هزت جريمة اغتيال جديدة العاصمة اللبنانية بيروت وأعادت خلط الأوراق فيها، كان الضحية هذه المرة وزير الصناعة بيار الجميل الذي اغتيل بالرصاص خلافاً للاغتيالات السابقة عبر إحداث تفجيرات.

وفيما أبدى أغلب القادة السياسيين في لبنان تصميماً كبيراً على ضبط النفس وعدم السماح للاحتقان الداخلي بالوصول إلى مرحلة الانفجار، سارع زعيم الغالبية النيابية سعد الحريري إلى اتهام دمشق، التي أدانت الاغتيال، كما تعهد الرئيس اللبناني إميل لحود بتعقب الجناة ورأت واشنطن ان هدف الاغتيال هو إطاحة حكومة فؤاد السنيورة. وأعرب سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية عن استنكاره الشديد وصدمته وحزنه العميق للاغتيال، وعبر عن صادق تعازيه ومواساته لأسرة الفقيد وللحكومة اللبنانية والشعب اللبناني بهذا المصاب الجلل. ودعا سموه.. الشعب اللبناني الشقيق إلى التماسك في وجه هذه الجريمة وترجيح التهدئة والحكمة، معرباً سموه عن تقديره الكبير لرباطة جأش الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل ومواجهته مأساة اغتيال فلذة كبده بهذا الموقف المتزن والمسؤول.. كما عبر سموه عن ثقته بأن المجرمين سينالون عقابهم.

وقالت مصادر أمنية لـ «البيان» ان الجميل اغتيل عندما كان خارجاً من واجب عزاء في كنيسة مار انطونيوس في منطقة الجديدة، حيث مرت سيارة بجوار سيارته وأطلق منها مسلحون النار على الجميل الذي أصيب بشكل مباشر برصاصات قاتلة.وتحدثت مصادر عن ان ثلاثة مجهولين صدموا سيارة الجميل، قبل ان يترجلوا ويمطروها بالرصاص من بنادق بكواتم للصوت. ونقل الجميل إلى مستشفى مار يوسف القريب من المنطقة. حيث توفي مع أحد مرافقيه. ويأتي الاغتيال بالتزامن مع تصاعد حدة السجال السياسي بين الفرقاء اللبنانيين، وقبيل قيام حزب الله وحلفائه بتحريك الشارع لإطاحة الحكومة والمطالبة بإجراء انتخابات برلمانية مبكرة.

ويبدو ان الأوراق السياسية اختلطت مجدداً بالاغتيال ولاسيما ان الوزير السابق سليمان فرنجية، زعيم تيار المردة، ألمح إلى محاولات خفية لقوى تعارض تزعم العماد ميشيل عون الغالبية المسيحية، لافتاً إلى انه ستتم مراجعة خطط تحريك الشارع.وعلى الفور، ورغم اتسام ردود الأفعال اللبنانية الداخلية بضبط النفس، إلا ان النائب سعد الحريري زعيم الأكثرية النيابية، سارع إلى توجيه الاتهام إلى دمشق.وأضاف الحريري اثر تلقيه نبأ الاغتيال فيما كان يعقد مؤتمراً صحافياً، «يريدون (السوريون) قتل كل لبناني حر. الذي وعدوا به نفذوه وبدأ مسلسل الاغتيالات. لا شيء يمكن ان يجعلنا نحكي مع النظام القاتل والمحكمة الدولية بيننا». وفي تصريح لاحق لمحطة «سي ان ان» الأميركية، قال الحريري «ان يد سوريا ظاهرة في كل المكان». وينتظر ان يعلن مجلس الأمن الدولي في الساعات المقبلة موافقته على صيغة مسودة مشروع المحكمة الدولية لمحاكمة المتهمين في اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري. من جهته، دعا رئيس الجمهورية اللبناني الأسبق أمين الجميل بعد اغتيال نجله إلى التهدئة «حفاظاً على القضية التي استشهد من أجلها وهي لبنان أولاً».

وقال الجميل لآلاف المحتشدين الغاضبين أمام مستشفى مار يوسف في ضاحية بيروت الشمالية، الذي نقل إليه نجله «أطلب من محبي بيار عدم التصرف بغريزية». وأضاف «لا نريد ان ندنس استشهاده بانفعالات وأعمال غير مسؤولة». وختم قائلاً «لا نريد انفعالات وغداً يكون عندنا موقف وفي ضوء ذلك كل ما سنقوم به سيكون خدمة للبنان ولقضيته».

من جهته وجه الزعيم الدرزي وليد جنبلاط دعوة مماثلة إلى ضبط الانفعالات، وشدد على سلمية الردود على هذه الجريمة، ولفت إلى إصراره على المضي قدماً في تشكيل المحكمة الدولية بشأن قضية الحريري.

وكانت قوى 14 آذار تنادت الليلة الماضية إلى عقد اجتماع طارئ. وعلى الجهة الأخرى، قدم الرئيس اللبناني إميل لحود تعازيه إلى عائلة الجميل في هذه الجريمة، التي وصفها بأنها إرهابية وتستهدف جميع اللبنانيين، كما تعهد بملاحقة المجرمين.

ولم يتأخر الرد السوري، إذ أدان مصدر إعلامي رسمي في دمشق بشدة عملية الاغتيال هذه. ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» عن المصدر الإعلامي قوله إن «هذه الجريمة النكراء تستهدف زعزعة الاستقرار والسلم الأهلي في لبنان»، مؤكداً «حرص سوريا على أمن لبنان واستقراره ووحدة أبنائه والحفاظ على سلمه الأهلي».

أما ردود الأفعال الدولية، فقد تصدرتها إدانة وزارة الخارجية الأميركية للاغتيال، معتبرة انه «عمل إرهابي». وقال مساعد وزيرة الخارجية الأميركية نيكولاس بيرنز «إننا مصدومون بعملية الاغتيال هذه ونعتبرها عملاً إرهابياً».

واعتبر مصدر سياسي إسرائيلي أن اغتيال الجميل هو إشارة سورية واضحة لرئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة بأنه التالي في الدور ولذلك عليه أن يستقيم مع خطهم.

وأضاف المصدر ان «حزب الله أراد الخروج إلى الشوارع لكنه خشي من مواجهات ولذلك فإنه أسهل بكثير تصفية وزير في المعسكر الخصم». وتابع المصدر ان الاغتيال «كان مسألة وقت منذ معانقة الولايات المتحدة لحكومة السنيورة قبل ثلاثة أسابيع ووضعت عليه شارة بأنه يتعاون معها».

ووصف وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي الاغتيال بأنه «محاولة جديدة لزعزعة استقرار لبنان». وقال في كلمة أمام الجمعية الوطنية «أمام هذه المحاولة الجديدة لزعزعة استقرار لبنان، ترغب فرنسا في القول للشعب اللبناني إلى أي حد نرغب في ان نكافح لكي يحافظ على سيادته واستقلاله». وبعيد ذلك، أدان الرئيس الفرنسي جاك شيراك في بيان «الاعتداء الشنيع» ضد بيار الجميل وعبر عن رغبته في ان تتم «ملاحقة ومعاقبة» القتلة.

وقال شيراك «ان كل لبنان مصاب بهذه المأساة الرهيبة، وفرنسا على يقين بأن الرغبة في الاستقلال والحرية والديمقراطية لدى اللبنانيين ستكون أقوى. انها تقف إلى جانب لبنان من أجل التطبيق الكامل لقرارات مجلس الأمن لاسيما ذلك المتعلق بتشكيل محكمة ذات طابع دولي».

بيروت ـ علي بردى والوكالات