أكد الخبراء الاقتصاديون الذين شاركوا في جلسة السباق العالمي على الطاقة خلال المنتدى الاستراتيجي أن السنوات المقبلة ستشهد اهتماما أكبر بالتوجه نحو مصادر أخرى بخلاف النفط للطاقة، وستكون الطاقة النووية أكبر هذه المجالات اهتماما في السنوات المقبلة، ولن يقتصر الأمر على الدول الغربية، بل ستدخل هذا المجال دول عدة في منطقة الشرق الأوسط.

وتوقع المشاركون في الجلسة الثانية للمنتدى والتي أدارها ديفيد أجناشيوس الكاتب في الواشنطن بوست، مستقبل الطاقة في العالم رهن بمدى تعزيز التعاون بين دول العالم من مصدرين ومنتجين ومستهلكين وشركات عالمية، مع ضرورة الاهتمام بمفهوم التنمية المستدامة للمجتمعات الإنسانية، والتركيز على ترسيخ السلم والسلام والأمن العالمي للوصول إلى إمدادات الطاقة بكل أمن وسلام في أنحاء العالم.

وأشار الأخضر الإبراهيمي المستشار الخاص للامين العام للأمم المتحدة إلى أن دول المنطقة بحاجة أكبر للخدمات وتوفير الرعاية الصحية والتعليمية.

وقال لا شك أن هناك شكاوى من وجود نقص في هذا المجال بالعديد من الدول، بما في ذلك الدول النفطية، مشيرا إلى ان الكثير من الأموال تم انفاقها على أمور غير أساسية، وعلى الأنظمة الدفاعية، وحدث هدر كبير في هذا الشأن وبشكل غير مجد، ولم يتم توظيف الأموال بالصورة المثلى لتنمية السكان، بسبب الإنفاق على أمور غير اقتصادية.

ولأسباب الوجاهة الاجتماعية، علاوة على الفساد وعمليات الإهدار التي شهدتها السنوات الماضية، ونأمل ان تتغير وتتبدل السياسات في السنوات المقبلة، ملفتا إلى وجود توجه جديد في هذا الشأن من خلال توجيه الأموال نحو مشروعات تنموية، وأضاف الإبراهيمي: إن التعليم في المنطقة يحتاج إلى ثورة، تستفيد من توظيف جديد للعوائد النفطية، وعلينا ان نتعلم من دروس دول الشرق الاقصى، وما حققته ماليزيا.

ولكن يبقى أمر مهم في قطاع النفط أن البعض يرى أن تقديرات الخبراء حول أسعار النفط على مدى السنوات الماضية، كانت كلها غير دقيقة بما في ذلك توقعات الأسعار، ملفتا إلى أن السؤال الذي يطرح نفسه حاليا .. هل انخفاض إنتاج النفط سيؤثر على مشروعات التنمية؟ ومن هنا يتطلب الأمر انفاق الأموال بصورة أفضل.

الوضع في العراق

وتحدث الإبراهيمي عن الوضع في العراق وانعكاساته على إنتاج النفط قائلا: ان هناك من يقول ان العراق يتجه نحو نظام طاقة اقليمي ذي خصوصية، الا أن المؤكد وجود قلق عالمي إزاء ما يحدث في العراق وسيظل هذا القلق لسنوات، ولاشك أن الصفقات النفطية التي أبرمها الأكراد في الشمال مصدر قلق خطير بين السكان، ودليل قوي على عدم وجود نظام أو دولة في العراق، وهناك من يتحدث الآن عن تكرار ما جرى في الشمال أن يتم في الجنوب.

وقال: إن العراق اليوم بكل المقاييس أسوأ مما كان عليه قبل عام 2003 اي قبل الاحتلال الأميركي، وهذا السوء ينعكس على الأوضاع الاقتصادية بما فيها النفطية، وسيكون الوضع اكثر سوءاً في ظل المؤشرات الخاصة بقيام جنوب العراق بعقد صفقات نفطية، كما ان الحديث عن وجود ثلاث دول في العراق بغض النظر عن كون هذه الدول تدخل ضمن فيدرالية من عدمه فهذا أخطر ما يهدد العراق، كما سيكون الأمر كارثيا على العراق خاصة، والمنطقة عامة.

