إذا فكر الإنسان في الحج ونوى أداء الفريضة فهو مأمور بشيئين أما الأول فهو إعداد الزاد والراحلة، وإعداد نفقات السفر، وتوفير نفقات أهله حتى لا يتركهم عالة يتكففون الناس من بعده، فقد روى البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله تعالى (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) (صحيح البخاري).
فالمؤمن مأمور بالسعي وطلب الرزق والسعي من أجل تحصيله، وبذل كل الأسباب المباحة في الحصول عليه «فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» (صحيح مسلم)، و«اليد العليا خير من اليد السفلى» (صحيح البخاري)، فمن هذا المال يدفع الزكاة، ومنه يحج ويعتمر، ومنه يساهم في حل مشكلات المجتمع.
كما أنه مأمور أيضاً بتحري النفقة الحلال إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم)،
وقال (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يارب يارب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام.. فأنى يستجاب لذلك. (صحيح مسلم).
ويأتي الحج فيحيي في النفس هذا السلوك الطيب، وهو السعي في هذه الدنيا وعمارتها، شريطة أن يكون هذا السعي منضبطاً بالشرع، متحرياً للحلال مجتنباً الحرام، ومبتعداً عن الشبهات.
الاستطاعة أولاً
فإذا تحققت الاستطاعة وعزم المسلم أمره، وأخلص نيته، وشرع في الحج، فإن أول ما يفعله في هذه الرحلة الاغتسال والتطيب ولبس ملابس الإحرام، هذه الملابس البيضاء التي لا زخرفة فيها ولا زينة، فهي أشبه بما يلبسه المسلم حين وفاته من هذا الثوب الزهيد الرخيص، وعلى المسلم أن يجدد التوبة، ويتخلص من حقوق العباد قبل أن يشرع في هذه الرحلة التي يرجو أن يعود منها وقد غسلت ذنوبه ومحيت خطاياه ورجع منها كيوم ولدته أمه.
ومن ساعة لبسه هذه الملابس تحرم عليه أشياء كثيرة مما أحله الله قبل إحرامه، فيحرم عليه التطيب ولبس المخيط، وحلق الشعر وتقليم الأظافر وعقد النكاح، ومداعبة أهله أو معاشرتهم وغير ذلك من محظورات الإحرام،
وهذا التحريم المؤقت تعويد للمسلم على ترك الحرام الذي حرمه الله من حيث الأصل تحريماً مؤبداً لا يزول إلا في حالة الضرورة التي تقدر بقدرها، فإذا قويت إرادة المسلم وضبط شهوته وحركته فلم يفعل الشيء المباح الذي اعتاد على فعله طاعة لله عز وجل لأنه حرمه في هذا الوقت، فإن إرادته ستكون أقوى، وعزيمته ستكون أشد إذا تعلق الأمر بالحرام.
ولا ينس الحاج عند بداية هذه الرحلة أن يودع أهله وصحبه قائلاً لهم كما علمنا المعصوم ـ صلى الله عليه وسلم ـ «أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه» (سنن ابن ماجه)، فيردون عليه «نستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك» (سنن ابن ماجه)
أحمد عبد المجيد