عندما أنجب ابنه الخامس فرح فرحاً شديداً رغم أن لديه من الذكور أربعة ومن البنات ست، ولكن كان مبعث فرحه أن هذا الولد الخامس جاء بعد أن بلغ من الكبر عتيا، ولهذا اهتم به اهتماماً كبيراً وكأنه يعوض فيه أيامه الخوالي. كان (س) بلغ نحو ستين عاماً، وزهد في الدنيا وبدأ يقضي معظم أوقاته في المسجد حتى أنه كان في كثير من الأحيان يصل إلى المسجد قبل أن يحل موعد الصلاة بكثير.

في أحد الأيام تلقى (س) إشعاراً مفاده أن بيته أصبح ضمن منطقة عمرانية وأن عليه إخلاء البيت حيث سيأخذ تعويضاً كبيراً، لم يصدق (س) ما سمعته أذناه من ابنه الكبير الذي قرأ له الإشعار خاصة أن الرقم الذي سيأخذه تعويضاً عن بيته كان (5) وعلى يمين الرقم ستة أصفار، فقرر أن يشتري بيتاً ثم يتزوج. كان هذا القرار (قرار الزواج) أثار عاصفة بين أولاده وزوجته من ناحية، وبينه من ناحية ثانية، إلاّ أن إرادته في الأخير هي التي تغلبت فهو الذي يمتلك المال وبالتالي فالقرار قراره وهكذا تزوج (س) من فتاة أجنبية ولكي يبعدها عن مشاكل زوجته وأولاده فقد أخذ لها شقة في مدينة تبعد عن مدينته نحو (130)كم وعاشت (ف) لا تدري عن مشاكله، مع أولاده وزوجته شيئاً.

كان (س) عندما يريد أن يلتقي بزوجته (ف) يتم له ذلك في أوقات العمل صباحاً ويحرص أن لا ينام الليل عندها حتى لا يسبب ذلك غضب أولاده الذين قد يؤذونها، فقد سبق لأحدهم أن تهجم عليها وطلب منها أن تترك والده، وفي أحد الأيام مرض (س) واضطر للمبيت عند زوجته (ف) بحكم أن عمله في ذات المدينة التي تعيش فيها (ف)، ولما عرف أولاده جاءوا هم وأمهم ليطمئنوا على (س) لكن الزيارة انتهت بأن اعتدت المرأة وأولادها على (ف) فأوسعوها ضرباً وركلاً حتى كادت أن تموت، لذا قرر (س) أن يستأجر لزوجته الجديدة شقة أخرى لا يعرفها أحد إلاّ هو، وهكذا فعل، وامتدت الحياة بـ (س) و(ف) أكثر من اثني عشر عاماً توفيت خلالها زوجته الأولى وكذلك أولاده الأربعة ولم يبق عند (س) إلاّ ابنه الخامس الذي أصبح بدوره شاباً، أثَّر موت الأولاد وأمهم على نفسية (س) خاصة وأن جميع بناته تزوجن ولم يبق عنده إلاّ زوجته الجديدة التي رزق منها بطفلة أصبح عمرها (15) سنة.

هذه الظروف جعلت (س) يلتصق بابنه الخامس المسمى (ط) ولهذا قام بتعريفه على الشقة التي أخذها لزوجته الثانية فلم يكن يتوقع (س) أن ابنه سوف يؤذي أخته وزوجة أبيه، لم يمتد العمر كثيراً بـ (س) بعد موت أسرته حيث لحق بهم هو أيضاً تاركاً خلفه ثروة كبيرة. كانت هذه الثروة هي بداية اللقاءات الحقيقية والمستمرة بين (ط) وزوجة أبيه (ف) حيث كانا يلتقيان في الشقة عندها لبحث الترتيبات الخاصة بالإرث ومرة بعد مرة أحست (ف) بأن (ط) يطيل الحديث معها عن أمور خارج نطاق الإرث ما جعلها تشعر بالخوف منه، وتحاول لقاءه خارج الشقة.

في أحد الأيام فوجئت (ف) بـ (ط) يطرق عليها الباب وما كادت تفتح له باب الشقة حتى اندفع إلى الداخل، كانت رائحة الخمر تفوح من فمه وعندما طلبت منه أن يجلس بعيداً عنها اقترب منها قائلاً لها بأنه يحبها ولا يستطيع الاستغناء عنها، أصابت هذه الكلمات (ف) بصدمة وما زاد من صدمتها أن (ط) هجم عليها محاولاً تقبيلها، أبعدت (ف) ابن زوجها عنها وحاولت تهدئته قائلة له بأنها مثل أمه، ولا يجوز أن يتصرف معها هكذا. فأخبرها بأنه يحبها وأنه يرغب في الزواج منها فقالت له بأنه لا يجوز لأنها أم أخته وزوجة أبيه لكن (ط) لم يقتنع وهجم عليها محاولاً اغتصابها فما كان منها إلا أن هربت من الشقة وقامت بالاتصال بالشرطة حيث جاءوا وأخذوه من الشقة وقاموا بحبسه شهرين مع كتابة تعهد منه بأن لا يعود إلى ما فعل مرة أخرى.

اعتذر (ط) عما بدر منه حيث قال لزوجة أبيه بأنه تصرف هكذا وهو في غير وعيه وأنه نادم على ذلك. بعد خروج (ط) من السجن بشهر حاول أن يزور زوجة أبيه في شقتها بحجة أنه يريد أن يرى أخته ويطمئن عليها فرفضت (ف) أن تفتح له الباب خوفاً من أن يعتدي عليها إلا أن (ط) لم يعدم الوسيلة فذهب إلى المدرسة التي فيها أخته وبقي ينتظرها حتى خرجت من المدرسة وأخذها معه في السيارة، ومن السيارة اتصل بـ (ف) قائلاً لها لا تقلقي على ابنتك فهي معي ومن حقي أن أراها لأنها أختي، ولكي يؤكد لها ذلك طلب من (ف) أن تكلم ابنتها، هنا خافت (ف) على ابنتها وطلبت منه أن يأتي هو وهي إلى الشقة كي يتفاهما وفعلاً وصل (ط) إلى الشقة بصحبة أخته التي لا تدري ماذا يجري حولها خلال اللقاء اتفقت (ف) مع (ط) على أن يأتي كل أسبوعين مرة إلى الشقة ويرى أخته فيها، وافق (ط) على ذلك وفي الموعد المقرر جاء (ط) إلى الشقة ليجد فيها ثلاث سيدات هن صديقات (ف).

حيث أحضرتهن إلى الشقة لحمايتها وحماية ابنتها لو حاول (ط) أن يتصرف برعونة. أحس (ط) بأنه وقع في مقلب ولهذا لم يمكث كثيراً حيث شاهد أخته وانصرف. في أحد الأيام اتصل (ط) يخبر (ف) بأن لديه أوراقاً خاصة بالإرث وأن عليها توقيعها وعندما جاء سألته عن الأوراق فما كان منه إلا أن أشهر سكيناً في وجهها محاولاً الاعتداء عليها لكن الله أنقذها بأن إحدى صديقاتها جاءت بالصدفة حيث طلبت منها (ف) أن تتصل بالشرطة دون أن يشعر (ط) جاءت الشرطة على عجل واعتقلت (ط) حيث تبين من الفحص الأولي لحالته بأنه يتعاطى المخدرات، وأنه كان في حالة سكر بين. تم إيداعه السجن حيث حكم عليه بالسجن أربع سنوات كانت بالنسبة إلى (ف) راحة لا مثيل لها، لكن السنين انقضت بسرعة وخرج (ط) من السجن وهو مصمم على الانتقام من زوجة أبيه مهما كلفه ذلك، وذهب إلى (ف) في مكان عملها، عندما رأت (ف) بأن (ط) واقفاً أمامها أحست برعب شديد عليها وعلى ابنتها، وهنا قال لها (ط) بصيغة الأمر أريد أن أرى أختي وآخذها معي إلى البيت لتعيش معي،.

حاولت (ف) أن تخفف من الموقف قائلة له إن هذا مكان عملها ولا يجوز النقاش في مثل هذه المسائل في هذا المكان، وحددت له موعداً في صالة طعام أحد الفنادق.

في الموعد المقرر التقى (ف) و(ط) في مطعم الفندق أمام الناس ومع أن مطعم الفندق كان فيه الكثير من الرواد، إلا أن (ف) كانت تشعر بخوف شديد فالمظهر الخارجي ل(ط) كان يدل على أنه لا يزال يتعاطى المخدرات، وهذا يعني أنه قد يؤذيها في أي وقت بغض النظر عن المكان المتواجدين فيه، أثناء الحديث أحست (ف) بأن (ط) مصرّ على الانتقام منها باعتبارها تسببت في دخوله السجن، لذا اتفقت معه على أن يتركها وألا يتعرض لها أو إلى ابنتها مقابل أن تتنازل عن حقها في الميراث.

