أكد علي لاريجاني الأمين العام لمجلس الأمن الوطني في إيران عزم بلاده على المضي قدما في برنامجها النووي السلمي وقال ان الضغوط الدولية لن تثني إيران عن عزمها امتلاك التقنية الحديثة التي تمكنها من امتلاك مقدراتها، في حين وجه دعوة للعالم الإسلامي للعمل على صياغة استراتيجية موحدة يمكن من خلالها للمسلمين مواجهة التحديات التي تحيق بهم في العصر الحالي.

كما أكد لاريجاني عدم سعي بلاده لامتلاك السلاح النووي وقال ان إيران لا ترغب في امتلاك أية أسلحة للدمار الشامل التي عانت هي ذاتها من ويلاتها خلال حربها مع صدام حسين، وقال إن بلاده لا تحتاج إلى سلاح رادع لأنها تملك قوة ردع ذات قدرات هائلة تجعلها في غنى عن السلاح النووي، في حين استهان بالتحركات العسكرية في المنطقة ومحاولتها حشد قوات إضافية وقال إن هذا الأمر لا يعدو كونه «أضحوكة« حيث يدرك الأميركيون وكذلك الإسرائيليون قدرة إيران على مواجهة أية اعتداءات والرد عليها بالشكل المناسب.

جاء ذلك خلال مشاركة علي لاريجاني الأمين العام لمجلس الأمن الوطني الإيراني في فعاليات المنتدى الاستراتيجي العربي في دبي أمس، حيث بدأ مداخلاته باستعراض الأوضاع في المنطقة وتحديدا الدور الأميركي بها خلال الفترة الماضية مشيرا إلى فشل الإدارة الأميركية في تحقيق أهدافها في فلسطين ولبنان والعراق، مستعرضا جهود الإدارة في نزع سلاح المقاومة وممارسة الضغوط على سوريا وإيران ومحاولتها المستمرة نزع سلاح المقاومة في المنطقة.

لا فائدة من الضغوط

وشدد لاريجاني على أن الضغوط الدولية لن تنجح في إزاحة إيران عن طريقها الذي حددته بوضوح ولن تثنيها عن رغبتها في إيجاد البنية الأساسية العلمية التي تمنح إيران القدرة على الاستقلالية، مشيرا إلى الاتفاق الروسي الفرنسي حول مشروع قرار خاص بفرض عقوبات على إيران مؤكدا أن هذا الأسلوب لن يؤدي للوصول إلى حل للمشكلة بل سيزيدها تعقيدا حيث نوه بأنه في حالة إقرار مجلس الأمن لهذا القرار فسيكون «نقطة سوداء» جديدة تضاف إلى تاريخ المنظمة الدولية.

وأوضح المسؤول الإيراني الرفيع أنه على الرغم من قوة إيران وقدراتها العسكرية إلا أنها لم تلجأ أبدا إلى القوة ولم تكن هي البادئة في الحرب مع صدام، بل على العكس تسعى إيران دائما للتقارب مع دول المنطقة حيث ترى أن سياسية التقارب الإقليمي هي الأساس لنشر الأمن والسلام في المنطقة، مشيرا إلى أن البرنامج الأمني الإيراني لم يتضمن في أي مرحلة خططا لتطوير أو امتلاك السلاح النووي.

ووصف لاريجاني الولايات المتحدة الأميركية بأنها أكبر منظمة إرهابية في العالم بما تشنه من عمليات عسكرية استباقية في المنطقة وحملها مسؤولية حالة عدم الاستقرار والفوضى في المنطقة عن طريق الترويج لأعداء وهميين وافتعال المشكلات والنزاعات وأرجع ذلك إلى سياسة الولايات المتحدة الأحادية ورغبتها في السيطرة على مقدرات المنطقة. وقال إن على الولايات المتحدة إعادة حساباتها وإبداء حسن النية بسحب قواتها من المنطقة إذا كانت تسعى حقا لإحلال الأمن والسلام في ربوع المنطقة.

ولخص علي لاريجاني أسباب حالة التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة في أربعة أسباب رئيسة وهي: التدخل الأخير في المنطقة في إطار الاستراتيجية الأحادية الأميركية، وعدم اعتراف عدد من دول المنطقة بالواقع، والخلافات الطائفية المفتعلة، إضافة إلى الدعم غير المحدود من أميركا لإسرائيل.

