أكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله أن دولة الإمارات العربية المتحدة تواصل البناء على نهج التجربة الثرية التي أسس انجازاتها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
وقال سموه في حديث أجرته معه صحيفة «الشرق الأوسط» التي تصدر في لندن نشرته في عددها الصادر أمس «إننا نستلهم من هذه التجربة العزيمة لمواصلة العمل خدمة لوطننا ولشعبنا مؤكدا سموه أن ما تحقق خلال تلك الفترة يحملنا مسؤولية إضافية إلى جانب الحفاظ على المكتسبات التي تحققت خلال الفترة الماضية».
وأكد صاحب السمو رئيس الدولة لدى استقباله أول من أمس الزميل طارق الحميد رئيس تحرير جريدة «الشرق الأوسط» أن أهم ارث تركه لنا الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، هو وضوح الأهداف التي هي في جوهرها إنسانية الغاية أصيلة الأطر عميقة الجذور تعبر عن خصوصية الإنسان الإماراتي العربي المسلم.
وأوضح سموه أنه أكد في كلمته في الذكرى الرابعة والثلاثين للاتحاد أن دولة الإمارات على مشارف مرحلة جديدة أطلق عليها «مرحلة التمكين» تميزها عن مرحلة التأسيس السابقة لها وان المرحلتين مكملتان لبعضهما بعضا يخدمان الأهداف نفسها وينشدان الغايات ذاتها. وأشار سموه إلى أن أهم أهداف المرحلة القادمة يتمثل في تهيئة الظروف اللازمة لإعداد مواطن أكثر مشاركة واكبر إسهاما.
وحول التجربة البرلمانية أوضح سموه أن دولة الإمارات على قناعة تامة بأن التحول عندما يكون جوهريا وهيكليا ومرتبطا بمصير امة ومستقبل دولة فهو لا يحتمل التسرع أو حرق المراحل ولا بد أن يجري مدروسا ومتدرجا ومنسجما مع طبيعة المجتمع وخصوصيته وواقع تركيبته السكانية.
وتوقع سموه من المجلس الوطني المقبل التعاون مع السلطة التنفيذية لصياغة أنظمة قادرة على توفير مناخ صحي للمشاركة الشعبية وإشاعة ثقافة ديمقراطية تحترم حقوق المواطنين وتسمح لهم بحرية التعبير.
وأضاف سموه ان المشاركة النسائية في العملية الانتخابية تعد استكمالا لدورها في الحياة العامة والذي مكنها من المشاركة الفعلية والوصول إلى مختلف مواقع المسؤولية بما في ذلك المشاركة في عضوية مجلس الوزراء.
وأوضح سموه أن قلق دول مجلس التعاون من البرنامج النووي الإيراني يستند إلى ضرورة إبعاد منطقة الخليج والشرق الأوسط عن أي شكل من أشكال السباق لامتلاك أسلحة الدمار الشامل حيث أبلغت دول المجلس القيادة الإيرانية هذا الموقف وحصلت على تأكيدات بأن البرنامج الإيراني مخصص لأغراض سليمة.
وقال إن التأكيدات الإيرانية بحاجة إلى تطمينات بأن البرنامج يتفق مع المعايير التي حددتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية وكذلك وجود مستويات فنية تضمن سلامة المنشآت وتمنع حدوث أضرار بالبيئة الإقليمية التي تشكل دول الخليج جزءاً رئيسيا منها.
وأكد سموه أن النهج الذي اتخذته دولة الإمارات العربية المتحدة لاسترداد جزرها الثلاث المحتلة طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى لا يخضع لأي أجندات سياسية إقليمية أو دولية وإنما يستند على موقف قانوني وحقوقي ووطني سابق لوجود البرنامج النووي الإيراني وان الأساليب التي اقترحتها الإمارات لحل النزاع لم تتغير وهى قائمة على أساس الاحتكام للشرعية الدولية والقانون الدولي والتفاهم الاخوي .
مؤكدا سموه انه ليس هناك أي محل لأي استقواء بمواقف أو سياسات خارجية لمعالجة قضية جزر الإمارات المحتلة حيث لا تزال الإمارات تأمل بحلها عن طريق الحوار البناء أو الاحتكام لمحكمة العدل الدولية.
وأكد صاحب السمو رئيس الدولة «حفظه الله» أن البعد الإنساني هو جانب هام وأصيل في السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة التي أرسى قواعدها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي من أقواله «إن الله العلي القدير منحنا هذه الثروة لتطوير بلادنا وفي الوقت نفسه للمساهمة في تطوير الدول الأخرى».
وتحقيقا لهذه الغاية أنشأت الدولة هيئات ومنظمات إنمائية وخيرية على رأسها الهلال الأحمر الإماراتي ومؤسسة زايد للأعمال الخيرية ومؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية وهيئة الأعمال الخيرية وغيرها من المؤسسات التي تلعب دورا كبيرا في تحقيق سياساتنا في هذا الجانب الذي مكننا من الحفاظ على علاقات وطيدة مع الدول الشقيقة والصديقة.
وجدد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان دعوة الأشقاء الفلسطينيين إلى تمتين وحدتهم الوطنية مؤكدا دعم دولة الإمارات الكامل لهم مشيرا إلى ان الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة مأساوي فالشعب الفلسطيني يعاني من ممارسات الاحتلال واعتداءاته اليومية على المدنيين الآمنين كذلك من انسداد أفق الحل السياسي بحيث تبدو المعاناة بلا نهاية.
وقال سموه إن أية دعوات لتقسيم العراق أو تجزئته لا تصب في مصلحة العراق وشعبه وأمته وان امن وسلام واستقرار المنطقة لا يستقيم دون عراق موحد ومستقر.
