يترقب الشارع اللبناني اليوم تشييع جثمان وزير الصناعة بيار الجميل، بعد دعوة «قوى 14 آذار» الجماهير إلى المشاركة بكثافة، وتخلى بعض أقطابها عن لغة الحذر، وفي مقدمهم الرئيس الأسبق أمين الجميل والد الوزير الراحل، حيث اتهم دمشق صراحة بالوقوف وراء الاغتيال وهو ما قوبل بنفي رسمي سوري، وتزامن مع مسارعة مجلس الأمن الدولي إلى إقرار المحكمة الدولية لمحاكمة المتهمين باغتيال رفيق الحريري، فيما طلب رئيس الوزراء اللبناني مساعدة الأمم المتحدة بالتحقيق في اغتيال الوزير اللبناني الذي تردد انه صدم سيارة قاتليه بعد إطلاق الرصاص عليه.

ووسط أجواء من الحزن والغضب، وصل أمس جثمان وزير الصناعة اللبناني الذي اغتيل الثلاثاء إلى مسقط رأسه في بكفيا (شمال شرق بيروت)، وقرع أجراس الكنائس. وسجي الجثمان في منزل عائلة الجميل في الطرف الشمالي للبلدة بانتظار نقله مجدداً اليوم إلى بيروت، حيث تقام الصلاة عن روحه ويشيع في مأتم شعبي ورسمي حاشد. ورافقت عشرات السيارات انطلاق الجثمان من مستشفى مار يوسف في بيروت تواكبها سيارات ودراجات قوى الأمن الداخلي. وكانت قوى «14 آذار» ، التي ينتمي إليها بيار الجميل دعت أنصارها إلى مشاركة شعبية واسعة في الصلاة على جثمانه اليوم في كنيسة مار جرجس وسط بيروت. بينما دعا زعيم الأكثرية النيابية سعد الدين الحريري «محبي» والده الراحل رفيق الحريري إلى المشاركة بكثافة في التشييع. وأعلنت رئاسة مجلس الوزراء الحداد الرسمي ثلاثة أيام وتنكيس الأعلام على المؤسسات الرسمية وتعديل البرامج العادية في محطات الإذاعة والتلفزيون. كما ألغى القصر الجمهوري الاستقبال الرسمي الذي كان مقرراً أمس الأربعاء لمناسبة الذكرى الثالثة والستين للاستقلال. وألغت قيادة الجيش العرض العسكري في ثكنة الفياضية شرق بيروت.

من جهته، دعا النائب وليد جنبلاط أحد أبرز قادة الأكثرية النيابية، حزب الله إلى ان يبرهن عن موافقته على نظام المحكمة الدولية لمحاسبة قتلة رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. وقال موجهاً كلامه إلى الأمين العام للحزب حسن نصر الله «ليتفضل ويعطي وزراءه إشارة العودة إلى الحكومة ويعطي نوابه إشارة التصويت على مشروع المحكمة في المجلس النيابي». وأضاف «عندما يشارك بإقرار العدالة ننسى الماضي وندخل في نقاش جدي حول حكومة اتفاق وطني من خلال الاتفاق على رئيس جديد للجمهورية».

إلى ذلك، عقد رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة أمس اجتماعاً لمجلس الأمن المركزي. وبعد الاجتماع، قال وزير الداخلية احمد فتفت إن «هذه الجريمة حصلت في وضح النهار وهناك مجموعة كبيرة من الشهود يتابع معهم التحقيق مدعي عام التمييز». وأضاف «من الصعب تحديد الجهات، واعتقد انه حفاظاً على جدية التحقيق وأهميته يجب الإبقاء على سرية التفاصيل، لكي نستطيع أن نتقدم. ولكن ما أود قوله ان سيارة الجناة قد ضربت لأن الوزير الجميل أكمل بسيارته وضرب سيارة الجناة، وهذه قد تساعد وقد نطلب دعماً من شهود آخرين خارج ساحة الجريمة».

وعن اتهام البعض لقوى الأمن الداخلي بالتقصير، قال «أولاً حماية الشخصيات السياسية هي من مهام أمن الدولة، وليس هناك من تقصير، وكانت هناك دورية لمرافقة بيار، لكن للأسف هو الذي طلب منهم عدم مرافقته في جولته الأخيرة».

