحث عن عمل كما فعل في المرة السابقة، اقتنعت الزوجة بما قاله لها زوجها خاصة وإنها تعرف كم يكره ابنها «م» رعي الإبل وانه سبق وان هرب إلى المدينة بحثاً عن عمل كما قال والده.

انتظرت الأم عودة ابنها كما عاد في المرة الأولى لكن الانتظار استمر لأكثر من ثلاثة أشهر أحست الأم فيها بالخطر على ابنها لذا طلبت من زوجها ان يذهب إلى المدينة كي يسأل عنه لكنه أخبرها بأن المدينة كبيرة وليس من السهل السؤال عن شخص فيها، ثم انه لا يعرف أي مدينة ذهب، فالمدن كثيرة ومتجاورة، وجدت إلام كلام زوجها منطقياً لكن قلقها على ابنها دفعها لأن تطلب من زوجها الذهاب إلى المدينة المجاورة حيث كان يقيم في الخيمة هو وابنه وان يبلغ الشرطة، لكن الأب رفض، وأخيراً وتحت إلحاح زوجته ودموعها التي لا تنقطع ذهب «ف» إلى المدينة وعندما عاد أخبر زوجته بأنه أبلغ الشرطة وأعطاهم أوصاف ابنه ووعدوه بأنهم سيبحثون عنه وطلبوا منه ان يعود إليهم بعد شهر، ورغم ان هذا الكلام لم يخفف آلام الأم إلا انه بدا مطمئناً لها فهي تعتقد بأنه ما دامت الشرطة قد تدخلت في الأمر فان ابنها سيعود إليها حتماً وبعد انقضاء الشهر ذكرت المرأة زوجها بأن يذهب للاستفسار من الشرطة وفعلاً لم يخيب الرجل ظنها حيث ذهب إلى المدينة وعندما عاد أخبر زوجته بأن الشرطة لا تزال تبحث عنه وستجده قريباً.

سباق الدراجات النارية

كان المكان الذي نصب فيه «ف» خيمته هو المكان الأنسب لسباقات الدراجات النارية التي تنظمها المدينة وذلك لأن المكان منبسط وواسع لذا كان هو مكان السباقات الرئيسي والذي تحضره فعاليات كبيرة بالإضافة إلى مندوبي الصحافة الرياضية.

بدأ السباق عصراً وانقسم المتسابقون إلى عدة فرق ولم تكد الفرقة الثالثة تنطلق حتى تعثر أحد المتسابقين في شيء غريب ووقع على الأرض وعندما جاءت مجموعة من المسعفين لمساعدته وجدوا ان دراجته تعثرت في ساق طويلة كانت الملامح الأولى للساق تدل أنها لإنسان لذا بقيت الساق كما هي حتى جاءت الشرطة وطاقم البحث الجنائي، وعند إزالة الرمل تبين ان هناك جثة لإنسان مدفونة على مسافة قريبة جداً من سطح الأرض وهذا ما أدى إلى ظهورها عندما بدأت الدراجات النارية في السباق، تم التحفظ على الجثة في مختبر الشرطة حيث بدأ الخبراء في المختبر يرسمون صورة تقريبية للوجه عن طريق الكمبيوتر ومن خلال الفحص تبين ان الجثة لشاب يتراوح عمره ما بين 18 ـ 20 عاماً أسمر البشرة شعره شديد السواد ثم أخذ الخبراء جزءاً من الجثة وأجروا عليها فحص الـ (DNA) كما تبين من التقرير ان الشاب مات قتيلاً نتيجة لكسور في الجمجمة وانه تم تهشيم رأسه بواسطة عصا حيث وجد جزء صغير من هذه العصا في الجمجمة.

بدأت الشرطة تحرياتها عن مرتكب الجريمة كما بدأت تبحث عن بلاغات ضد أشخاص فقدوا لكنها لم تجد أحداً، ثم بدأت الاتصال بجميع أقسام الشرطة في المدن الأخرى لكنها لم تجد بلاغات ضد مفقودين.

