عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن ربه عز وجل قال: «أذنب عبدي ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي ربي اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي ربي اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى : أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت قد غفرت لك».

ومناهج التربية قائمة على تصحيح السلوك وتقويم الخلق وتبصير السالكين، ولا يستقيم منهج للتربية بغير إقالة للعثرة وصفح عن الزلة.

وقد خلق الله الإنسان بطبيعة غير طبيعة الملك وغير طبيعة الحيوان الأعجم، فالملك مفطور على الطاعة، والحيوان الأعجم خارج عن دائرة التكليف، والإنسان وحده هو حامل أمانة التكليف ومسؤولية تطبيق الشريعة الإلهية.. والله تعالى لا يدع مذنباً على يأس، ولا عاصياً على قنوط، بل النداء العام الخالد الذي رفعه القرآن المجيد (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون).

وفي تصوير بديع رائع يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح مسلم: «لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلت منه وعليها طعامه وشرابه فآيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح».

ومن ارتكب إثماً أو خطيئة تقع تحت حد من حدود الله تعالى فأقيم الحد عليه فالحدود كفارات تجبر الذنب وتصلح حال النفس والله تعالى أكرم من أن يضاعف العقوبة على عبده في الآخرة.

وإذا كانت المعصية لا تقع تحت قائمة الحدود، أو ستره الله تعالى فلم يكشف ستره فإن طريق الخلاص في حقه يتحقق بمراحل متعاقبة متلازمة هي: الندم على ما فرط منه في جنب الله تعالى، الإقلاع عن المعصية فلا يقيم عليها، العزم على عدم العود إلى ما يغضب الله سبحانه، رد الحقوق لأصحابها إن كانت المعصية تتعلق بحق من حقوق العباد، الإكثار من العمل الصالح وطيبات السلوك، والإقبال على الله بكامل الهمة والعزيمة وصدق التوجه.

وليس في دين الله معصية لا تقبل التوبة منها، أو ذنب لا يغفره الله لمستغفر، وكل من أقبل على الله بتوبة صادقة غفر الله له وقبل توبته، فالكافر يسلم، قال تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف).

والعاصي يتوب، قال سبحانه: (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون).

فالتوبة واجبة من الذنب ولو تكرر مئة مرة، كل ما في الموضوع أن المسلم لا يصل إلى مرحلة الاستهتار والاستخفاف بالقيم والشرائع، بل يندم حقيقة حين يقارف الذنب لإدراكه أن له رباً يستطيع أن يعاقبه ويستطيع أن يغفر له.

والمسلم لا يقنط من رحمة الله ولا ييأس من عفوه بل إن اليأس من الرحمة الإلهية كبيرة من كبائر الإثم، قال تعالى على لسان إبراهيم: (قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) وقال جل شأنه على لسان يعقوب: (ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ).

والشيطان يود لو ظفر من الإنسان باليأس من رحمة الله حتى يظل في المهاوي والمفاسد والشرور لأن ترك التوبة يعني الاستمرار في المنكر.

والحديث الشريف يؤكد أن تكرار التوبة المصاحبة للندم سيصل بالإنسان يوماً ما إلى الإقلاع التام عن المعصية.