وأوضح اننا على ثقة بأن العراقيين شعبا وحكومة مع خيار الوحدة وهم المؤهلون أكثر من غيرهم للدفاع عن هذا الخيار المصيري. وفيما يلي نص حديث صاحب السمو رئيس الدولة لصحيفة الشرق الأوسط:
«الشرق الأوسط»: بعد عامين على رحيل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لا يزال هناك شعور بوجود تداخل بين المرحلة الماضية بكل ما فيها من إنجازات سياسية وتنموية بارزة ومشهودة وبين المرحلة الجديدة من العمل الوطني التي تقودون مسيرتها بكل ما تحمله من آمال وطموحات.. هل يشكل التداخل قوة دافعة لسموكم لبلورة صيغة جديدة في تحمل المسؤولية أم تشعرون أن الدور الذي لعبه الراحل الكبير في المرحلة الماضية يفرض عليكم أعباء إضافية في التعاطي مع أعباء المرحلة المقبلة؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: إنه ليس مجرد شعور وإنما أمر واقع.. فالحراك الطبيعي للمجتمعات لا يجري في دوائر منفصلة أو منعزلة وإنما هو سلسلة متصلة طالما أن الأهداف المجتمعية واضحة ومحددة وطالما أن عملية الانتقال من مرحلة إلى أخرى تجري بصورة طبيعية وسلمية.
والشرطان متوفران في التجربة الإماراتية.. ولذلك فإن التداخل بين المرحلتين أمر متوقع ومرغوب.. فنحن لا نبدأ من الصفر بل نواصل البناء على تلك التجربة الثرية مستلهمين منها العزيمة لمواصلة العمل خدمةً لوطننا وشعبنا..
ولاشك أن ما تحقق من إنجازات خلال فترة حكم المغفور له الوالد الراحل يحملنا مسؤولية إضافية فإلى جانب الحفاظ على المكتسبات التي تحققت خلال الفترة الماضية فنحن مطالبون بالاستمرار في عملية تطوير التجربة الاتحادية وتحصينها بما يجعلها قادرة على التكيف المستمر مع المستجدات والمتغيرات الإقليمية والدولية.
ولعل أهم إرث تركه لنا الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «رحمه الله» ـ على عظيم إنجازاته ـ هو وضوح الأهداف.. وهي أهداف وإن كانت محكومة بمقاصد ومعايير تنموية إلا أنها ـ في جوهرها ـ إنسانية الغاية أصيلة الأطر عميقة الجذور تعبر عن خصوصية الإنسان الإماراتي العربي المسلم..
وفي كلمتي في الذكرى الرابعة والثلاثين للاتحاد أكدت أننا على مشارف مرحلة جديدة أطلقنا عليها مرحلة «التمكين» تمييزاً لها عن «مرحلة التأسيس» السابقة لها.. وقلت في تلك الكلمة إن المرحلتين مكملتان لبعضهما بعضا يخدمان الأهداف نفسها وينشدان الغايات ذاتها.
** تفعيل السلطة التشريعية
«الشرق الأوسط»: في الكلمة التي أشرتم إليها ـ سموكم ـ بمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين لإنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة أطلقتم مبادرة لتفعيل دور السلطة التشريعية من خلال تعديل طريقة اختيار أعضاء المجلس الوطني الاتحادي وتطوير الصلاحيات الممنوحة له في خطوة أولى باتجاه الانتخابات المباشرة مستقبلاً..
ألا تعد هذه الخطوة صغيرة قياساً لما حققته الإمارات من إنجازات سياسية واقتصادية واجتماعية.. وهل هذه المبادرة استجابة لضرورات محلية أم مجاراة لظرف إقليمي دولي؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: إن واحداً من أهم مقاصدنا للمرحلة القادمة يتمثل في تهيئة الظروف اللازمة لإعداد مواطن أكثر مشاركة وأكبر إسهاماً..
فالأمم تبنى بفكر وجهد أبنائها جميعا.. وضمن مجموعة الوسائل المقصودة لتحقيق هذا الهدف ودعماً لمسيرة الاتحاد وترسيخاً للاستقرار واستجابةً لتطلعات مواطنينا ولمقتضيات العصر الذي نعيش فيه وللتحولات التي تشهدها الدولة والمنطقة ـ كان لا بد من الانتقال بتجربة المجلس الوطني الاتحادي إلى مرحلة أكبر تمثيلاً .
وأوضح فاعليةً والتصاقاً بقضايا الوطن وهموم المواطنين تترسّخ من خلالها قيم المشاركة ونهج الشورى.. ليمارس هذا المجلس دوره كسلطة تشريعية داعمة لكل التحولات التي يشهدها المجتمع وذلك عبر ممثلين كل ولائهم للوطن ـ دون غيره ـ ملتزمين بأهدافه ومصالحه معززين نظامه السياسي.
وسيكون الانطلاق في هذا التحول تدريجياً يشمل في مرحلته الأولى مشاركة المواطنين ـ عبر هيئات انتخابية محلية في الإمارات السبع ـ بانتخاب نصف ممثليهم للمجلس على أن يتم اختيار النصف الآخر وفقاً للآليات الجارية سابقاً لننتهي تدريجياً ـ بإذن الله ـ إلى عملية انتخابية كاملة.. والتجربة في مجملها لا هي مفروضة ولا هي تقليد للآخرين..
إنما هي توجه وطني خالص أملته علينا المصالح والأولويات الوطنية. ومن الطبيعي أن تتقاطع هذه المصلحة الوطنية ـ في كثير من الأحيان ـ مع بعض المعطيات الإقليمية والدولية.. فالإمارات عضو فاعل في محيطها الإقليمي والدولي تؤثر فيه وتتأثر به.
«الشرق الأوسط »: هناك من يرى، أن «التدرج» في تفعيل التجربة البرلمانية تعبير لوصف ما يعتقد أنه «تردد» في منح حق الانتخابات. فما هي مبررات التدرج رغم وجود كل المعطيات التي تؤهل الإمارات لإجراء انتخابات على مستوى أشمل؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: إننا في دولة الإمارات على قناعة تامة بأن التحول عندما يكون جوهرياً وهيكلياً ومرتبطا بمصير أمةٍ ومستقبل دولةٍ، فهو لا يحتمل التسرع أو حرق المراحل ولا بد أن يجري ـ مثلما هي سمة الحياة ـ مدروساً ومتدرجاً ومنسجماً مع طبيعة المجتمع وخصوصيته واتجاهاته وطموحاته للمستقبل وواقع تركيبته السكانية.
