دقت حادثة تسمم طلبة العين ناقوس الخطر حول قضية سوء التغذية التي تعاني منها العديد من المدارس وخاصة الحكومية لعدم قدرتها على توفير الوجبة الغذائية الصحية الآمنة لطلابها بأسعار منخفضة في ظل عدم إمكانية دعمها من الميزانيات المخصصة لها التي تكفي بالكاد لمختلف الضروريات مثل الصيانة والكتب والتي تعتبر أهم من التغذية.
وهو ما دفع تربويين إلى المطالبة بتخصيص ميزانيات مستقلة للتغذية في المدارس لدعم الوجبات المقدمة للطلبة والتعاقد مع شركات معروفة لديها القدرة على توفير وجبات غذائية صحية وذهب البعض إلى أبعد من ذلك مطالباً بضرورة تخصيص خبير تغذية في كل مدرسة لهذا الغرض.
ومن جانبها أكدت وزارة التربية والتعليم أنها قدمت للمدارس نموذجاً لوجبة غذائية متكاملة للطلبة وبأسعار بسيطة إلا أنها لم يتم تفعيلها بالصورة اللازمة من بعض المدارس الحكومية.
محمد فهد طالب بالصف العاشر قال إنه نادراً ما يلجأ للحصول على وجبات من المقصف المدرسي لعدم توافر أغذية صحية ويقتصر الأمر على عدد من المشروبات الغازية وبعض المأكولات البسيطة .
وهو ما يجعله يشعر بإعياء شديد وتصل قدرته على التجاوب مع شرح المعلمين إلى أدنى مستوياتها مع نهاية اليوم الدراسي، مقترحاً أن يتم إعداد وجبات صحية للطلبة يتم توزيعها عليهم في منتصف اليوم الدراسي بأسعار رمزية كي يتسني للطالب الاستمرار على نفس درجة التركيز في بداية ونهاية الدوام.
وشدد عيسى سالم طالب بالصف الثاني عشر على أن الثقة أصبحت مفقودة بين الطلبة والمقاصف المدرسية خاصة بعد الحادثة الأخيرة التي وقعت في العين مما يتطلب اعتماد آلية مختلفة لتغذية الطلبة فلابد من وجود دعم أكبر من وزارة التربية والتعليم لهذا الأمر خاصة في ظل الضغوط الكبيرة التي يتعرض لها الطلبة في الفترة الحالية بعد النظام الجديد للثانوية العامة الذي فرض عليهم أعباء إضافية وحتم ضرورة تركيزهم بصورة أكبر في الدوام بالمدرسة.
الوسيلة الوحيدة
وأوضح هاشم صالح طالب بالصف الثاني عشر أن طالب الثانوي ينأى بنفسه عن الحصول على وجبة إفطار في بيته لتكون الوسيلة الوحيدة أمامه المقصف المدرسي الذي بالإضافة إلى سوء الوجبات المقدمة به فإن الهجوم الكبير من الطلبة عليه خلال فترة الراحة بين الحصص الدراسية يؤدي إلى عدم قدرة عدد كبير منهم على الحصول على ما يشتهيه منه وهو ما يؤدي إلى إصابته بحالة من الإعياء والإنهاك الشديد مع نهاية الدوام الدراسي.
واعتبر زميله مصطفى هاشم ان التغذية المدرسية أصبحت في حاجة إلى إنعاش عاجل بعد أن تحولت بعض المدارس إلى أماكن لتسمم الطلبة، فالطالب يقضي في المدرسة ساعات طويلة ويحتاج خلالها إلى تجديد نشاطه وتوسيع مداركه من أجل مواصلة يومه بجد واجتهاد.
أحمد عبدالحميد آل يحيى مدير مدرسة راشد بن حميد للتعليم الأساسي في عجمان قال إن الحاجة أصبحت ملحة خلال الفترة الحالية لتغيير النظام الغذائي في المدارس في ظل تزايد الضغوط المفروضة على الطلبة نتيجة للتطوير الذي طال نمط الدراسة وتعاظم معه دور المدرسة في الفترة الحالية.
مشدداً على أن توفير النظام الغذائي المتكامل يعتبر أحد العوامل الرئيسية التي تسهم في نجاح العملية التعليمية في المدرسة فالطالب خلال فترة دراسته التي تمتد لأكثر من 6 ساعات يومياً يحتاج على الأقل إلى وجبة غذائية متكاملة كي يواصل يومه الدراسي بنشاط وحماس.
وأوضح أن المدارس الحكومية لا تستطيع توفير وجبة غذائية متكاملة لارتفاع سعرها وعدم قدرة الطلبة على شرائها لذا فإن الأمر يتطلب ضرورة تقديم وجبات مدعومة للطلبة بأسعار مخفضة وهو الأمر الذي لا تستطيع الوفاء به لأن الميزانية المخصصة لها لا تتضمن بنداً لهذا الغرض.