ومن خلال التحليلات التي بدأ في وضعها قسم الأدلة الجنائية بالتعاون مع المختبر الجنائي التابع للشرطة اتضح ان الجثة وضعت مباشرة في الحفرة التي حفرت لها وان ذلك لم يكن قبراً وهذا يعني ان الذي وضعها كان خائفاً وكان يريد ان يغادر المكان بسرعة حتى لا يكشفه أحد وانه قد يكون جاء في الليل أو انه نصب خيمة في هذا المكان وقام بعملية الحفر من داخل الخيمة لذا انصب البحث في هذين الاتجاهين ونشطت التحريات في المنطقة، حيث تبين من خلال البحث ان شخصاً نصب خيمة في تلك المنطقة في أثناء سباقات الإبل التي جرت قبل فترة، وهنا تيقن فريق البحث الجنائي انه أمسك برأس الخيط وبدأ يبحث عن الأشخاص الذين جاءوا من خارج المدينة واشتركوا في سباق الإبل ومن خلال السجلات تبين ان خمسة أشخاص جاءوا للمشاركة في اليوم المفتوح لأن الأيام الأخرى للسباقات كانت لشخصيات معروفة جداً وهكذا تم التركيز على الأشخاص الخمسة وكان اثنان منهما يقيمان في منطقة بعيدة عن مكان السباق بنحو 50 كيلومتراً وقد تبين انهما جاءا مع فريق وعادا مع نفس الفريق وعندما عرضت عليهم الشرطة الصورة التقريبية والتي تم وضعها بواسطة الكمبيوتر للشخص القتيل قال الجميع بأنهم لا يعرفونه ولم يسبق لهم ان رأوه، لذا تم التركيز على الثلاثة الآخرين حيث تبين أنهم ينتمون إلى نفس المضارب.

عندما وصل رجال التحريات إلى المضارب سألوا ان كان هناك شخص ضائع لكن الجميع قالوا لا وعندما تم عرض الصورة التقريبية عليهم تعرف عليه بعض شباب القبيلة واخبروا رجال الشرطة بأن هذا الشاب من قبيلتهم وانه ذهب مع والده لحضور سباقات الهجن وانه لم يعد منذ ذلك التاريخ حيث يقال انه ترك الإبل وذهب للعمل في المدينة. انتقل فريق الشرطة والتحريات إلى بيت الشاب القتيل حيث وجدوا أمه تجلس وحدها، وعندما سألوها عن زوجها أخبرتهم بأنه يرعى الإبل قريباً من مضارب القبيلة وعندما سألوها ان كان أحد أبنائها قد ذهب ولم يعد قالت لهم نعم انه «م» الذي ذهب مع والده ولم يعد إلي منذ مدة، وعندما سألوها لماذا لم تخبروا الشرطة عن غيابه؟ قالت لهم ان والده ذهب إلى المدينة وسجل بلاغاً لدى الشرطة ووعدوه بالبحث عنه وانه عاد وسأل عنه مرة ثانية ووعدته الشرطة بأنها ستجده. هنا قام الضابط المسؤول واتصل في مركز المدينة طالباً البحث عن بلاغ قدمه «ف» عن تغيب ولده وبعد البحث والتقصي على أجهزة الكمبيوتر تبين ان الأب لم يقدم بلاغاً، عندها بدأت الشكوك تحوم حول الأب الذي كان لا يزال يرعى إبله، قام الضابط بعرض الصورة التقريبية للشاب القتيل وما كادت إلام ترى الصورة حتى قالت للضابط انه ابني «م» أين وجدتموه ولماذا لم تحضروه معكم لقد اشتقت له كثيراً أرجوكم ان تأخذوني إليه وأنا سأقنعه ان يعود وسأقنع والده ان لا يأخذه لرعي الإبل مرة ثانية فحاول الضابط ان يهدئ من روع الأم لكنه لم يجد كلاماً يقوله لها، فقد كادت الدموع تنزل من عينيه من شدة تأثره بالكلام، وفي هذه الأثناء كان فريق من الشرطة قد ذهب لإحضار «ف»، وبدأ الضابط يوجه إليه بعض الأسئلة عن تغيب ابنه فقال «ف» بكل ثقة انه ابن عاق وقد ذهب للعمل في المدينة وتركني أرعى الإبل فقال له الضابط لقد قلت لزوجتك بأنك ذهبت لإبلاغ الشرطة عن تغيب ابنك وعند مراجعتنا لأجهزة الكمبيوتر لم نجد أي بلاغ مقدم منك عن ضياع ابنك، فقال الرجل أنا لم أقدم بلاغاً ولكني؛ كنت أطمأنها فقط حتى تهدأ، عند ذلك أخرج له الضابط الصورة التقريبية للشاب وقال له هل هذه صورة ابنك فقال انها تشبهها كثيراً فقال له الضابط لقد وجدنا ابنك مقتولاً وهنا تأكد الضابط ان الأب وراء جريمة القتل لأن الأب لم ينفعل عندما قال له الضابط اننا وجدنا ابنك مقتولاً ولكنه قال كيف وجتموه وأين؟

تم اقتياد «ف» إلى مركز المدينة وهناك اعترف بأنه هو الذي قتل ابنه ودفنه على عجل حتى لا ينكشف أمره.

تم حبس «ف» أربعة أيام على ذمة التحقيق أما الإبل فقد هامت على وجهها في الصحراء ولم تجد أحداً يحافظ عليها.

إعداد: أحمد سلطان