وعلى هذا النهج المتدرج كانت مسيرتنا منذ تأسيس هذه الدولة فاقتصادنا تطور تدرجاً وقواتنا المسلحة تطورت تدرجاً، ونظمنا التعليمية والقانونية والاجتماعية وغيرها تطورت تدرجاً ولا تزال جميع مفاصل الدولة والمجتمع في حراك متدرج ايجابي.. فصيغة التدرج هي سمة ملازمة لتجربة الحكم في الإمارات.
. وكانت فلسفة الوالد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «رحمه الله» تقوم على التريث وعدم فرض صيغ قد لا تتوفر أمامها معطيات كافية للنجاح وكان يرحمه الله يردد «ان ما هو غير مقبول اليوم قد يكون مقبولا غدا» ولذلك لا يوجد ما يستدعي التسرع الذي قد يؤدي للتعثر.
من هنا فإن التدرج في الانتخابات كان استمرارا لتلك الفلسفة وبهدف تهيئة البيئة واستكمال الأسس القانونية اللازمة لإجراء انتخابات شاملة ومباشرة. كما أن التدرج فعل ايجابي يمكّن المجتمع بمؤسساته الحكومية وغير الحكومية وأفراده من الخبراء وقادة الرأي من إخضاع التجربة ـ أثناء سيرها ـ إلى تقييم مستمر ينتهي بتبني ما هو مرغوب ومطلوب من التعديلات والإضافات.
إن انتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني سيضع الجميع أمام المزيد من المسؤوليات الوطنية وسيحتم على الناخبين اختيار القادر على البذل والعطاء بتجرد.. إننا نرى أن عضوية المجلس الوطني هي في جوهرها ولاء ومسؤولية.
«الشرق الأوسط »: إلى أي مدى أنتم راضون عن الاستجابة التي أبداها المواطنون لهذه الخطوة؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: الاستجابة التي أبداها المواطنون مع المبادرة كانت استجابة طيبة حتى من قبل الذين أبدوا تحفظات على صيغتها وكما يلمس الجميع فإن المواطنين والمواطنات عبروا عن آرائهم وترحيبهم عبر وسائل الإعلام فنحن في نهاية المطاف نعمل على إشاعة ثقافة قائمة على التعددية في وجهات النظر وقبول الرأي الآخر.
«الشرق الأوسط»: وكم تقدرون أن تستغرق هذه المرحلة الانتقالية حتى يتمكن المواطنون من المشاركة الكاملة في اختيار ممثليهم للمجلس الوطني؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: إنها ليست مرحلة انتقالية محكومة بزمن وإنما هي مرحلة تأسيسية ستتطور بالتدريج في خطوات انتقالية تتأثر بنتائج الممارسة نفسها وما يتفق عليه الناس ويتبنونه من خطوات تالية.. فإطلاق التجربة وإن جاء بمبادرة منا إلا أن الجدول الزمني للانتقال من مرحلة إلى أخرى سيكون ترجمةً أمينةً ومحصلةً لما سينتهي إليه الرأي العام من أفكار وتوصيات.. وهذا هو جوهر مرحلة التمكين أي أن يقتصر دور الحكومة على تهيئة البيئة المبدعة اللازمة لتعزيز دور المواطن وزيادة فاعليته.
** مراجعة شاملة
«الشرق الأوسط»: وهل ستقتصر المقاربة الإصلاحية على الجانب البرلماني أم أنها ستطال مجالات أخرى مثل التعليم والمناهج الدراسية والحريات المدنية والإعلامية؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: لعلك تعلم أن جميع نظمنا المجتمعية تخضع في الوقت الراهن لمراجعة شاملة من حيث فلسفتها وأهدافها وقوانينها ووسائلها.. فعلى مستوى النظام التعليمي شرعنا بالفعل في إجراء تغييرات هيكلية استحداثاً وتطويراً لبنية تعليمية تستجيب لاستحقاقات المرحلة وتعزز دور المعرفة ورأس المال البشري في تطور الاقتصاد والنهوض بالمجتمع والرقي بمهارات.
وقدرات الفرد وكذلك توثق العلاقة بين العملية التعليمية والحاجات التنموية والأمنية والسكانية وذلك تهيئةً لمناخ ملائم لإعداد إنسان منتج معتز بهويته قادر على البذل والعطاء والإسهام بفاعلية في صناعة المستقبل.
أما على مستوى الإعلام فلقد كان من أهم ملامح التشكيل الوزاري الأخير.. إلغاء وزارة الإعلام ليتم الإعلان في وقت لاحق عن تشكيل المجلس الوطني للإعلام في خطوة غايتها منح مؤسساتنا الإعلامية الاتحادية درجة أعلى من المرونة والاستقلال المالي والإداري بما يتفق وطبيعتها ويمكنها من تحقيق وظيفتها في تبني قضايا الوطن والاهتمام بهموم مواطنيه وتعميق مفاهيم الحرية والمسؤولية والولاء وترسيخ قيم المشاركة والحوار وقبول الآخر..
وفي كل ذلك نحن على قناعة بأن لجميع أفراد المجتمع ومؤسساته الدينية والثقافية والتعليمية والإعلامية والتطوعية وغيرها دوراً رائداً في المرحلة التي نستشرفها وأن تفعيلها وتطويرها ودعمها واجب وطني وهو جزء من مهمة الحكومة في تهيئة البيئة المبدعة التي تحدثنا عنها.
وعلى كلٍ فنحن لا ننظر إلى الانتخابات البرلمانية على أنها المظهر الوحيد للديمقراطية.. فالديمقراطية هي حزمة من الممارسات التي تشمل بالإضافة إلى اختيار أعضاء المجلس الوطني الاتحادي حرية التعبير وقوانين تضمن حقوق الإنسان بكافة أبعادها السياسية والاجتماعية والفكرية وهذا ما بدأنا في التأسيس له بإصدار وتعديل القوانين المنظمة لهذه الجوانب.