وأضاف انه على الرغم من خطورة قضية التغذية إلا أنها لا تلقى الاهتمام المباشر من وزارة التربية والتعليم فلابد من تخصيص ميزانيات مستقلة لتعزيز التغذية المدرسية كما لابد أن تلتزم المدارس بالإشراف على الوجبات الغذائية المطروحة لديها والتأكد من صلاحيتها حتى لا نفاجأ بهذه الحوادث التي تضر بالطلبة وتفقدهم الإحساس بقيمة المدرسة.
وقال محمد عجينة نائب مدير مدرسة الاتحاد الخاصة في دبي إن التغذية في المدارس تعتبر من الأمور الحيوية التي تؤثر بصورة مباشرة على مستويات الطلبة وتحصيلهم العلمي وهو ما يدفع المدرسة إلى تشديد الرقابة على الوجبات المطروحة والتأكد من جودتها الكاملة.
مشيراً إلى أن المدارس الخاصة ولتوافر المخصصات المالية لديها تهتم بالجانب الغذائي للطلبة إذ تحرص على التعاقد مع مؤسسات معروفة من أجل تحضير الوجبات للطلبة وتقوم بإمدادها بالمواصفات التي تحتاجها في كل وجبة غذائية.
كما تحرص على تشكيل لجان خاصة للإشراف على المقاصف المدرسية للتأكد من التزامها بتقديم وجبات صحية للطلبة. وأضاف ان المدرسة كذلك تقوم بالعديد من الحملات التفتيشية على المقاصف للوقوف على أي تلاعب قد يحدث بطرحهم لوجبات غير مطابقة للمواصفات، مشدداً على أسعار الوجبات تلائم بصورة كبيرة مستويات الطلبة في هذه المدارس.
مبادرة
وقال عيسى الفلاسي مسؤول شركة (ف.ف) للأغذية الذي يتولى توزيع الوجبات المدرسية الصحية على 35% من مدارس دبي بما يعادل 25 مدرسة على مستوى الإمارة إن الشركة تقدم وجبات صحية متكاملة للطلبة بأسعار رمزية تتراوح بين الدرهم والثلاثة دراهم، انطلاقا من إيمانها بضرورة توفير التغذية المتكاملة للطلبة كي نستطيع أن نرتقي بمستوياتهم ونساعد على تنمية مهاراتهم ونعمق إحساسهم بقيمة المدرسة التي تعتبر بيتهم.
وأوضح أن 8000 طالب وطالبة و 600 معلم يتمتعون بهذه المبادرة من الشركة التي تقدم لهم وجبات صحية وبأسعار رمزية، مشيراً إلى أن مثل هذه المبادرات من شأنها أن تعود بالإيجاب على الطلبة وتوفر لهم مناخاً آمنا وصحياً مناسباً تزداد من خلاله حميمية العلاقة بين الطالب ومدرسته.
وأوضح أن عددا كبيرا من الجامعات والكليات في دبي رفضت بشكل قاطع التعامل مع شركته بسبب قلة أسعار الوجبات المقدمة للطلبة ورغبتهم في استنزافهم لأقصى درجة وهو ما يدل على الأسلوب التجاري الذي أصبح يتبعه بعض القائمين على العملية التعليمية بغض النظر على تأثيراته السلبية على الطلبة سواء كان مادياً أو صحياً.
وأوضحت هند غالب خبيرة تغذية أن العديد من الأبحاث أثبتت أن نقص التغذية أو ضعفها للطلبة يعد من الأسباب الرئيسية في التسرب من المدارس وضعف الأداء في الصفوف، فالاهتمام بصحة الطالب يعد من الأسباب الرئيسية في إقبال الطلبة على المدرسة وارتفاع مستوى التحصيل العلمي في الصفوف.
وأضافت أن هناك حاجة لاهتمام أكبر بعملية التغذية في المدارس عبر اتباع ممارسات غذائية صحيحة داعية إلى ضرورة وجود خبير تغذية في كل مدرسة يشرف على الوجبات المقدمة للطلبة ويختار الأنسب منها، كما يتطلب الأمر كذلك ضرورة تأمين المقاصف المدرسية المستوفية للشروط الصحية والتي تضمن سلامة تخزين الغذاء واستهلاكه وكذلك احتواؤه على قيمة غذائية عالية.
وقال ناصر آل رحمة مدير إدارة البرامج الصحية والرياضية بوزارة التربية والتعليم إن الإدارة تطرح للمدارس نموذجا لوجبة صحية متكاملة وبأسعار مناسبة ويبقى التطبيق في يد المدارس ذاتها التي لا يبدي غالبيتها اهتماما كبيراً بهذا الأمر على الرغم أهمية التغذية للطلبة في زيادة قدرتهم الاستيعابية والارتقاء بمستواهم.
وأوضح أن الإدارة تثقف المدارس على مدار العام الدراسي بأساليب التغذية السليمة للطلبة وأهميتها وهو الدور المنوط بها ويبقى التطبيق في يد المدارس في ضوء الإمكانات المتاحة أمامها، مشيراً إلى أن هذا الأمر لا يحتاج إلى موارد مالية ضخمة في حال اتبعت نموذج الوجبة الصحية المتكاملة الذي أعدته لها الوزارة.
دبي ـ أحمد جمال