علاقات إقليمية قوية

وشدد الأمين العام لمجلس الأمن الوطني على العلاقات القوية والوطيدة التي تجمع بلاده بدول الخليج العربي وقال ان العلاقات مع الإمارات علاقات قوية وتاريخية، مشيراً في رد على سؤال حول مسألة جزر طنب الصغرى والكبرى على أنه مسألة خلافية محدودة يمكن حلها بسهولة ولا تؤثر على علاقات البلدين.

وفي إجابة على سؤال آخر حول ما أثير من تحفظات إيران على بعض الأنشطة التي اعتبرتها عدائية، قال إن المسألة لم تكن تتعلق بالإمارات ولكن بسفارة الولايات المتحدة مكررا اعتزاز إيران بعلاقاتها مع الإمارات بشكل خاص ودول المنطقة على العموم.

وحول دور الولايات المتحدة في المنطقة، قال لاريجاني ان الإدارة الأميركية وصلت إلى طريق مسدود وذلك في إطار استراتيجية الأيديولوجية الأحادية التي تنتهجها أميركا وتسعى من خلالها على فرض هيمنتها على العالم، مشيرا إلى أن الحرب الأخيرة على لبنان والتي وصفها بإحدى المغامرات الأميركية، لم تكن إلا محاول لرسم خريطة جديدة للشرق الأوسط.

وقدم المسؤول الإيراني تصوراته لمستقبل الأحداث خلال المرحلة المقبلة والذي وضعه في إطار ثلاث سيناريوهات محتملة، أولها ان تبقى الولايات المتحدة على استراتيجيتها الحالية تجاه المنطقة واستبعد حدوثه وقال هذا الخيار حال لجوء أميركا إليه سوف يؤدي إلى تصاعد وتيرة العنف وزيادة حالة عدم الاستقرار في المنطقة،

أما السيناريو الثاني والذي رآه أكثر الاحتمالات قربا للواقع من وجهة نظره هو أن تبقى أميركا على استراتيجيتها الحالية مع اللجوء إلى تغيير التكتيكات، وقال إن هذا الخيار لن يقدم انفراجه للطريق المسدود الذي تواجهه أميركا في المنطقة ولكنه سيكون مخدرا وقتيا لتأجيل الحل ويكون الوقت مرهونا بنوعية التكتيكات الجديدة ومدى أثرها في الأطراف المعنية،

وأضاف لاريجاني ان السيناريو الثالث، يرى فيه الإدارة الأميركي ة وقد اختارت تغيير سياستها واستراتيجيتها في المنطقة وهو السيناريو الأمثل الذي استبعده أيضا لاريجاني وقال انه في حال ما اختارته الإدارة الأميركية فسيكون بداية تغيير حقيقي في المنطقة، وذلك مع بحث الولايات المتحدة عن خيار آخر للسياسة والإطار الأحادي، وقال ان هذا الخيار سيساعد على تغيير العديد من الظروف الدولية وقال إن الدليل الأوضح على هذا التحول حال حدوثه هو سحب القوات الأميركية من المنطقة.

نظرة تاريخية

وتناول الجذور التاريخية للأزمة في المنطقة وعلاقة أميركا بها وذلك في أعقاب خروج القوات البريطانية من منطقة الخليج، ووضع أميركا للشاه ديكتاتورا و«رجل درك» لها على رأس السلطة في إيران ليكون عمليا لها هناك وأمدته بالسلاح على حساب الشعب الإيراني.

وقال لاريجاني إن الثورة أطاحت بالديكتاتور وأزالت قلق المنطقة من ناحية رجل الدرك المدعوم من أميركا، حيث بادرت أميركا آنذاك لاستخدام صدام كبديل للشاه في المنطقة، وكانت سببا رئيسا في نشوب الحرب بين إيران والعراق مزودة صدام بالسلاح على حساب الشعب العراقي، في حين ذهبت عائدات بيع النفط في المنطقة لأكثر من 80 عاماً والتي تقدر بنحو 200 مليار دولار إلى جيوب الغرب.