** مشاركة المرأة
«الشرق الأوسط »: ما الذي تأملونه من المجلس الوطني المقبل وكيف تتوقعون المشاركة النسائية فيه في ضوء تجربة المرأة ضمن الطاقم الوزاري الحالي؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: نأمل أن يتمكن المجلس بالتعاون مع السلطة التنفيذية من صياغة أنظمة قادرة على توفير مناخ صحي للمشاركة الشعبية وإشاعة ثقافة ديمقراطية تحترم حقوق المواطنين وتسمح لهم بحرية التعبير عن وجهات نظرهم.
. ونأمل أن يجعلوا على قمة جدول أعمالهم ما يكرس ما بدأناه من خطوات لتعزيز الديمقراطية والإصلاح وتمكين المرأة والشباب ودفع مسيرة التنمية الشاملة إلى مقاصدها البشرية وما يتعلق بها من تطوير للنظم التعليمية والتدريبية والصحية وغيرها من الخدمات ذات العلاقة المباشرة بأمن المواطن ورفاهيته.
أما بخصوص المشاركة النسائية في العملية الانتخابية فإنها استكمال لدورها في الحياة العامة والذي مكنها من المشاركة الفعلية والوصول إلى مختلف مواقع المسؤولية بما في ذلك المشاركة في عضوية مجلس الوزراء.
إن النجاح الذي حققته المرأة الإماراتية في كل تلك المواقع يشير إلى أنها ستحقق مزيدا من النجاح داخل المجلس الوطني بالتعبير عن قضايا المجتمع خاصة تلك القضايا المتصلة بحقوق المرأة والأسرة. إننا نثق بالمرأة الإماراتية وبكفاءتها وننتظر منها الكثير وخاصة في التواجد القوي في الانتخابات ترشحاً وتصويتاً.
** تطبيق الدستور
«الشرق الأوسط »: ألا تجدون أن الدستور الإماراتي وبعد ما يزيد عن ثلاثة عقود ونصف من إقراره بحاجة إلى مراجعة وتعديل بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية المحلية والتطورات الإقليمية وهل سيكون الإصلاح البرلماني ـ إذا جاز التعبير ـ مقدمة لمثل هذه التعديلات؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: إن المشكلة الحقيقية التي تواجه الدساتير ليست في تعديلها وإنما في مدى قدرة المواطنين والمؤسسات التي تستمد سلطاتها منها بالعمل على احترام وتنفيذ ما تتضمنه الدساتير من قواعد ومبادئ..
فلسنا في حاجة لتعديل دستوري لإقرار حرية الرأي والتعبير فقد نص عليه الدستور مثلما نص على حرية الاجتماع وتكوين الجمعيات وحق الأجانب العاملين بالدولة في التمتع بالحقوق والحريات المقررة في المواثيق الدولية وبتشريعات تصون حقوق العمال ومصالح أرباب العمل.
إننا فخورون بهذا الدستور ونعتبره من الإنجازات الحضارية الهامة لمرحلة التأسيس وسنعمل على أن ينصب الجهد خلال المرحلة الجديدة على تفسيره وتطبيقه والعمل به وإذا اقتضت الحاجة فسنعمل ـ وفقاً للإجراءات الدستورية ـ على استحداث ما يتطلب إلغاءً أو تعديلاً أو إضافةً.
«الشرق الأوسط »: أعطى تباعد اجتماعات المجلس الأعلى للاتحاد وإلغاء وزارة الدولة لشؤون المجلس الأعلى انطباعاً بأن هذا المجلس لم يعد له الدور السابق في رسم السياسة العليا للاتحاد، هل ما يمر به المجلس الأعلى حالة عارضة ومؤقتة أم هي مقدمة لتقليص دوره دستورياً؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: المجلس الأعلى ليس مجلساً تنفيذياً تعقد اجتماعاته أسبوعياً أو شهريا، إنه مجلس أعلى مختص ـ دستورياً ـ برسم السياسات وتدبر الشؤون العليا للدولة واتخاذ القرارات الإستراتيجية حولها أما غير ذلك من التفاصيل فهي من صلاحيات رئيس الدولة وكذلك السلطة التنفيذية ممثلةً في مجلس الوزراء والوزارات والمجالس واللجان والسلطات والمؤسسات الاتحادية المختلفة..
كما أن الاجتماعات ليست غاية في حد ذاتها طالما أن هناك وسائل وقنوات اتصال حديثة تتيح لنا مجالا واسعا للتشاور المستمر مع إخواني أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات.
. ونحن على اتصال مستمر ودائم ولا يزال المجلس الأعلى للاتحاد وسيظل هو السلطة الدستورية العليا في البلاد. أما عن التشكيل الوزاري الأخير الذي ألغى وزارات ودمج بعضها واستحدث أخرى فقد كان نتاج دراسة جادة وتحليل عميق لمجمل تجربتنا الاتحادية منذ انطلاقها في عام 1971.
وكجزء من التوجه العام لبناء دولة المؤسسات والفصل الواضح بين السلطات جاءت التوصية بإلغاء وزارة الدولة لشؤون المجلس الأعلى خاصة مع وجود «وزارة شؤون الرئاسة» التي هي وبحكم قانونها مختصة بمجمل المهام التي كانت تتولاها وزارة الدولة لشؤون المجلس الأعلى.
** دور الحكومات المحلية
«الشرق الأوسط»: يشعر المتابع للمسيرة الإماراتية خلال العامين الماضيين تحديداً اتساع الدور الذي تلعبه السلطات المحلية في الإمارات الأعضاء في الاتحاد .
وهو ما تجلى باستقلال بعضها بمجموعة من الخدمات التي كانت تقدمها الاتحادية أو بإطلاق مشاريع عقارية أو خدمية عملاقة، كيف تنظرون إلى دور الحكومات المحلية الجديدة؟ وهل ينقص هذا من دور السلطة الاتحادية؟ وكيف تعملون من أجل أن ينسجم ما تقوم به تلك السلطات مع المشروع الوطني العام؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: الإمارات دولة اتحادية تكونت نتيجة تعاهد بين كيانات سياسية كانت موجودة بالفعل قبل قيام الاتحاد تنازلت بمحض إرادتها ودون انتقاص من هيبتها عن بعض سلطاتها تحقيقاً للكيان الاتحادي الجامع كما نظم الدستور العلاقة بين الاتحاد والإمارات ووزع السلطات والاختصاصات بينهما.
وإذا عدت للدستور وتعديلاته فستجد أن كل ما يجري في الإمارات هو أمر دستوري ليس فيه أي مساس بالسلطات الاتحادية وصلاحياتها ودورها.
** الميزانية الاتحادية
«الشرق الأوسط»: يرى البعض أن تطوير الموارد الإماراتية سواء الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط أو الاستثمارات أو تحسن قطاعات الخدمات والتجارة لم يقابله تعديل في تحسين موارد الميزانية الاتحادية. هل عدم تعديل هذه الميزانية يعني تخلي الحكومة المركزية عن بعض المهام الاجتماعية والتنموية التي كانت تتولاها وكيف تعالجون أثر قلة موارد الميزانية على بعض المناطق؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: اقتصادنا قوي وهو مثال ناجح لجميع الاقتصادات النامية فدولة الإمارات تعد من أكثر الدول تطوراً ونمواً في منطقة الشرق الأوسط وتحسب على رأس قائمة الدول العربية من حيث معدلات نمو البنية التحتية ومؤشرات التنمية البشرية.. فهل يمكن لكل هذه الإنجازات أن تتأتى دون اعتمادات مالية كافية؟ وهل يعقل أن يتم ذلك بمعزل عن الزيادة العالمية التي تشهدها عائدات الثروة النفطية؟.
إن الميزانية الاتحادية لا تعاني أي نقص في الموارد ويتزايد حجمها عاماً بعد عام ولعل الشاهد على ذلك ميزانية العام المالي الجاري والتي حققت توازنا من دون عجز للعام الثاني على التوالي بين إيراداتها ومصروفاتها..
وزادت مساهمة الإمارات المختلفة في هذه الميزانية مقارنة بالعام الماضي كما زادت الاعتمادات المالية المخصصة للتعليم وللصحة ولقطاع المشاريع واتخذ مجلس الوزراء قرارا يقضي بمساهمة الحكومة الاتحادية في رأسمال الشركات المساهمة العامة الجديدة وكل هذا سيؤدي تلقائياً لتنمية الإيرادات.
إن الدولة لن تتخلى أبداً عن مسؤولياتها نحو مواطنيها سيظل تعليم المواطن وسكنه وصحته وأمنه مسؤولية حكومية نتكامل في أدائها على المستويين الاتحادي والمحلي.. ولا تمييز في دولة الإمارات بين مواطن ومواطن ولا فرق بين منطقة وأخرى، فالتنمية ستسير عادلة ومتوازنة وفقاً لما هي عليه منذ نشأة هذه الدولة.
** التركيبة السكانية
«الشرق الأوسط»: تشكل التركيبة السكانية والخلل المزمن فيها تحدياً وطنياً واجتماعياً وأمنياً كبيراً كيف تعملون على معالجة هذا الخلل خاصة في ضوء التغييرات التشريعية الأخيرة التي أتاحت شكلاً من أشكال الملكية العقارية للأجانب؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: نحن في دولة الإمارات نعي مخاطر هذا الخلل، ونؤمن بأن العودة بالأمور إلى نصابها ليست مستحيلة ولا عصية على الحل وجهدنا يأخذ عدة محاور غايتها النهائية الوصول بالخلل إلى معدلات آمنة والسيطرة عليه وحسن إدارته بتبني إستراتيجيات وبرامج وخطط متكاملة بعيدة الأفق قابلة للمتابعة والقياس والتقييم تحقق المصالح الوطنية المشروعة ولا تأتي مجرد إجراءات جزئية مؤقتة.
«الشرق الأوسط»: ومم تتكون هذه المحاور سموكم؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: المحور الرئيسي والأول فيها هو تعزيز دور المواطن في الإنتاج والإدارة وذلك بإحلال العمالة المواطنة المؤهلة ويرتبط بهذا جهد ضخم ـ شرعنا فيه بالفعل ـ لإعادة هيكلة قطاعي التعليم والتدريب بحيث تلبي مخرجاتهما الحاجة الفعلية لسوق العمل في جميع قطاعاته.
إضافة إلى التطبيق التدريجي للتوطين النوعي بقصر بعض الوظائف والمهن على المواطنين فقط. والمحور الثاني يتمثل في إعادة هيكلة الاقتصاد بتهيئة الظروف كافةً لحسن انتقاله من مرحلة تقليدية تعتمد على عمالة كثيفة إلى اقتصاد يقوم على المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة والعمالة الماهرة بحيث تحل التقنية الحديثة محل الأيدي العاملة غير الماهرة.
ولقد شرعنا بالفعل في إعداد السياسات والتشريعات الاستثمارية المشجعة للصناعات ذات الكثافة الرأسمالية ـ التقنية بدلاً من الصناعة ذات الكثافة العمالية مما سيترتب عليه خلال السنوات القادمة خفض كبير في حجم العمالة غير الماهرة وهي من أكبر الشرائح المؤثرة في معدلات الخلل السكاني كما سيؤدي هذا التحول إلى خلق المزيد من فرص العمل للمواطنين.
أما المحور الثالث فيتمثل في تحسين كفاءة الأجهزة ذات العلاقة بتنظيم العمالة الوافدة.. إضافة إلى زيادة التنسيق بين الأجهزة المعنية وزيادة الوعي الشعبي بأهمية المسألة إشارة إلى أن الاستراتيجية الوطنية لمعالجة الخلل السكاني تتضمن محاور اجتماعية وتربوية وبرامج ثقافية وحملات إعلامية غايتها تعميق مفاهيم المسؤولية والولاء وترسيخ قيم العمل.
** حقوق العمالة
«الشرق الأوسط»: مع الانفتاح الذي تعيشه دولة الإمارات العربية المتحدة يتزايد الاهتمام الإعلامي الدولي بقضايا مختلفة من العمالة وحقوقها وحتى سير مناشط الحياة المختلفة التي باتت ترصد من قبل جماعات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية الأخرى..في الإمارات هل تشعرون أنكم تتعاملون مع تلك الانتقادات أو التحفظات بشكل سريع يبدد القلق الذي تعبر عنه تلك الجماعات أم أنكم تشعرون أنّ هناك مبالغة في بعض تلك الملاحظات؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: حرصت دولة الإمارات العربية المتحدة منذ نشأتها على تضمين قضية حقوق الإنسان في دستورها وصاغت عدداً من الآليات التي تسهم في تعزيز وصيانة تلك الحقوق وتكفل تطبيق واحترام الحقوق الأساسية للعمال وطبّقت حزمة من القوانين الصارمة للحفاظ على حقوق العمال وتحسين أوضاعهم كما أصدرنا قانوناً في شأن مكافحة جرائم الاتجار بالبشر وسبق هذا القانون تطبيق إجراءات جديدة تهدف إلى منع استغلال العمالة المنزلية الوافدة من قبل أصحاب الشركات والمؤسسات..
ولكن في مقابل كل هذه الجهود نرى مبالغات كبيرة في مضامين التقارير التي تصدر عن بعض المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان مبنية على سوء فهم وإدراك حقيقي لما هو مطبق على أرض الواقع.
وكما تعلم فإنّ العمال الذين تستضيفهم دولة الإمارات العربية المتحدة لا يمكن اعتبارهم عمالاً مهاجرين باعتبار أنهم يعملون بصفة مؤقتة وبموجب عقود عمل محددة وعليه فإنّ قوانين الهجرة المعمول بها في الدول الغربية لا يمكن تطبيقها بحذافيرها على هؤلاء العمال.
« الشرق الأوسط »: بعد مرور مدة زمنية لا يستهان بها على تجربة الانفتاح واتباع الخيار الاقتصادي المنفتح على العالم كيف تقيّمون مدى الاستفادة التي انعكست على المواطن الإماراتي؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: لا شك أن الإمارات استفادت من سياسة الانفتاح الاقتصادي بحيث أصبحت جميع إماراتنا ومدننا ساحة لمدٍ سياحي واستثماري عربي عالمي واسع ساهم في دفع عجلة التطور والانتعاش الاقتصادي وتحقيق الرفاهية وخلق المزيد من فرص العمل لمواطني الدولة..
وكان من نتائج سياسة الانفتاح الاقتصادي أن تحولت الكثير من الشركات العائلية إلى شركات مساهمة مفتوحة للاكتتاب العام وجعلها شريكة في النمو الاقتصادي كما استفادت الكثير من الشركات الإماراتية من سياسة الانفتاح بتوسيع استثماراتها في العديد من دول العالم بدءاً من دول مجلس التعاون الخليجي إلى الدول العربية ووصولاً إلى دول آسيا وأوروبا وأميركا..
ونتوقع أن تؤدي ممارسة عدد من المؤسسات التعليمية والثقافية والمهنية ذات السمعة العالمية لأنشطتها من داخل الدولة إلى حفز المؤسسات الوطنية الموازية للرقي بكفاءة وجودة عملياتها ومنتجاتها بما يمكّنها من الصمود والمنافسة.
** الهوية الإماراتية
«الشرق الأوسط »: في ظل الانفتاح وتعدد الثقافات الوافدة على الإمارات العربية المتحدة.. ألا تشغل سموكم مسألة الهوية الإماراتية؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: إن العقيدة الإسلامية الحقة والثقافة العربية الأصيلة هما أهم عنصرين في منظومة مكونات الهوية الإماراتية وهما حصنان قويان نثق في قدرتهما على حماية هذه الهوية وتعزيز إمكانياتها لمواجهة أي وافد شاذ من الثقافات أو أنماط السلوك.
ونحن لا نخشى على هويتنا من تعدد الثقافات الوافدة طالما أن الشعب معتز بعناصر هويته متمسك بقيمه وثقافته.. أما تأثير الاختلاط بباقي الثقافات فقد يكون فيه إضافة مفيدة لمكونات هويتنا مثل الانفتاح وتنمية قدرات التعرف على ثقافة الآخر وقبولها واحترامها وهي جوانب مهمة في إثراء الشخصية الوطنية تسعى مختلف مؤسساتنا التعليمية والثقافية والدينية لتكريسها مثلما تعمل على تعزيز العناصر المتعلقة بصون الهوية وحمايتها وتثقيف الناشئة بتراث الآباء والأجداد.
«الشرق الأوسط »: تتفاوض دولة الإمارات العربية المتحدة مع الولايات المتحدة لتوقيع اتفاقية للتجارة الحرة هل هناك ثمن سياسي لتلك الاتفاقية في ضوء ما يتردد عن اشتراطات أميركية على صعيد تعديل قوانين العمل وحرية تشكيل التجمعات السياسية؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة يقودها مجلس تفاوضي على درجة عالية من الكفاءة والمهارة ووضوح الرؤية يضم فرقاً متخصصة ولجاناً فنية متعددة داعمة له..
وتتمثل مهمة المجلس في الوصول إلى أفضل النتائج بما يضمن للمنتج الإماراتي المنافسة في أضخم اقتصاد عالمي ويجذب أحدث وسائل التكنولوجيا الصناعية إلى الدولة ويحافظ على مصالح الدولة الاقتصادية ويضمن انعكاسها الإيجابي على مختلف القطاعات.. وموقفنا التفاوضي يستند إلى رؤية مستمدة من نتائج مشاورات أدارها المجلس ولا يزال يديرها مع الجهات ذات العلاقة بالقطاعين العام والخاص..
وهناك توجيهات واضحة لمفاوضينا بألاّ تهاون ولا تفريط ـ تحت أي ظرف ـ في سيادة بلدنا أو إرادته المستقلة خاصة وأن هذه المفاوضات جاءت تلبية لمطلب وطني إماراتي قائم على إستراتيجيتنا الاقتصادية الانفتاحية كون هذا الاتفاق سيوفر للاقتصاد الوطني الكثير من الفرص للتقدم والازدهار.
** أداء أسواق المال
«الشرق الأوسط»: تمر سوق الأسهم الإماراتية بحالة من عدم الاستقرار والتراجع.. ما هي الخطوات التي تتخذونها لتقليص آثار هذا الاضطراب في السوق على الاقتصاد المحلي بشكل عام وصغار المستثمرين بشكل خاص؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: برغم حركة التراجع والتذبذبات الحادة التي تشهدها مؤشرات أداء سوق الأسهم بين الحين والآخر ضمن موجة تراجع شملت أسواق جميع دول المنطقة إلا أننا لا نشعر بأي قلق، فالعوامل المعززة لأداء الأسواق المالية موجودة وفي مقدمتها استقرار سياسي وأمني مصحوب باقتصاد قوي ومزدهر في جميع قطاعاته واستثمار يتدفق نحو جميع إمارات الدولة من الخارج والداخل بمعدلات مرضية إضافة إلى ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية.
«الشرق الأوسط»: في الآونة الأخيرة شهدنا حراكاً ثقافياً كبيراً في العاصمة أبوظبي يتمثل في إطلاق «جائزة الشيخ زايد للكتاب» فهل تنوون جعل أبوظبي منارة الثقافة الخليجية من خلال عمل ثقافي مؤسس على شكل مستمر ومتكامل؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: «جائزة الشيخ زايد للكتاب» التي أطلقناها مؤخراً هي جائزة علمية سنوية تحمل اسم المغفور له الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه وتبلغ قيمة جوائزها في فروعها التسعة سبعة ملايين درهم وهي بهذا أضخم جائزة للكتاب على مستوى العالم..
والجائزة ـ في مقصدها ـ هي تكريم وترسيخ لنهج الوالد الراحل في احتفائه ـ رحمه الله ـ بالعلم والعلماء وتقديره لأهمية الآداب والفنون في بناء الأمم والشعوب واعترافه بمكانة الكتاب في الثقافة العربية الإسلامية باعتباره وعاء العلم والحضارة والمعرفة.. ونسعى من خلال إطلاق هذه الجائزة إلى تشجيع المبدعين والمفكرين وتكريم الشخصية الأكثر عطاء وإبداعا وتأثيرا في حركة الثقافة العربية.
ونعتقد أن في إطلاق هذه الجائزة دعما لحركة الثقافة في منطقتنا الخليجية خاصة وأن احتفالات تسليم الجوائز التي تستضيفها أبوظبي سنوياً ستكون مصحوبة بالعديد من الأنشطة ومعارض الكتاب والفنون والفعاليات الثقافية المختلفة بما يعزز من مكانة الدولة في هذا الجانب ويفتح آفاقاً جديدة لتطوير صناعة الكتاب والنشر والتوزيع والترجمة.
** مجلس التعاون
«الشرق الأوسط»: ترأستم الدورة الحالية للقمة الخليجية كيف تقيمون الدور الذي يلعبه مجلس التعاون حالياً وهل تجدون تراجعاً في أولوياته الأمنية والسياسية لصالح التعاون الاقتصادي؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: نحن ننظر لمجلس التعاون باعتباره تعبيراً عن علاقة تاريخية واجتماعية بين الدول الأعضاء وهو بهذا المعنى يتجاوز طبيعته كإطار للتعاون السياسي والاقتصادي..ولعل البعد الاجتماعي والتاريخي في علاقات دول المجلس هو ما ساعد على المحافظة على هذه الرابطة التنظيمية طوال هذه المدة.. وبغض النظر عن الإيقاع البطيء للتعاون المشترك بين دول المجلس فإن الآفاق المتاحة للتعاون بين هذه الدول هي آفاق واعدة..
ولعل التحسن الكبير في التجارة البينية وتدفق الاستثمارات والسماح بالملكية العقارية وممارسة النشاط الاقتصادي سيوفر واقعا اقتصاديا واجتماعيا يساعد على مزيد من التلاحم والتعاون بين دول المجلس.. أما القول إن الأولويات السياسية والأمنية كانت طاغية على مسيرة التعاون في حقبتي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين فقد كان ذلك نتيجة للظرف الإقليمي خلال تلك الفترة.
وإن كان ذلك لا يعني أن التعاون بشقه الاقتصادي والاجتماعي كان غائبا ولكن ربما كان اقل حضورا في وسائل الإعلام مما هو عليه الآن وأعتقد أنه مهما اختلفت الأولويات فإن المعيار الأساسي للنجاح في دفع مسيرة التعاون هو توفر الإرادة وهو ما يتعزز يوما بعد يوم بفضل ازدياد الروابط والمصالح بين دول المجلس.
** الملف الإيراني
«الشرق الأوسط»: أبدت دول مجلس التعاون قلقاً إزاء البرنامج النووي الإيراني لكنها أكدت أهمية معالجة هذا الملف دبلوماسياً كيف تقيمون الاتصالات الجارية وهل حصلتم في لقاءاتكم الأخيرة مع المسؤولين الإيرانيين وغيرهم من المسؤولين في الدول المعنية بهذا الملف على ما يطمئنكم إلى أن المنطقة لن تنزلق نحو مواجهة عسكرية جديدة؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: قلق دول الخليج من البرنامج النووي الإيراني يستند أصلا إلى مبدأ ثابت وهو ضرورة العمل على إبعاد منطقة الخليج والشرق الأوسط عن أي شكل من أشكال السباق لامتلاك أسلحة دمار شامل.
وقد قامت دول الخليج منفردة ومجتمعة بإبلاغ القيادة الإيرانية بهذا الموقف المبدئي وحصلنا في المقابل على تأكيدات بأن البرنامج الإيراني مخصص لأغراض سلمية..