ورأى أن «الإجرام الإرهابي يتطور، وكذلك الترتيبات المتخذة لتفادي التفجيرات من خلال السيارات الملغومة، لكن الواضح ان من يقوم بهذه التفجيرات طور أسلوبه ويجب ان نعترف ان هذا الإرهاب متطور ومتقدم علينا بإمكاناته التقنية، وفي كل مرة قوى الأمن تتطور في اتجاه وربما هي بحاجة إلى وقت لكي تستوعب كل هذه الطروحات، وهذا من الممكن ان يحصل في أي دولة في العالم، ولاسيما إذا تبين من التحقيقات ان سيارة كانت تطارد بيار ورافقته منذ ان غادر الوزارة».

وطلب السنيورة مساعدة الأمم المتحدة في التحقيق في الاغتيال. كما جاء في رسالة للأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان نشرت أمس.

وفي رسالة وجهها إلى سفير البيرو فوتوبرناليس الذي يرأس مجلس الأمن في نوفمبر، قال عنان إن السنيورة وجه إليه رسالة يطلب فيها «مساعدة فنية (من الأمم المتحدة) للتحقيق في قتل الجميل».

وأضاف عنان أن السنيورة طلب من لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في فبراير 2005 الاتصال بالسلطات اللبنانية. وأوضح عنان انه أحال طلب السنيورة إلى أعضاء مجلس الأمن «لاتخاذ الإجراء المناسب».

وفي وقت سابق، أعلن الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل والد القتيل انه يشتبه بقوة في وقوف سوريا وراء اغتيال ابنه، مؤكداً على ان مثل هذا النوع من الجرائم يتطابق مع «التصرف المعتاد» لنظام دمشق. وقال من بيروت لمحطة التلفزيون الفرنسية «ال سي آي» «ليس لدينا بعد أدلة أو قرائن غير قابلة للنقض لكن الكثير من الأصابع تشير إلى سوريا التي لها سوابق».

من جهة ثانية، قال عضو مجلس الشورى في حزب الله الشيخ محمد يزبك «على من روج للاغتيالات ان يتحمل المسؤولية، فالمسألة يبدو انها مدروسة بحسب المعطيات، وهي فعل إجرامي يضاف إلى السجل الإجرامي الذي أراد للبنان ان يتفتت من خلاله لتكون يد الوصاية الأميركية أقوى، فهم يضحون بكل شيء من أجل مصالحهم، والتهمة حاضرة مباشرة، ونسمع الكلمات التي تهدد من يريد التعبير عن آرائه الديمقراطية والمطالبة بحكومة وحدة وطنية من خلال الشارع الآخر المقابل».

وأضاف ان «كل هذا التهويل لن يغير من المسار أي شيء، فنحن ماضون لنحافظ على دماء شهدائنا الأبرار، ونحن لسنا غرباء عن هذا الوطن، وانما الغريب هو الذي يضع كل ما لديه في عوكر وتحت قيادة (السفير الأميركي لدى بيروت جيفري) فيلتمان الغريب عن الوطن».

وفي دمشق، أدانت سوريا بشدة عملية اغتيال وزير الصناعة اللبناني وقال وزير الإعلام السوري محسن بلال في حديث تلفزيوني إن سوريا تعتبر هذه الجريمة موجهة ضد الحوار والتوافق اللبناني وضد لبنان الموحد والسليم وضد سوريا بنفس الوقت.

ورداً على القوى اللبنانية التي اتهمت سوريا بعملية الاغتيال، قال بلال إن من يتهم سوريا بهذا الأسلوب «المريض والمنهزم والمنهار» لا يملك أي ذرة من الحقيقة أو الواقعية أو المصداقية. لافتاً إلى أن الذين يتهمون سوريا منذ اللحظة الأولى يتسترون على أعداء لبنان وعلى أعداء سوريا في نفس الوقت.

وفي واشنطن، أعلن البيت الأبيض عن ان الرئيس الأميركي جورج بوش أكد لرئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة «تعهده الثابت» بدعم الديمقراطية في لبنان والتصدي «للتدخلات السورية والإيرانية» فيه، وقال الناطق باسم مجلس الأمن القومي الأميركي غوردن جوندرو ان الرئيس الأميركي أكد مجدداً في اتصال هاتفي مع السنيورة إصراره على تشكيل محكمة دولية لمحاكمة قتلة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. واتصل بوش صباح الأربعاء بالسنيورة وبأمين الجميل لتقديم تعازيه.

ويرى محللون ان احتمالات قيام المعارضة بتظاهرات لإسقاط الحكومة تراجعت بعد اغتيال الجميل.