وأشار جيروين فان درفيير الرئيس التنفيذي لشركة (شل) الهولندية إلى أن شل تمتلك علاقات قوية مع دول المنطقة في مجال إنتاج النفط والغاز، وعلى مدى 50 عاما ارست شراكة مرنة في مجالات التعاون النفطي، وتمتد أنابيب ومشروعات شل في مختلف دول العالم.

وبالخصوص في الامارات والسعودية، وقطر والكويت، ونتعهد من خلال هذه الشراكة أن نواصل مسيرة التعاون خلال السنوات الخمسين عاما المقبلة بمستوى أعلى مما حققناه في السنوات الخمسين المماثلة الماضية.

وقال: هناك فرص للقيام بجهد أكبر في مجال الطاقة المستدامة، كما يجب على دول مثل الهند أن تخطط لتنمية اقتصاداتها،و تطوير تقنيات الطاقة للحد من فاتورة وارداتها النفطية، وعليها الاستثمار في هذا المجال بصورة أعلى، والعمل على تطوير التقنيات.

خلق الفرص

وقال زاي جن مساعد وزير الخارجية الصيني: ان أهم عنصر في مجال الطاقة مستقبلا خلق الفرص، لتحديد مدى السباق العالمي من أجل الطاقة، منوها أن الصين سجلت تقدما ملحوظا في مجال الطاقة والتنوع فيها، وزيادة الاعتماد على مصادر متعددة في توفير الطاقة، علاوة على توفير موارد ذاتية للطاقة، ملفتا إلى أن الصين توفر نحو 90% من احتياجاتها من الطاقة ذاتيا.

وأفاد بأن التوفير الذاتي من الطاقة في الصين خلال العام 2005 وصل إلى 93%، واستوردت الصين 136 مليون طن من النفط، بينما وفرت 131 مليون طن من الانتاج المحلي، في الوقت الذي لا يمثل فيه النفط سوى 60% من متطلبات الصين من الطاقة، كما تعطي الصين أولويات كبيرة لبناء البنى التحتية للطاقة من المخازن، كما نعمل على ضرورة تطوير مجتمع يركز على تقنيات الحفاظ على الطاقة، من أجل الازدهار الاقتصادي في الصين.

وأشار جن إلى أن الفحم من أهم مصادر الطاقة في الصين، ونعطي الاستخدام الأمثل لهذا المصدر،علاوة على تشجيع انتاج الطاقة النووية، وفق آليات إنتاج آمنة، ملفتا إلى أن معدل الأسعار من أهم التحديات التي نعمل على صياغة علاقة دولية لتحقيق ما يرضي كل الأطراف، ومن خلال تطبيق سياسات لضمان طاقة أمنة.

أمن الطاقة

وأوضح مساعد وزير الخارجية الصيني بأن ضمان أمن الطاقة في العالم الهاجس الذي يقلق الصين مثلها مثل باقي دول العالم، ولهذا تعمل الصين على توفير الإمدادات الوطنية مع فتح الباب أمام القطاع العالمي من أجل تعاون أكبر ودعم تنمية السلم العالمي.

وقال: إن الأمن النفطي في العالم يتطلب جهدا أكبر من المجتمع الدولي، ولكي يتحقق الأمن في هذا المجال بشكل واضح لابد من الأخذ في الاعتبار ثلاثة أمور رئيسية تتمثل في تعزيز التعاون في استخدامات الطاقة، والعمل على التنمية المستدامة للمجتمعات الإنسانية بهدف تطوير سياسات التنمية، والتركيز على السلم والاستقرار العالمي للوصول إلى إمدادات نفط آمنة بين دول العالم، مشيرا إلى أن أمن الطاقة مسألة مصيرية بين دول العالم، ويجب أن تكون محل الاهتمام الأكبر من الجميع.

