يأتي كتاب «حديث القرآن عن النفاق والمنافقين» لفضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الشريف كاستعراض لجانب من حديث القرآن عن النفاق ومن يتصف به من البشر، حيث كشف الله تعالى في كتابه العزيز عن رذائل هؤلاء المنافقين، وعن مسالكهم الخبيثة لمحاربة الإسلام والمسلمين، لكي يحذرهم كل ذي عقل سليم في كل زمان ومكان.

واستطاع د. طنطاوي أن يجيد من هذا الاستعراض عن طريق تقسيم هذا التناول القرآني لهذه الأمة حسب المواقف التي وردت في مختلف سور القرآن الكريم، حيث جاء ذكر النفاق والمنافقين في ثماني سور من سور القرآن الكريم، وهى «البقرة»، «الأنفال»، «آل عمران»، «المنافقون»، «الفتح»، «محمد»، «النساء» و«التوبة».

ويقول في كتابه: إن المتدبر للقرآن الكريم يراه قد فصل الحديث عن النفاق والمنافقين تفصيلا يجعل كل عاقل ينفر من هذه الرذيلة، التي تتنافى مع الشرف الإنساني ومع السلوك القويم ومع الخلق الكريم ومع الفطرة السليمة التي فطر الله تعالى الناس عليها، ولقد وردت كلمات النفاق والمنافقين فيما يقرب من أربعين موضعا من القرآن الكريم، وكلها تدل على رذائل ما فشت في أمة إلا وكان أمرها فرطا، وكانت عاقبتها الخسران والضعف والهوان.

والمنافق ـ على حسب وصفه ـ هو الذي يظهر خلاف ما يبطن، ويتظاهر بالمحبة والصداقة واللين، مع أنه يخفي العداوة والبغضاء، وأنه قد جاء في المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية أن المنافق هو الذي يخفى الكفر ويظهر الإيمان، ويضمر العداوة ويظهر الصداقة، ويظهر خلاف ما يبطن.

ويوضح شيخ الأزهر في مؤلفه أن سورة «البقرة» التي نزل معظمها في السنوات الأولى من الهجرة، واستمر نزولها إلى قبيل وفاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ بفترة قليلة، تحدثت عن المتقين في أربع آيات منها، وهى قوله تعالى: «ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون».

وتحدث عن الكافرين في آيتين، وهما قوله تعالى: «إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون. ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم»، ثم ابتدأ القرآن حديثه بعد ذلك عن طائفة ثالثة، ليس عندها إخلاص المتقين وليس لديها صراحة الكافرين، وإنما هي طائفة قلقة مذبذبة، لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك.

ويؤكد د. طنطاوي أن تلك الطائفة هي طائفة المنافقين، الذين فضحهم القرآن الكريم وأماط اللثام عن خفاياهم وخداعهم في ثلاث عشرة آية، افتتحها عز وجل بقوله: «ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين»،

وهذه الآية جاءت لتكون خير مبالغة من رب العزة في الحط من شأنهم، فهم لم يخرجوا عن كونهم ناسا فقط، دون أن يصلوا بأوصافهم إلى أهل اليمين أو إلى أهل الشمال، بل بقوا في منحدر من الأرض، لا يمر بهم سالك الطريق المستقيم ولا سالك الطريق المعوج، وأن القرآن يعبر بلفظ «يقول آمنا» ليفيد أنه مجرد قول باللسان، لا أثر له في القلوب، وإنما هم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.

ويبين سبحانه ـ تعالى قدره ـ في سورة البقرة أن هؤلاء المنافقين يعانون من الأمراض المعنوية التي تتمثل في سوء العقيدة وفى الحسد وفى كل ما هو منكر من القول أو الفعل، ويسمي ما هم عليه من سوء مرضا لكونه مانعا لهم من إدراك الفضائل،

كما أن مرض الأبدان يمنعها من التصرف الكامل، أي أن هؤلاء المنافقين في قلوبهم شك وفساد، فزادهم الله رجساً على رجسهم، ومرضا على مرضهم، وحسدا على حسدهم، لأنهم عموا وصموا عن الحق، ولهم عذاب مؤلم بسبب كفرهم وكذبهم، وجعل القرآن الكريم العذاب الأليم مرتبا على كذبهم ـ مع أنهم كفرة،

والكفر أكبر معصية من الكذب ـ للإشعار بقبح الكذب وللتنفير منه بأبلغ وجه، فهؤلاء المنافقون قد جمعوا الخستين: الكفر الذي توعد الله تعالى مرتكبه بالعذاب العظيم، والكذب الذي توعد الله مقترفه بالعقاب الأليم.