وأضاف ان أميركا نجحت في خلق شكل من أشكال العداء الوهمي في المنطقة وروجت لهذا النموذج، في حين سعت إيران إلى خلق حالة من التوحد بين دول العالم الإسلامي وباشرت استراتيجية التقارب الإقليمي لضمان الأمن والسلام في المنطقة، في حين وقعت بعض دول المنطقة في الشرك الذي نصبته أميركا واعتبرت أن إيران تمثل خطر على أمن المنطقة.

وأوضح أن العالم شهد مجموعة من المتغيرات العميقة التي تركت أثرها واضحا على الساحة السياسية في المنطقة ومن أبرز تلك المتغيرات انهيار الاتحاد السوفييتي، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر والترويج لنظرية فوكوياما لنهاية التاريخ، الأمر الذي عزا بالرئيس الأميركي للإعلان أن النموذج الأميركي والإيديولوجية الأميركية هي الخيار الأوحد أمام العالم، في فكرة وصفها لاريجاني بأنها «غير ناضجة».

وقال إن هذه الإيديولوجية تمثل كارثة للإنسانية على المستويين العملي والنظري وتمثل حركة رجعية للقيم الإنسانية، حيث تجرأت الولايات المتحدة في ظل تلك الأيديولوجية على تدشين مشروعها العسكري في المنطقة.

التنمية والعولمة

وأضاف ان التنمية التجارية في ظل العولمة لم تأت نتاجا لفكر جديد نحو التوحد العالمي بقدر ما جاءت في إطار الاستراتيجية الأحادية لأميركا التي ربطت بين التنمية التجارية في العالم ومكافحة الإرهاب.

وحول دور المؤسسات الدولية اتهم لاريجاني تلك المؤسسات بفقد مصداقيتها واستقلاليتها وقال إنها تحولت إلى أداة تروج للأيديولوجية الأحادية الأميركية وإجبار العالم على السير في الاتجاه الذي يتفق مع القيم الأميركية ويخدم مصالحها، في حين تلجأ أميركا للقوة العسكرية للترويج لأيديولوجيتها مع فشلها في تحقيق ذلك في المنطقة لعدم إدراك الإدارة الأميركية لثقافة الشعوب بها، في حين ولّدت الاستراتيجية العسكرية ردود فعل خطيرة وعنيفة ضاربا مثال بأحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وأضاف ان قيم الغرب لا تحمل أهمية للمنطقة وذلك في ظل تعامل الغرب مع المقاومة المشروعة في فلسطين ولبنان والعراق على أنها آلة إرهابية مشيرا إلى أن استخدام العنف والقوة المفرطة في مواجهة الأفراد العزل هو عين الإرهاب، وقال إن التواجد العسكري الغربي في المنطقة يؤجج الأوضاع ويضيف وقودا إلى النار.

مسرحية هزلية

ووصف السياسي الإيراني المسؤول عن الملف النووي الإيراني، موقف الولايات المتحدة والغرب من البرنامج النووي الإيراني بأنه «مسرحية هزلية»، وقال إن البرامج والمشروعات النووية الإيرانية التي بدأت في الماضي في إيران مثل محطة بوشهر ومفاعل طهران، كانت نتيجة لاتفاقات أبرمت في عهد الشاه، ولم يثار آنذاك أية مشكلات أو إدعاءات حول نية إيران امتلاك سلاح نووي، في حين لم يف الغرب بالتزاماته تجاه الشعب الإيراني وألغى جميع الاتفاقات المبرمة في ذلك الإطار معاقبا الشعب الإيراني على إسقاطه الشاه الموالي للغرب.

وقال إن هذا الموقف دفع إيران للعمل على تعزيز أبحاثها النووية لتطوير برنامجها السلمي وأعزا تمسك بلاده بالبرنامج النووي إلى حاجة بلاده لمورد بديل للطاقة حيث ان الموارد النفطية في طريقها إلى الزوال آجلا أم عاجلا، وقال إن بلاده لا يمكنها أن تعول على وعود الغرب بتوفير الوقود النووي اللازم لتوليد الطاقة النووية وقال إن إيران امتلكت 10 بالمئة من أسهم شركة أورديف إبان عهد الشاه ورفضت الشركة تقديم غرام واحد من الوقود النووي لإيران في أعقاب إطاحة الثورة الإيرانية للشاه.