مفهوم الشراكة

وقال: إن بلاده تعزز مفهوم الشراكة بصورة ملحوظة، كما ان التعاون بين دول العالم النامي والدول المنتجة للنفط والمستهلكين أصبح ضرورة حتمية في المراحل الراهنة.

كما إن العمل على فض النزاعات الاقليمية في المنطقة (الشرق الأوسط) من أهم العوامل الرئيسية لاستقرار الطاقة الآمنة، ولا شك أن الحوار هو أفضل طريق لحل النزاعات التي تثير قلقا على أمن الطاقة، ونظرا لكون الصين مستهلكا ومنتجا للطاقة فانها حريصة على بناء علاقات أكبر، ،ان يكون لها دور محوري فيما يتعلق بإنتاج النفط عالميا، ودور فاعل في الأمن والسلم العالمي.

ولفت زاي جن إلى أن تأسيس آليات محددة مع أوبك والمصدرين والمنتجين والمستهلكين في الطاقة الباب المفتوح أمام أمن الطاقة عالميا، كما كشف عن قيام الصين بإعداد آلية حوار مع بعض البلدان المنتجة للنفط، لبناء شراكة صينية في القرار الدولي فيما يتعلق بالطاقة، ومستقبل النفط حول العالم، بغض النظر عن عدم عضوية الصين في أوبك.

المصادر البديلة

وقال دانيال يارجن رئيس جمعية كامبريدج لأبحاث الطاقة: إن كل المؤشرات ترجح الاهتمام العالمي بالتوجه نحو مصادر الطاقة البديلة ، وتأتي الطاقة النووية على رأس قائمة تلك البدائل، ولن يتوقف هذا الاهتمام على الدول الغربية فقط، بل سيمتد إلى العديد من دول العالم بما في ذلك الشرق الأوسط، ملفتا إلى ان جميع عمليات إنتاج الطاقة النووية سيتم تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وافاد يارجن في تحليله للتوقعات المستقبلية للنفط: بأن استهلاك الطاقة سيتزايد في السنوات المقبلة، والهند والصين ستكون اكبر مستهلك للنفط والطاقة في السنوات المقبلة، كنتاج طبيعي لما تقومان به من أعمال تنمية شاملة، كما أن المؤشرات تؤكد أن القوة ستميل في اتجاه المنتجين، وسيزداد أهمية وضع المنتجين الكبار، ليصبحوا في وضع أقوى من حيث توجيه الرأي العام.

كما أن التوقعات تشير أيضا إلى الصين والهند وروسيا ستتعاون مع دول الشرق الأوسط بصورة أفضل مما كان عليه الوضع سابقا، كما سيسعيان إلى بناء شراكات أكبر، في مجالي النفط والغاز، بينما ستبقى قضية الطاقة النووية محل جدل، لأن الأرجح هو التوجه إلى الانتاج بصورة اكبر، خاصة مع وجود اعتماد على الطاقة النووية في توفير احتياجاتها من الطاقة مثل فرنسا التي تستحوذ هذه النوعية من الطاقة على 70% من أجمالي احتياجاتها.

وذكر راجن كيلاجند رئيس مجموعة دودسال الهندية بأن مصادر الطاقة غير النفطية هي أساس توفير احتياجات الطاقة في العالم، خاصة مع ضبابية الأسعار، منوها إلى ان الانفاق العالمي على الطاقة الشمسية يصل إلى 40 مليار دولار، والهند أنفقت 7,1 مليار دولار على استحداث هذه الطاقة، ولا شك أن الهند والصين باعتبارهما أكبر مستخدمين للطاقة في العالم، فان عليهما الدخول في مجال الطاقة الآمنة.

وقال إن الهند ستستفيد من الفحم مثل الصين تماما في إنتاج الطاقة، وتمتلك الهند خطة لتوفير ما بين 10% إلى 20% من احتياجاتها من الطاقة عبر التوليد بالطاقة النووية.

دبي ـ « البيان»