ويصف الله تعالى في سورة «البقرة» المنافقين بجملة من الرذائل والقبائح، إضافة إلى قبائحهم السابقة، حيث يصفهم بالجهل والغرور المهلك والعناد المزري، والسفه والجنون، إضافة إلى الكذب والخديعة والإفساد في الأرض والاستهزاء بأهل الحق، تاركين الهداية آخذين الضلالة بديلا عنها، ومن ثم كانت النتيجة الغباء وانطماس البصيرة والخسران المبين، مدللا في ذات السورة على هذه الصفات من خلال مواقف معاشة تنقلها الآيات في ذات السورة.

ويشير المؤلف في متناول حديث القرآن الكريم في سورة «الأنفال» عن المنافقين إلى أنهم قالوا في المؤمنين الصادقين أنهم غروا بدينهم، موضحا أن ذلك القول كان قبل التقاء الجمعين في غزوة «بدر» تلك الغزوة التي سماها القرآن الكريم بيوم الفرقان، والتي حدثت في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة،

تلك الغزوة التي خرج الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه فيها بإذن ربهم ـ عز وجل ـ ليأخذوا حقوقهم من مشركي قريش الذين أخرجوهم من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله! وأن القرآن قص جانبا كبيرا مما أشاعه هؤلاء المنافقون في آيات متعددة، منها قوله سبحانه:

«إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غرّ هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم»، وهكذا تبين الآية صنفين من أعداء المسلمين، بعد أن بينت الآيات السابقة عليها العدو الرئيسي، وهم المشركون الذين خرجوا بطرا ورئاء الناس لمحاربة الإسلام، وقد شجعهم الشيطان على ذلك حيث زين لهم أعمالهم، وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وأني جار لكم.

وأورد د. طنطاوي في هذا الجزء من كتابه تفسير الإمام الفخر الرازي لهذه الآية، الذي يأتي ملخصه في أن هذه الآية ذكرت صنفين من أعداء الإسلام، الصنف الأول: المنافقون وهم جماعة من الأوس والخزرج، كانوا يظهرون الإسلام ويخفون الكفر، ومن ثم لم يأت أحد منهم للمشاركة في غزوة بدر، والصنف الثاني: الذين في قلوبهم مرض، وهم قوم من قريش أسلموا ولم يهاجروا،

وقالوا: أنخرج من قومنا؟ فإن كان محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه في كثرة خرجنا إليهم وانضممنا معهم، وإن كانوا قلة أقمنا مع قومنا، ومن ذلك تؤكد هذه الآيات من سورة «الأنفال» كيف خدع هؤلاء المنافقون ـ الذين اتبعوا محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ دينهم الذي جاءهم به الرسول الكريم،

فهم لا يرون الحياة إلا متعة وشهوة وغنيمة، هكذا نجد أن القرآن الكريم قد نبه أتباعه منذ هجرتهم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة إلى أن هناك بالمدينة المنورة جماعة تظهر الإسلام وتخفي الكفر، ألا وهي جماعة المنافقين الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين.

ويؤكد د. طنطاوي أن آيات سورة «آل عمران» التي تناولت تقاعس وخيانة وجبن المنافقين استطاعت ـ إلى جانب كشفها عما يجيش بصدور هؤلاء المنافقين ـ أن توضح أن غزوة «أحد» كانت فرصة سانحة ليتضح النفاق على مرأى ومسمع الجميع، بعد أن كانت «بدر» فرصة لسعي البعض من ضعاف النفوس إلى الإعلان عن اعتناق الإسلام كلاماً وليس إيماناً،

وهكذا استطاع الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يرد على هؤلاء المنافقين الجبناء بما يبطل أقوالهم عن طريق الحس والمشاهدة، وذلك ببيان أن القعود لا يطيل الحياة، كما أن الدفاع عن كل ما يجب الدفاع عنه لا ينقصها فلكل إنسان أجل. ويصف القرآن الكريم في سورة «المنافقون» المنافق بأنه يتعمد الكذب والخداع في سلوكه،

ودائما ينفر من النصح غرورا وتكبرا، تلك السورة التي تعد من السور المدنية الخالصة، حيث جاء نزولها على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد هجرته إلى المدينة المنورة، وعدد آياتها إحدى عشرة آية، والمحقق أن هذه السورة، نزلت في أعقاب غزوة «بني المصطلق»،

وكانت هذه الغزوة في السنة الخامسة من الهجرة، وسميت بهذا الاسم لأنها فضحت المنافقين، ووصفتهم بما يستحقونه من صفات ذميمة ومن طباع قبيحة ومن مسالك سيئة، ويكاد حديثها يقتصر عليهم، وعلى أكاذيبهم ووسائلهم، ومن ثم المتدبر لهذه الآيات والأحداث التي نزلت فيها يرى أن النفوس إذا جحدت الحق واستولت عليها الأحقاد، واستحوذ عليها الشيطان، تأبى أن تسلك الطريق المستقيم مهما كانت معالمه واضحة أمامها.

ويتحدث د. طنطاوي في كتابه عن ذكر سورة «الفتح» بأن المنافقين معروف عنهم ظنهم السيئ بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبأصحابه، وأن ذلك الذكر والبيان اتضح قويا في قولهم للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في صلح «الحديبية»: شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا،

وفى ذلك يقول الله تعالى في سورة الفتح: «سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا».

وفى سورة «محمد» تلك التي تزخر بالآيات التي تتحدث عن قبائح المنافقين ـ على حسب كتاب د. طنطاوي، فتصف آياتها المنافقين بأنهم يضمرون العداوة والبغضاء للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الرغم من حرصهم على الاستماع لقوله، فاستماعهم يكون بالآذان لا بالقلوب، ولهذا كان المنافقون يحضرون مجلس الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيسمعون كلامه ولا يعونه تهاونا منهم.

ويتعجب الله تعالى في هذه السورة من حال المنافقين، وكيف أنهم يستمعون إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا يتدبرونه مع أن ما يصدر عنه من وحي زاخر بالأوامر والنواهي، وأنه لا يعرض عن هذا الكلام إلا قوم قد قفلت قلوبهم على الجهل والحسد والرذائل المتعددة،

فصارت لا تهتدي إلى الحق، ولا تتعاطف مع الخير، ولا تتعاون على البر والتقوى، إنما تتعاون على الإثم والعدوان، في النهاية تجدهم يرتدون إلى كفرهم بعد أن أعلنوا على الملأ إيمانهم ودخولهم إلى دين الحق، وذلك كله سيدخلهم النار خالدين فيها بعد أن تقبض الملائكة أرواحهم، وحالهم سيكون أسوأ حال وأقبحه، لأن ملائكة الموت يضربون عند قبض أرواحهم وجوه هؤلاء المنافقين وأدبارهم ضرباً أليما موجعاً.

ويؤكد مؤلف الكتاب أن سورة «النساء» من السور المدنية الخالصة، التي تحدثت عن رذائل المنافقين في أكثر من ثلاثين آية، فيها ما فيها من المسالك الخبيثة للمنافقين، كسعيهم الدؤوب وتحاكمهم إلى الطاغوت ـ كل ما سوى شريعة الإسلام من أحكام باطلة بعيدة عن الحق، يأخذها المنافقون عن الذين يعظمونهم ـ على الرغم من أنهم أمروا بشكل صريح أن يكفروا بهذه الأحكام وألا يتحاكموا بها أبدا،

وحرصهم على الظهور عند الطمع واختفاؤهم عند الفزع، وإظهارهم السعي الدؤوب وتعجل القتال مادام الأمر في إطار الكلام، ولكنهم يحرصون على الهرب إذا جد الجد فيكون فرارهم وهربهم، وكذلك يؤكد الله تعالى في سورة «النساء» حرص المنافقين على إظهار الطاعة عند الدخول، وإبطان المعصية عند الخروج.

وتواصل سورة «النساء» وصفها لهؤلاء المنافقين مؤكدة أنهم دائما يفشون كل ما هو شر في الحياة المعاشة ويخفون ما هو خير ومفيد، ولهذا كله كان من الضروري أن يتعجل رب العزة في عقابهم والحكم عليهم بأنهم قد أركسوا بما كسبوا، وأنهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها،

وكلما قاموا إلى الصلاة وجدوا أنفسهم كسالى يعانون الإرهاق المعنوي الذي يجعلهم غير حريصين على أداء هذه الفريضة المهمة في الإسلام، ليكون ذلك كله توضيح وتمييز لهم عن غيرهم من المسلمين المؤمنين الذين لا يعرف النفاق طريقا إلى نفوسهم.

القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية: