كثفت دولة الإمارات جهودها مؤخرا لإقامة شراكات اقتصادية وتجارية والدخول في اتفاقيات تجارة حرة مع شركائها الإستراتيجيين والتكتلات الاقتصادية الكبيرة في العالم انطلاقا من سياستها الاقتصادية التي تتركز على تعزيز النمو الاقتصادي لمختلف القطاعات وضمان استمراريته وتنويع مجالات الاستثمار وزيادة القدرة التنافسية للقطاعات الإنتاجية عبر بناء شراكات إستراتيجية تقوم على تبادل المنافع وتحقيق المصالح المشتركة مع مختلف الدول والمجموعات الإقليمية والدولية.

وتتصدر قائمة الدول التي تسعى الدولة إلى إقامة شراكات إستراتيجية معها ألمانيا وفرنسا وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول الأوروبية والآسيوية فيما تجري الدولة حاليا مفاوضات ثنائية مع الولايات المتحدة من أجل توقيع اتفاقية تجارة حرة نظرا للقوة الاقتصادية للولايات المتحدة ومكانة الشراكة التجارية القائمة بين البلدين ومفاوضات جماعية ضمن مجلس التعاون الخليجي مع الإتحاد الأوروبي ودول الأفتا «سويسرا وليشتنشتاين وأيسلندا والنرويج» والصين وباكستان والهند وتركيا.

وتأتي هذه السياسة الإماراتية منسجمة مع التوجه العالمي نحو إقامة شراكات إستراتيجية وتحرير التجارة وفتح الأسواق حيث تعد التجارة الخارجية عنصراً مؤثراً في اقتصاد الدولة وإحدى المؤشرات المهمة التي تعكس الأوضاع الاقتصادية ومن أجل مواكبة التطورات الإقليمية والعالمية والذي ترجم عبر صياغة القوانين والتشريعات التي تلائم المتغيرات العالمية وتخدم الاقتصاد الوطني في مختلف القطاعات.

وقد انعكست هذه السياسة على تجارة الدولة الخارجية مع العالم الخارجي التي حققت قفزات كبيرة خلال السنوات الماضية حيث تشير الأرقام إلى أن التجارة الخارجية للدولة تشكل نسبة عالية من الناتج المحلي الإجمالي تبلغ 9 ,14 بالمئة مما يعكس ارتباط اقتصاد الدولة بالعالم الخارجي تصديراً واستيراداً.

ومن المتوقع أن تزداد وتيرة هذا الارتباط خلال العام الجاري مع زيادة صادرات الدولة وانخفاض قيمة الواردات حيث يقدر أن تصل قيمة صادرات الدولة السلعية إلى 514 مليار درهم بمعدل نمو 21 بالمئة عن عام 2005 والتي يمثل فيها النفط ما نسبته 40 بالمئة فيما يقدر أن ترتفع قيمة واردات الدولة السلعية إلى 306 مليارات درهم بمعدل نمو 3 بالمئة عن عام 2005.

وتشير البيانات إلى تطور حجم الفائض في الميزان التجاري من 69 مليار درهم عام 2004 إلى 127 مليار درهم عام 2005 حيث نمت قيمة الصادرات السلعية عام 2005 بنسبة 27 بالمئة وارتفعت من 334 مليار درهم عام 2004 إلى 424 مليار درهم عام 2005 ويمثل النفط الخام 38 بالمئة من حجم الصادرات بينما تمثل إعادة التصدير ما نسبته 33 بالمئة وبقية الصادرات ما بين منتجات نفطية وغاز وصادرات مناطق حرة وصادرات أخرى فيما ازدادت قيمة الواردات السلعية نجد بنسبة 12 بالمئة من نحو 265 مليار درهم إلى 297 مليار درهم حيث شكلت الواردات الاستهلاكية نسبة 35 بالمئة والواردات الوسيطة 36 بالمئة والواردات الرأسمالية 29 بالمئة من مجمل الواردات.

معايير التجارة الحرة

ويتم تحديد الدول التي يمكن الدخول في شراكات إستراتيجية أو في مفاوضات اتفاقيات تجارة حرة معها بناء على عدد من المعايير منها الشركاء التجاريين الأساسيين استنادا على حجم التبادل التجاري وخصوصية العلاقات مع الدول الأخرى والفرص الاستثمارية التي تتيحها الاتفاقيات للصناعة الوطنية وقطاع الخدمات المحلي في أسواق الدول الأخرى ودراسات الجدوى الاقتصادية التي تبين الفرص المتاحة وتقيم الآثار المتوقعة إضافة إلى دراسة القدرات التنافسية للقطاعات الاقتصادية في الدول التي يتم التفاوض معها ونسبة النمو الاقتصادي وحجم السوق الاستهلاكية في تلك الدول.

وتشير الأرقام الصادرة عن وزارة الاقتصاد إلى أن الهند تعد الشريك التجاري الأول للإمارات من حيث الصادرات غير النفطية التي بلغت عام 2004 نحو مليارين و335 مليون درهم بنسبة 5 ,21 بالمئة من إجمالي الصادرات للدولة أومن حيث المستوردات التي بلغت 26 ملياراً و70 مليون درهم بنسبة 7 ,15 بالمئة من إجمالي الصادرات.

تليه إيران من حيث الصادرات التي بلغت مليارا و266 مليون درهم بنسبة 6,11 بالمئة ثم السعودية بنحو 693 مليون درهم بنسبة 4,6 بالمئة والصين بنحو 667 مليون درهم بنسبة 1 ,6 بالمئة والبحرين بنحو 607 ملايين درهم بنسبة 6 ,5 بالمئة والعراق بنحو 592 مليون درهم بنسبة 4,5 بالمئة وأميركا بنحو 522 مليون درهم بنسبة 8,4 بالمئة بينما تعد الصين الشريك التجاري الثاني بعد الهند من حيث الواردات التي بلغت قيمتها منها نحو 20 مليار درهم بنسبة 7 ,11 بالمئة ثم اليابان بنحو 16 مليار درهم بنسبة 8 ,9 بالمئة وأميركا بنحو 14 مليار درهم بنسبة 3,8 بالمئة وألمانيا بنحو 13 مليار درهم بنسبة 8 ,7 بالمئة والمملكة المتحدة 11 مليار درهم بنسبة 5 ,6 بالمئة.

المفاوضات مع الولايات المتحدة

وتبرز المفاوضات التي تجريها الدولة مع الولايات المتحدة في مقدمة الاتفاقيات التي تسعى الإمارات إلى توقيعها، نظرا للقوة الاقتصادية للولايات المتحدة ومكانة الشراكة التجارية القائمة بين البلدين حيث ستمكن هذه الاتفاقية في حال إبرامها اقتصاد الإمارات من الاستمرار في التطور والتقدم نحو الأفضل خاصة انه يحتل حاليا ثاني أكبر اقتصاد عربي ويسعى لأن يكون أول وأكبر اقتصاد عربي.

كما ستمكنه من الانفتاح على أضخم اقتصاد عالمي وستكون عامل جذب استثماريا للدولة في الوقت الذي ستعطي صادرات الإمارات الفرصة للمنافسة داخل السوق الأميركي. وتشير التصريحات من الجانبين الإماراتي والأميركي إلى أن مفاوضات التجارة الحرة مع الولايات المتحدة وصلت إلى مراحل متقدمة في العديد من المجالات وأنها تمضي بشكل جيد.

وتشمل المفاوضات بين الإمارات والولايات المتحدة مواضيع السلع وقواعد المنشأ والتجارة في الخدمات والاستثمار والمشتريات الحكومية ومواضيع حول الملكية الفكرية وفض النزاعات ومواضيع مرتبطة بالعمل والبيئة، حيث أنهت بعض الفرق مفاوضاتها بشكل مبدئي في حين يتم مناقشة العروض في بعض المواضيع الأخرى.

كما عقدت الإمارات عدة جولات مفاوضات مع استراليا شملت مواضيع السلع وقواعد المنشأ والتجارة في الخدمات والاستثمار والمشتريات الحكومية والملكية الفكرية وفض النزاعات. وضمن التوجه بعقد اتفاقيات جماعية في إطار مجلس التعاون مع الدول والتكتلات الاقتصادية يتوقع التوقيع قريبا على اتفاقية التجارة الحرة بين دول المجلس والإتحاد الأوروبي بعد إزالة معظم النقاط العالقة بين الطرفين فيما بدأ مفاوضون من الإمارات و دول المجلس الأخرى بعقد جولات مباحثات مع الهند والصين وباكستان وتركيا في حين يتوقع أن تبدأ مفاوضات التجارة الحرة مع اليابان ودول الأفتا خلال الفترة القادمة.

ويتوقع الانتهاء أو التوقيع على الاتفاقيات مع معظم هذه الدول والتكتلات الاقتصادية التي يتم التفاوض معها أواخر العام الجاري أو أوائل عام 2007.

وتشمل نطاق مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين دول المجلس والصين وباكستان والهند وتركيا تجارة السلع والخدمات حيث يجري النقاش حول إزالة الرسوم الجمركية عن 90 بالمئة من التجارة المتبادلة فور دخول الاتفاقيات حيز التنفيذ.

في حين يتوقع بدء المفاوضات حول تجارة الخدمات بعد تحديد النقاط الأساسية حول تجارة السلع.

وتتعدد مزايا الشراكة الإستراتيجية واتفاقيات التجارة الحرة التي تسعى إليها الإمارات مع الدول والتكتلات الاقتصادية فهي تدفع نحو تعزيز التنمية الاقتصادية الوطنية وجذب الاستثمارات الهادفة إلى رفع الكفاءة الإنتاجية ومعدلات النمو وتساهم في نقل التكنولوجيا وزيادة فرص التوظيف ورفع كفاءة القوى العاملة الوطنية واستيعاب الزيادة المستمرة فيها، في الوقت الذي تدفع هذه الاتفاقيات المنتجين المحليين إلى تحقيق مزيد من الكفاءة والجودة في الإنتاج وتساهم في خفض أسعار السلع وإزالة قيود الاستيراد والرسوم الجمركية بما يتيح للمستهلكين شراء السلع والخدمات بأسعار تنافسية، بالإضافة إلى الحفاظ على موقع دولة الإمارات كنقطة ارتكاز للتجارة في تجارة الخدمات والسلع.

وتتمثل أهم أهداف إبرام اتفاقيات تجارة حرة بإزالة أو تخفيض أكبر للرسوم الجمركية على السلع وتحرير وفتح أكبر لأسواق الطرفين من دون قيود أو عوائق حيث أن اهتمام دولة الإمارات بتوقيع اتفاقيات تجارية حرة مع دول العالم سواء بشكل جماعي أو ثنائي يأتي لمواكبة التطورات الإقليمية والعالمية والذي ترجم عبر صياغة القوانين والتشريعات التي تلائم المتغيرات العالمية وتخدم الاقتصاد الوطني في مختلف القطاعات.