وافق (ط) على العرض، لكنه في اليوم الثاني جاء إلى شقتها يطرق بابها، كادت (ف) أن تموت من الخوف عندما رأت (ط) من خلال عين الباب السحرية، وعندما طلب منها أن تفتح لم تُجب فخاطبها من الخارج قائلاً لها أنا أعرف أنك داخل الشقة فقد تتبعتك وأنت لا تدرين حتى عرفت البناية التي تسكنين فيها وأعطيت حارس البوابة (50) درهماً فأخبرني في أي شقة تسكنين، لذلك أنا أعرف أنك داخل الشقة فلا داعي لأن تهربي مني. قالت له (ف) إن لم تذهب سأطلب لك الشرطة، فما كان منه إلا أن دفع الباب بقوة محاولاً كسره، عندها قامت (ف) بالاتصال بالشرطة الذين حضروا على الفور.

وعندما أحس (ط) بقدوم الشرطة هرب، لكنه هدد بأن يقتل ابنتها وهي عائدة من المدرسة، أحست (ف) برعب شديد على حياتها وعلى حياة ابنتها، وهنا تركت الشقة وبدأت تتنقل بين شقق صديقاتها، تنام عند هذه ليلة وعند الثانية ليلة أخرى، وفي أحيان أخرى كانت تذهب إلى أحد الفنادق تنام فيه مع ابنتها. في أحد الأيام تلقت (ف) اتصالاً من الأخت الكبرى ل(ط) قائلة لها إن (ط) لن يتعرض لها ولا إلى ابنتها إن هي وقعت أمام القاضي تنازلاً عن حقها وعن حق ابنتها في الثروة، وهنا وافقت (ف) في الحال وتم تحديد موعد للذهاب إلى المحكمة بعد يومين وكانت (ف) تنتظر على أحر من النار كي تخلص من (ط) وشروره، بعد يومين وفي الساعة المحددة كانت (ف) وابنتها داخل المحكمة تنتظران (ط) ومعهما المحامي ولكن انتظارهما استمر طويلاً فلم يأت (ط)، اتصلت (ف) بالأخت الكبرى لـ (ط) قائلة لها إن (ط) لم يأت وهي خائفة أن يكون قد أعد لها مكيدة جديدة.

فقالت الأخت إنها ستتصل به لتعرف سبب عدم ذهابه، اتصلت الأخت الكبرى بـ (ط) على هاتفه النقال وعلى البيت فلم يرد، وفي اليوم الثاني كررت الاتصال وكذلك اليوم الثالث، وفي اليوم الرابع شعرت الأخت الكبرى بقلق على أخيها وتوجهت إلى بيته فلم تجد أحداً فيه، حيث كان البيت مغلقاً، اتصلت بأخواتها الأخريات فأخبرنها بأنهن لم يرين (ط) منذ خروجه من السجن وأنه قد يكون مسافراً أو عند أحد أصدقائه. كان هذا الغموض في اختفاء (ط) يثير خوفاً شديداً لدى (ف) التي أحست بأنها ستكون الضحية لهذا الاختفاء، ولهذا اسافرت إلى مدينة أخرى .

في هذه الأثناء قررت الأخت الكبرى أن تقوم بصيانة كاملة لبيتها لذا كان عليها أن تترك بيتها وأن تذهب هي وزوجها وأولادها إلى بيت والدها، حيث يقيم (ط) ولأنها لا تمتلك مفتاحاً للبيت، فقد اضطرت لأن تكسر جزءًا من الباب وتدخل، عندما دخلت هي وخادمتها وأولادها البيت شعروا برائحة كريهة تنبعث منه، وكأنه لم يفتح منذ مدة، امتدت يدها إلى الشبابيك لتفتحها كي تغير مجرى الهواء وكذلك فعلت في كل الغرف. من جانبها اندفعت الخادمة إلى الحمام كي تقوم بتنظيفه لكن المفاجأة التي أذهلتها هي أنها وجدت جثة في الحمام، حيث كان وجه الرجل باتجاه قاعدة الحمام، صرخت الخادمة وذهبت إلى سيدتها حيث تم استدعاء الشرطة والمختبر الجنائي. كانت ملامح الرجل شبه منتهية، فقد تعفنت الجثة وبدأت الحشرات تعبث بها لكن الأخت الكبرى لـ (ط) أحست بأن هذه الجثة لأخيها، ثم نقلت الجثة إلى المستشفى حيث تبين أن سبب الوفاة حقنة زائدة من الهيروين.

لم تتمالك (ف) دموعها عندما علمت بالخبر فقد بكت بغزارة شديدة لكن بكاءها لم يكن بسبب موت (ط) بل فرحاً بحريتها وتحررها من الخوف هي وابنتها. عادت (ف) وابنتها إلى شقتهما ولأول مرة منذ فترة طويلة تنامان دون خوف.

إعداد: أحمد سلطان