اتفق عدد من الخبراء والإعلاميين المشاركين في جلسة عمل حول تعايش الشرق الأوسط مع الأخطار النووية على رفض الخيار العسكري لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، مؤكدين أن على دول المنطقة أن تشارك بجدية في وضع الحلول الناجعة للخروج من هذه الأزمة دون اللجوء إلى تدخلات خارجية.

وتحدث في الجلسة كل من براكاش شاه المستشار الأول للعلاقات الخارجية في مجموعة دودسال ، الهند.. وديفيد أغنيشيوس محرر مساعد وكاتب مقال في صحيفة الواشنطن بوست.. وغراهام أليسون أستاذ الإدارة الحكومية،مدير كلية جون ف. كينيدي وأدار الجلسة شون كليري المدير العام لإستراتيجيك كونسبتس ـ جنوب إفريقيا.

بدأ كليري إدارته للجلسة بعرض بعض السيناريوهات التخيلية التي وضعتها دراسات معهد بارميندس فاونديشن تحت عنوان «تعدد الوجوه الإيرانية: قدر أم كارثة» و«إيران: الدولة الدينية و الدولة الديمقراطية»

وقسم السيناريوهات الإيرانية المتوقعة حتى 2010 إليي أربع سيناريوهات تمثلت في الموت والتدمير، التوترات المعوقة، خليج آمن، المواجهات الطائفية.

وبعد عرض تلك السيناريوهات سأل غراهام أليسون عن طبيعة البرنامج النووي الإيراني فقال: استمعنا بالأمس لموقف لاريجاني بشأن الموقف الإيراني الذي يؤكد على أن إيران تسعى لامتلاك التكنولوجيا النووية لأغراض سلمية بحتة وليس حربية في حين أن الانطباع العام لدى مختلف الحكومات هو وجود رغبة إيرانية في امتلاك أسلحة نووية. وهذا رأي كل من الحكومتين الأميركية والروسية اللتين تلاحظان الرغبة الإيرانية في امتلاك سلاح نووي فهناك جهود إيرانية لتحقيق ذلك بعضها ضمن مسار واضح وبعضها الآخر ضمن مسار غير واضح.

أما فيما يتعلق بالمسار الإيراني الواضح فمساره يبدأ بمنشأة أصفهان النووية الإيرانية حيث تقوم الوكالة الذرية بتفتيش تلك المنشأة وهناك كاميرات تتابع عمل تلك المنشأة وجرى حديث سابق عن ضرورة تعاون إيران بالإعلان عن طبيعة عملها في تلك المنشأة وإلا تعرضت لعقوبات ، في حين ترى التقارير الاستخبارية الأميركية أن إيران قد يكون لديها فرصة لامتلاك قنبلة ذرية بحلول 2010-2020 فيما تشير تقارير استخبارية أميركية أخرى إلى أن إيران تحتاج إلي ما بين 5-10 سنوات لكي تمتلك قنبلة ذرية. وقد اكتشف فيما بعد بأن البرنامج الخاص بتصنيع القنبلة تم بيعه لإيران وتأكدت الوكالة من وجوده في إيران.

كما أن الاستخبارات الأميركية وجدت أن إيران ستحتاج إلى وقت أطول قبل أن تتمكن من الحصول على مختلف المواد التي ستمكنها من إتمام برنامجها النووي وتقول وكالة الاستخبارات الأميركية المركزية أن إيران قد تحتاج فقط لستة أشهر قبل حصولها على مواد الطرد المركزي وعلى إيران التوقف وتعليق محاولاتها تلك.

وقال غراهام أليسون، مدير كلية جون ف. كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفارد، إن كافة الدول الغربية المعنية بالمسألة النووية الإيرانية تدرك تماماً سعي إيران للحصول على السلاح النووي. مشيراً إلى وجود مسارين في هذا الاتجاه، أحدهما واضح يتعلق بالأنشطة النووية الإيرانية المعروفة للجميع، والتي تمارس ضمن منشآت تخضع لمراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث تحتاج إيران إذا لم تعلق أنشطتها في هذا المسار إلى 5 - 10 سنوات لصنع القنبلة الذرية.

وقال غراهام إن بعض المعلومات الاستخباراتية تشير إلى أن إيران تخوض مساراً آخر تقوم من خلاله بتطوير قدراتها النووية سراً، مشيراً إلى خطورة مثل هذا المسار الذي لا يمكن التنبؤ بنتائجه، أو المدى الذي قطعته إيران في هذا المجال. «إذا صح هذا التقدير فقد نستيقظ غداً مع إعلان إيران عن امتلاكها للسلاح النووي».

وقال غراهام في هذا الصدد إن إيران استوردت معدات متطورة لمعامل الطرد المركزي دون أن تخضع لمراقبة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية مما يعزز الشكوك في محاولاتها لتطوير أسلحتها النووية بعيداً عن الأضواء.