وأضاف ان المجتمع الدولي غير قادر بالوفاء بتعهداته في هذا السياق مشيرا إلى الجهود الدولية المبذولة في ثمانينيات القرن الماضي من خلال هيئة الطاقة الذرية لتأمين الوقود النووي وبعد 7 سنوات من العمل فشلت تلك الجهود كما كانت هناك رغبة لتأسيس بنك دولي للوقود النووي إلا أن الحصول على الوقود سيبقى مرهوناً بشروط البنك والإذعان لسياساته.

حساسية من القنبلة الإسلامية

وأرجع لاريجاني الزوبعة التي أثيرت حول البرنامج النووي الإيراني إلى رغبة الولايات المتحدة في الحيلولة دون امتلاك العالم الإسلامي للتقنية النووية ولا السلاح النووي ولا المشاركة في امتلاك جزء من القدرة العالمية أو حتى أن يملك المسلمون مقدراتهم ومصائرهم بأيديهم.

وقال المسؤول الإيراني أن أميركا اختارت إذكاء روح الفتنة وروجت للتأجيج النزاع في المنطقة عن طريق إثارة الضغائن والعداءات الوهمية بين الطوائف المختلفة في المنطقة خاصة بين السنة والشيعة وهو نزاع مفتعل ولا أساس له حيث طالما تعايشت تلك الطوائف في وئام على مر التاريخ، وقال إن على دول المنطقة الانتباه إلى هذا الفخ حيث ان تزايد الصراع يخلق الإحساس بالحاجة إلى استمرار الوجود الأميركي في المنطقة.

ولخض المسؤول الإيراني تصوره لمستقبل العمل في المنطقة من خلال محورين أساسيين أولهما: تحقيق الهدوء النفسي وزيادة الثقة في النفس على إدارة الشؤون الذاتية دون تدخل خارجي وثانيهما: رفع مستوى التعاون الاقتصادي والثقافي بين دول المنطقة. وأشار إلى أنه في حالة تحقق هذين الشرطين ستجد أميركا نفسها في موقف يدفعها إلى إعادة النظر في استراتيجياتها في المنطقة.

وخلال مؤتمر صحافي التقى فيه علي لاريجاني مع ممثلي وسائل الإعلام المحلية والعالمية على هامش أعمال المنتدى الاستراتيجي العربي، وفي إجابة على سؤال حول استعداد إيران للدخول في حوار مع أميركا، قال المسؤول الإيراني أن شعوب المنطقة في حاجة لإقرار الأمن والاستقرار لتهيئة المناخ للتنمية والتقدم

وأشار إلى أن لا أحد يعارض أية جهود من شأنها تحقيق تلك الأهداف، وأضاف أن أميركا شجعت صدام للهجوم على إيران بينما اعتذرت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبريت عن مساعدة بلادها صدام أبان تلك الحقبة.

وفي إجابة على سؤال آخر حول وجود اتصالات سرية بين أميركا وإيران، أو احتمال بدء حوار غير معلن بين الطرفين، نفي لاريجاني ذلك وقال إن بلاده لا تحتاج إلى السرية وتعمل في العلن، وقال أن بدء الحوار يتطلب إعداد الأرضية السليمة وأخذ الخطوات السليمة في هذا الاتجاه، معربا عن أمله في أن يغير الأميركيون إستراتيجيتهم الأحادية من أجل صالح الشعب الأميركي نفسه الذي يفقد 150 مليار دولار سنويا في الحرب وكذلك مئات القتلي من جنوده.

وقال لاريجاني ان التنسيق البيني في دول المنطقة والعمل على إيجاد استراتيجية وترتيبات أمنية مشتركة سيكون بمثابة السبيل الأمثل لتأكيد فرص خروج الأميركي ين من المنطقة، وقال إنه معظم قادة دول المنطقة، على الرغم من تحالفات بلادهم المعلنة مع الولايات المتحدة، تسود بينهم حالة من عدم الارتياح للسياسة الأميركية الأحادية والرغبة في تغيير الأوضاع السائدة، مشيراً الى أن إحداث التغيير يحتاج الى وقت وقد يجري بشكل تدريجي.

دبي ـ «البيان»: