تكشف النقاب أخيراً عن إقرار وزير الدفاع الأميركي المستقيل دونالد رامسفيلد بفشل الإستراتيجية التي اتبعها البيت الأبيض في العراق وذلك قبل يومين على استقالته، في وقت نفت واشنطن أمس بشدة عبر مستشار الرئيس جورج بوش للأمن القومي ستيفن هادلي أن تكون هناك حالة « من الارتباك والتناقض» في سياستها في العراق.
وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن رامسفيلد اعترف قبل يومين من تقديم استقالته من منصبه بأن السياسة الأميركية في العراق تحتاج إلى «تعديل كبير».
وفي مذكرة سرية إلى الرئيس جورج بوش، قال رامسفيلد إن «ما تقوم به القوات الأميركية حالياً في العراق لا يسير بشكل جيد أو بالسرعة الكافية»، موصياً في المذكرة المؤرخة في 6 نوفمبر، عشية انتخابات التجديد النصفي لـ «الكونغرس» التي فاز فيها الديمقراطيون، «بإعادة انتشار كثيفة للقوات الأميركية في مناطق القتال في العراق وتسريع
تدريب القوات الأمنية العراقية، واستخدام أموال للحصول على مساعدة قادة سياسيين ودينيين بارزين في العراق لتجاوز هذه المرحلة الصعبة»، ولم يستخدم أبداً كلمة «رشوة» في توظيف تلك الأموال.
وتتضمن المذكرة عدة خيارات لإعادة نشر القوات الأميركية، كما تضمنت إشارة إلى أنه يجب وقف مساعدة القوات العراقية في المناطق التي يشوبها العنف، وقال رامسفيلد إنه «على العراقيين أن يرفعوا (جواربهم) بأنفسهم.
وطالب رامسفيلد بانسحاب عاجل من القواعد العسكرية الأميركية في العراق من ضمن تعديلات عدة في الإستراتيجية، بحيث تبقى فقط من عشر إلى خمس عشرة قاعدة بحلول أبريل 2007 وخمس قواعد في يوليو من العام نفسه، في مقابل 55 قاعدة حالياً، بدوره، أعلن السفير الأميركي في العراق زلماي خليل زاد تأييده تعجيل إيقاع انسحاب القوات الأميركية «على المدى البعيد».
وصرح خليل زاد رداً على سؤال لشبكة «سي إن إن» الأميركية «القضية هي حول ما إذا كان تقليص عدد القوات الأميركية في شكل كبير وملحوظ خلال الأسابيع والأشهر المقبلة أمراً جيداً في الظروف الراهنة».
ورغم اعتراف رامسفيلد بالفشل سارع البيت الأبيض أمس إلى نفي حدوث حالة ارتباك وتناقض وحاول مستشار الأمن القومي الأميركي الدفاع عن تلك السياسة التي يعترف جمهوريون من حزب الرئيس وبعض أركان الإدارة ومنهم وزير الدفاع المستقيل دونالد رامسفيلد بالإضافة إلى الديمقراطيين بأنها سياسة أثبتت فشلها.
وحاول يائساً التوفيق بين التناقضات الحادة في تصريحات الرئيس بوش خلال الأسابيع القليلة الماضية ومنها أن سياسته تحرز تقدماً، وأنه مصر على البقاء في العراق حتى انجاز المهمة، وقوله إن الأمور لا تسير سيراً حسناً، وقوله إنه مستعد ليستمع إلى كل النصائح، وإنه في الوقت نفسه مصر على البقاء حتى انجاز العمل ولو لم يبق معه مؤيد لرأيه سوى زوجته وكلبه.
كما حاول بعض الزعماء الجمهوريين في الكونغرس، وهم قلة اليوم، الدفاع عن سياسة الرئيس في العراق، مع إعلانهم ضرورة إجراء التغيير المطلوب للنجاح في العراق.