وحول الخيار العسكري لحل مشكلة إيران النووية قال غراهام إن الولايات المتحدة وإسرائيل بحثتا خيار توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، إلا أن العوائق كانت كثيرة منها صعوبة تحديد الأهداف الأكثر أهمية، فضلاً عن ردة الفعل الإيرانية التي من الممكن أن تتسم بالعنف، كما أن الرأي العام العالمي سيلقي اللوم في هذه الحالة على الولايات المتحدة وإسرائيل، وخاصة بعد الأوضاع السيئة في العراق. كما استبعد غراهام أن تقوم إسرائيل بخطوة أحادية الجانب لضرب المنشآت النووية الإيرانية نظراً للنتائج السلبية المترتبة على مثل هذا الفعل، والتي لا يمكن لإسرائيل أن تتحملها، خاصة في ظل عدم وجود براهين مؤكدة تدل على محاولات إيران لامتلاك سلاح نووي.

بدوره تحدث براكاش شاه، المستشار الأول للعلاقات الخارجية في مجموعة دودسال، عن التجربة النووية الهندية، حيث قال أن أول تجربة نووية قامت بها الهند عام 1974 تسببت في احتجاجات واسعة النطاق في مختلف أنحاء العالم، بالرغم من أن التجربة كانت لأغراض سلمية. إلا أن قوة الهند الاقتصادية وامتلاكها لوسائل الضغط مكنها من متابعة تجاربها حتى نجحت في صنع القنبلة النووية.

وقال براكاش أن السبب الرئيسي الذي يدفع الدول للتفكير بتطوير أسلحة نووية يتعلق بمخاوفها من التهديدات وحرصها على حماية أمنها الوطني، وهو ما دفع الهند لاعتماد هذا الخيار بعد أن أصبحت الصين قوة نووية.

وأشار براكاش إلى أن منع الدول من امتلاك قدرات نووية قد يساهم في حرمانها من الحصول على التكنولوجيا المتطورة التي تساعد في دعم قطاعات بعيدة كل البعد عن القطاع العسكري مثل الرعاية الصحية وقطاع الأبحاث والتطوير، الأمر الذي من شأنه أن يحد من معدلات النمو في هذه الدول.

وعبر براكاش عن أمله في مواصلة خط المفاوضات والوصول مع إيران لحل يضمن لها الأمن والاستقرار والرخاء الاقتصادي، ويقنعها بعدم جدوى الطاقة النووية، خاصة وأنها تمتلك ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم. مؤكداً أن هذا الحل سيكون مناسباً لجميع الأطراف.

من جهة أخرى كان موقف ديفيد اغنيشيوس، مدير التحرير المساعد وكاتب المقال في صحيفة واشنطن بوست، مغايراً نسبياً للموقف في الغرب، حيث قال أن صورة إيران في الغرب مغلوطة والرئيس الإيراني ليس ذلك الإنسان الناري الذي يطلق التهديدات في كل اتجاه، ولكنه يمتلك رؤية واضحة تستهدف تعزيز دور إيران الإقليمي.

ورأى ديفيد أن على العالم أن يعطي إيران التي تعتبر دولة ثورية، الفرصة الكافية للتعبير عن نفسها بالشكل الصحيح. «نحن الآن في فترة ما بعد صدمة الثورة الإيرانية، التي تشبه ما حصل بعد الثورة الفرنسية، وقد احتاج العالم لعقود عدة للتعامل مع نتائج الثورة الفرنسية».

وفي رد على سؤال حول تجاهل الغرب للمنطقة ومصيرها في حال قررت الولايات المتحدة توجيه ضربة عسكرية لإيران، قال غراهام إنه لا يحبذ الخيار العسكري، ولكنه يعرض ما يمكن أن يحدث فقط، وأن الضربة إذا ما تمت ستكون باستخدام الأسلحة الذكية وستوجه إلى منشآت محددة ولن تحدث أضراراً ضخمة كما يتصور البعض.

وقال براكاش أن الحل العسكري سيفاقم الأزمة، وأن هناك حاجة ملحة لاستخلاص العبر من دروس الماضي القريب، والبحث عن طرق جديدة لمعالجة الأزمات في العالم، ومن ذلك التعامل مع المخاوف الأمنية للدول التي تحاول امتلاك السلاح النووي. مؤكداً أن من حق دول المنطقة أن تشارك في صنع قرارها، وأن عليها جميعاً أن تكون جزءاً من أي حل لهذه المشاكل.

وخلص المشاركون في الندوة إلى أن الحل الأمثل لمواجهة الأخطار النووية في الشرق الأوسط يقوم على محورين أساسيين يتمثلان في مشاركة كافة الدول المعنية من داخل وخارج المنطقة في وضع الحلول المناسبة، والوصول إلى اتفاق قطعي ونهائي حول جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.

غياب عربي

ـ انتقد بعض الحضور غياب العنصر العربي خلال جلسة الحوار ما رآه هذا البعض يتعارض مع تسمية المنتدى (الاستراتيجي العربي) وتساءل أحد الحضور: هل هو منتدى عربي أم عربي أميركي؟

ـ انتقد عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة القدس الصادرة في لندن الحديث عن توجيه ضربة عسكرية لإيران قائلا إن الولايات المتحدة لا تهتم بالمسلمين وتساءل ألم تفكروا بأعداد القتلى من الأبرياء في إيران والذي قد ينجم عن عمل عسكري كهذا وعن التلوث النووي الذي قد يحدثه هذا العمل العسكري للبيئة لسنوات طويلة.