قال الشيخ: منذ أيام وقفت على لطيفة من لطائف الإمام الشعراوي رحمه الله وهو يتحدث عن الإسراف وقد ضرب مثلاً بوضوء المرء الذي يفتح صنبور الماء ثم يأخذ بالبسملة ودعاء استفتاح الوضوء، وبعدها ينتقل بين فرائض الوضوء وسننه مثلثاً ومبالغاً والماء يهدر من دون حد حتى أن وضوء الفرد يكفي لوضوء عشرة أفراد أو لري عشرات الأمتار من الأراضي المزروعة، وقد زاد الشيخ ألا مانع يمنع من جمع ماء الوضوء ليستخدم في تنظيف الأرض أو ري المزروعات، وأنه يكفي المرء أن يملأ وعاءً محدوداً بماء يكفي لوضوئه فيتوضأ منه فهو خير له من هدر الماء وإضاعته، وهو نعمة من نعم الله التي لا يقدرها إلا فاقدها وقد قال الحبيب الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص عندما رآه يتوضأ بماء كثير: «لا تسرف في الماء يا سعد»، فقال سعد: «يا رسول الله وهل في الماء من إسراف»، فقال عليه الصلاة والسلام: «ولو كنت على نهر جار».
واليوم يقال إن أزمة القرن الحادي والعشرين هي في قلة الماء، وأن حروب القرن ستكون حروباً على الماء، وما زال أكثرنا لا يقدر النعم ولا يضعها موضعها، وقد رأينا في زماننا صوراً من الإسراف والتبذير الله وحده قادر على تجاوزها والمغفرة لأصحابها. ولتتصوروا معي رجلاً أهدى واحداً منكم هدية ثمينة فإذا بمن أخذ الهدية رمى بها في الطريق أو بين المهملات أو أتلفها بقصد وعمد، كيف يستقبل صاحب الهدية إتلاف الآخر لها أو عدم اهتمامه بها أو عدم الحفاظ عليها، والله لولا حلمه تعالى ورحمته بنا لما سقى واحداً منا شربة ماء.
لقد بلغ بنا الجهل والظلم والإسراف أننا مقبلون على حروب ونزاعات على ما نهدره ونضيعه، وأننا أخذنا عمن لا يريد الخير لنا الدعوة إلى تحديد النسل لندرة الموارد ومنها الماء، وما يضيع من الماء ويهدر أضعاف ما يفيد منه الناس.
وأقول لشيخنا الجليل الإمام الشعراوي رحمه الله: «آه يا شيخنا لو تدري ما نفعله اليوم بالماء وغيره، فبعضنا لا يروق له الاسترخاء إلا بعد أن يملأ حوض الحمام بالماء النقي ثم يجلس فيه، وبعضنا لا يروق له تنظيف بيته أو مركباته إلا بماء يهدر دون توقف، وبعض نسائنا يقصدون أماكن خاصة للاستحمام يُضيع فيها الماء ويهدر، ثم يدفعن بعد ذلك من أموالهن الشيء الكثير فإذا بالهدر هدران هدر ماء وهدر مال».
فإذا تركنا الماء إلى الطعام بأشكاله وألوانه، بلحمه وخضرته وفاكهته رأينا العجب العجاب، ومع أن الحق نبهنا في القرآن العظيم: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين. ومع أن من خير ما سمعت قول حبيب ورفيق رسول الله الصديق: «إني لأبغض أهل بيت ينفقون رزق أيام في يوم واحد»، فإننا مصرون على إغضاب الله ورسوله فكثيرون منا يتركون في أطباقهم أكثر مما أكلوه، وكثيرون منا يرمون ما تلف وفسد من طعامٍ اشتروه بطمع نفوسهم فكان أكثر من حاجتهم، وكثيرون منا من يرى أن من سيماء الرقي الاجتماعي ألا يقوموا عن أطباقهم وكؤوسهم إلا وفيها بقية تشهد بعدم تلهفهم وإقبالهم على الطعام، وكثيرون منا من يولم وليمة لعشرة أشخاصٍ فيضع على المائدة ما يكفي لمئة شخص، وما يبقى بعد مسّ المدعويين يذهب إلى المزابل والناس يموتون جوعاً.
وقد اتخذت لنفسي عادة لا تروق للكثيرين، وهي أنني كلما دعيت لوليمة في مطعم أخذت على مضيفي عهداً أن أطلب الطعام أنا لا هو، فأطلب ما يكفي لإشباع الحاضرين دون زيادة ترمى أو تعاد بعد دفع ثمنها، وكثيرون من لا يروق لهم عهدي فأعتذر عن قبول الدعوة لأنني لا أريد أن أحشر مع المسرفين ممن وصفوا بالقرآن العظيم بأن الله لا يحبهم.
وشر ما تراه ما يفعله بعض العاملين في المطاعم عندما يجمعون الأطباق من على المائدة بعد انتهاء الآكلين، فتراهم يضعون الأطباق فوق بعضها ويجمعون ما في كل طبق إلى الطبق الذي يليه فإذا بالشهي من الطعام الذي ما زهد به من حوله إلا بسبب شبعهم يتحول إلى فضلات مهملة.
قال لي من أثق بكلامه إنه رأى في أحد البلدان في أوائل السبعينات من القرن الماضي شاباً يأكل سندويشاً فلما انتهى وأخذت نفسه مرادها ألقى بما تبقى منها في الهواء ثم ضربه بقدمه، قال لي: يومها قلت ستر الله هذه البلاد وأمنها.
ماهر سقا أميني