ففي مقابلات أمس مع كبريات شبكات التلفزيون الأميركية قال هادلي: إن مذكرة الوزير المستقيل رامسفيلد ليست إلا جزءاً من مراجعة داخلية كان طلبها الرئيس من (البنتاغون) ومن مختلف الوكالات لتقييم الوضع. وإن مذكرة رامسفيلد واحدة من العروض التي سيناقشها الرئيس قبل اتخاذه أية قرارات.
وقال: إن الرئيس متفق مع رامسفيلد أن الأمور لا تسير سيراً حسناً في العراق ولا بما فيه الكفاية وليس بالسرعة المطلوبة، وعلينا القيام ببعض التغييرات نحو طريق جديد إلى الأمام في العراق وهذا هو الهدف من مراجعة السياسة التي طلبها الرئيس.
واعترف هادلي أن سحباً لبعض القوات الأميركية من العراق سيبدأ خلال أشهر قليلة مقبلة، وحاول هادلي دون نجاح الرد على قوله هو شخصياً في مذكرة سرية للرئيس يشكك فيها بقدرات رئيس الوزراء العراقي أو رغبته في تحمل المسؤولية، وقول الرئيس بوش إن المالكي هو الرجل المناسب للعراق.
كما فشل في الرد على التوفيق بين قول رامسفيلد في مذكرته بضرورة سحب القوات إلى دول صديقة مجاورة للعراق، وهذا مطلب كان طلبه الديمقراطيون لكن البيت الأبيض وصفهم بالانهزاميين الذين يريدون الهرب.
وركز هادلي على موضوع نقل المسؤوليات للعراقيين واستعداد أميركا لدعمهم.
وتمسك هادلي بالقول: إننا لم نفشل في العراق والرئيس يريد طريقاً جديداً للتحرك إلى الأمام في العراق ولهذا كانت عملية المراجعة، لكن السناتور الديمقراطي النافذ كارل ليفين الذي سيصبح الرئيس الجديد للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ قال في مقابلة مع شبكة (إن. بي. سي) إنه ومن تصريحات الرئيس حتى قبل يومين يعتقد «بأن الرئيس لا يزال على موقفه القائل بأن القوات الأميركية ستظل في العراق ما دام العراقيون يريدون ذلك. وحتى تنجز المهمة، وهذا يعني استمرار الرئيس على السير في نفس الطريق، وأنه يرفض الاستجابة إلى إحداث التغيير المطلوب، وأنه سيظل يستمع إلى زوجته وفئة قليلة يقولون له ما يريد ان يسمعه».
وقال السناتور ليفين: «إن المعضلة هي مشكلة سياسية في العراق. ويجب أن يدرك العراقيون أن مسألة بقائنا إلى ما لا نهاية انتهت، ولكن الرئيس يقول إننا باقون وهذه معضلة لنا».
من جهة أخرى، ذكرت صحيفة« صنداي تايمز» اللندنية، أن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير سيتوجه الأربعاء المقبل إلى واشنطن لعقد قمة جديدة مع الرئيس بوش لمناقشة تسليم العراق تدريجياً إلى العراقيين.
وذكرت الصحيفة أن « بلير سيزور واشنطن لمدة يومين، في وقت سيتركز فيه الانتباه على التقرير الذي ستصدره مجموعة دراسة العراق حول السياسة الأميركية في العراق».
في غضون ذلك، رفض الرئيس العراقي جلال طالباني دعوة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان إلى عقد مؤتمر دولي حول العراق، في تكرار لتصريحات مماثلة لرئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية عبد العزيز الحكيم.
وقال طالباني خلال مؤتمر صحافي مشترك مع عضو «الكونغرس» الأميركي، رئيس لجنة القوات المسلحة كريستوفر شايز، «هناك عملية سياسية جارية وهناك مجلس نواب هو الأفضل في المنطقة ونحن قد أصبحنا دولة مستقلة ذات سيادة ونحن من يقرر مصير البلد».
واشنطن ـ محمد صادق والوكالات