من المعلوم أن للعبادة أركاناً معلومة افترضها الله تعالى على عباده المسلمين وبينها لهم نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام ولكن كل تلك الأركان لها شروط وواجبات فمناسك الحج وأفعاله ليست مجرد أداء لأركان الحج فقط أو أن يلتزم الحاج الالتزام الجاف بالمناسك المشروعة فلا تكون كل هذه الأعمال هي غاية أداء الشعيرة المقدسة
ولكن بجانب هذه الأركان أيضا على المسلم الحاج أن يتصف ويتحلي بالأخلاق الإسلامية الفاضلة وملازمة الآداب التعبدية الشاملة فهذا الرحلة تعتبر بمثابة الرحلة الروحية فيتجرد المسلم الذي ينوي أداء فريضة الحج من متاع الدنيا الفاني ويحرص كل الحرص على التزود بالزاد الباقي للدار الباقية ونعيمها الخالد فهذه الأخلاق والآداب تتمثل في أشياء كثيرة نذكر بعضها على سبيل الإيضاح لا الحصر فمن بينها:
أولا: التحلي بالصبر في السفر فان السفر قطعة من العذاب فيكون القاصد لتلك الديار صابرا معينا لإخوانه منسجما معهم يحاكيهم ويذكرهم بما فيه الخير والصلاح، وإن كان من أهل العلم والفضل عليه أن يفقه إخوانه ويبصرهم بأمور الحج وغيرها وان يكون المسلم في كل حال من الأحوال ليس في الحج فقط بل في كل المواضع ذا صدر واسع وقلب واعٍ..
وقد جاء ذكر الصبر في الكتاب المبين في أكثر من تسعين موضعا منها قوله تعالى (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) «البقرة/45 وقد جعل من الصبر واليقين الإمامة في الدين أيضا كما في قوله تعالى جل وعلا (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) «السجدة/24 وغيرها من الآيات التي تدل على الصبر وعظمته.
وقد قال نبي الرحمة المهداة عليه السلام في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم (ت 265 ه) عن صهيب - رضي الله عنه (ت 65 ه) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عجبا لأمر المؤمن. إن أمره كله خير. وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر. فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر. فكان خيرا له».
ثانيا: ضبط النفس عن العجلة والرعونة في المعاملات عموما خصوصا عند تحقيق مطلب من المطالب المادية أو المعنوية. ثم ضبط النفس عن الغضب والطيش والبطش بالآخرين التي تثير عوامل الغضب في النفس.
ثالثا: : إن الذي يسلك منهج الصبر يضبط النفس عن الاندفاع وراء أهوائها وشهواتها وغرائزها الفانية...
رابعا: إن الصبر يعطي المسلم الحاج وغيره على ضبط النفس لتحمل المتاعب والمشاق والآلام الجسدية والنفسية، كلما كان في هذا التحمل خير عاجل أو آجل. خامسا: إن الصبر في كل شيء يعتبر دليلا على كمال الإيمان وحسن الإسلام.
سادسا: هذا الصبر يورث صاحبه المتقي لله تعالى المتبع لأوامره المنزجر عن نواهيه هداية القلب فيكون صاحبه مطمئنا مفلحا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) «آل عمران/200
سابعا: هذا الصبر يثمر في صاحبه محبة الله تعالى ومحبة رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام فيتخذه قدوة له في كل فعل يفعله ويحب الناس أيضا.
ثامنا: الصبر في السراء والضراء سبب من أسباب التمكين في الأرض ويعتبر مظهرا من مظاهر الرجولة الحقة وتحمل المسؤولية الحقة وعلامة على حسن الخاتمة فهذا يكون من المسلم ( الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) «البقرة: 177»