وقد قلنا إن هذه التأكيدات بحاجة إلى تطمينات بأن البرنامج يتفق مع المعايير التي حددتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية بما يطمئن دول المجلس ليس فقط على سلمية البرنامج وإنما بوجود مستويات فنية تضمن سلامة المنشآت وتمنع حدوث أي خلل من شأنه الإضرار بالبيئة الإقليمية التي تشكل دول الخليج جزءا رئيسيا فيها.
«الشرق الأوسط »: هل يمكن لدولة الإمارات العربية المتحدة أن تستثمر الضغط الدولي الحالي الذي تتعرض له طهران لدفع قضية احتلال جزرها الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى من جديد إلى الواجهة أم أن انشغال العالم بهذا الملف قد يعطل مساعي الإمارات لاستعادة حقوقها في الجزر المحتلة؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: إن النهج الذي اتخذناه لاسترداد جزرنا الثلاث المحتلة طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى لا يخضع لأي أجندات سياسية إقليمية أو دولية وإنما يستند على موقف قانوني وحقوقي وطني سابق لوجود البرنامج النووي الإيراني..
كما أن الأساليب التي اقترحتها الإمارات لحل النزاع لم تتغير وهي قائمة على أساس الاحتكام للشرعية والقانون الدولي والتفاهم الأخوي.. ولذلك لا محل لأي استقواء بمواقف أو سياسات خارجية لمعالجة قضية جزرنا المحتلة فنحن لا نزال نأمل بحلها عن طريق الحوار البناء أو الاحتكام لمحكمة العدل الدولية.
«الشرق الأوسط»: البعد الإنساني في السياسة الخارجية لدولة الإمارات لا يخفى على أحد مما أكسب الإمارات تقديراً عالمياً كبيراً.. وقد تجلى هذا البعد في المساعدات الإنسانية سواء للفلسطينيين في غزة أو ضحايا العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان أو لضحايا كارثة تسونامي أو لزلزال باكستان وغيرها من مساعدات لدول أفريقية وإسلامية فقيرة.. كيف تنظرون سموكم لأهمية هذه المساعدات في تحقيق التقارب بين الشعوب وتأكيد رسالة المحبة والسلام بين دول العالم؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: البعد الإنساني هو جانب هام وأصيل في السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية أرسى قواعده المغفور له الوالد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي من أقواله المأثورة في هذا الجانب «إن الله العلي القدير منحنا هذه الثروة لتطوير بلادنا وفي الوقت نفسه للمساهمة في تطوير الدول الأخرى».
وتحقيقاً لهذه الغاية أنشأت الدولة هيئات ومنظمات إغاثية وخيرية على رأسها الهلال الأحمر الإماراتي ومؤسسة زايد للأعمال الخيرية ومؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية وغيرها من المؤسسات التي تلعب دوراً كبيراً في تحقيق سياستنا في هذا الجانب.. ولقد مكّننا هذا النهج من الحفاظ على علاقات وطيدة مع الدول الشقيقة والصديقة ومكن الدولة بما تملكه من إمكانيات وقدرات من الوصول إلى مكانة عالية في المنظومة الدولية للمساعدات التنموية والإنسانية والإغاثية.
«الشرق الأوسط »: جرت في الآونة الأخيرة اتصالات عديدة بينكم وبين القيادة السعودية وقيل إن قضية الحدود كانت محوراً من محاور تلك الاتصالات هل ترون هذه المسألة مشكلة تهدد العلاقات المميزة بين البلدين ؟ وأين وصلت المساعي لحلها ؟
صاحب السمو الشيخ خليفة : الاتصالات بيننا وبين الإخوة في المملكة العربية السعودية مستمرة وبغض النظر عن طبيعة ما نبحثه في لقاءاتنا فإن الروح الأخوية هي السمة الغالبة على هذه اللقاءات وحرصنا على هذه العلاقات الأخوية لا يقل عن حرص القيادة في المملكة العربية السعودية وعلى رأسها أخي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز.
** العراق
«الشرق الأوسط»: في واشنطن تتصاعد أصوات تدعو إلى تقسيم العراق كمخرج لسحب القوات الأميركية من العراق كيف تنظرون إلى ذلك؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: نحن في دولة الإمارات مثلما هو موقف جميع الدول العربية على قناعة تامة بأن أمن وسلام واستقرار المنطقة لا يستقيم دون عراق موحد مستقر ولقد نقلنا هذا الموقف لجميع الأطراف ذات العلاقة وقلنا إن أي دعوات ـ مهما كان مصدرها ـ لتقسيمه أو تفكيكه أو تجزئته جغرافياً أو طائفياً لا تصب في مصلحة العراق وشعبه وأمته.. ونحن على ثقة بأن العراقيين ـ شعباً وحكومةً ـ مع خيار الوحدة وهم المؤهلون أكثر من غيرهم للدفاع عن هذا الخيار المصيري.
** فلسطين
«الشرق الأوسط»: تمر الساحة الفلسطينية بمرحلة حرجة بسبب ممارسات إسرائيل التعسفية ضد الشعب الفلسطيني كيف ترون سموكم المشهد الفلسطيني حاليا وهل تجدون في ضوء التطورات الجارية هناك أي فرصة حقيقية لإحياء عملية السلام ؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة مأساوي فهو من جانب يعاني من ممارسات الاحتلال واعتداءاته اليومية على المدنيين والآمنين وهو من جانب آخر يعاني من انسداد أفق الحل السياسي بحيث تبدو المعاناة بلا نهاية.. وإننا نجدّد في هذا المقام دعمنا الكامل لأشقائنا الفلسطينيين ودعوتنا لهم بتمتين وحدتهم الوطنية.
«الشرق الأوسط »: نقلت الدول العربية القضية الفلسطينية لمجلس الأمن لكن هذه المحاولة لم تسفر عن أي تطور يساهم بإحياء عملية السلام هل تعتقدون سموكم أن فرص السلام في المنطقة تتراجع أم أن تداعيات الحرب الأخيرة على لبنان أوجدت ظرفا دوليا ضاغطا باتجاه إيجاد حل نهائي؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: مع خيبة أملنا إزاء الدور الذي لعبته الأمم المتحدة بشأن القضية الفلسطينية إلا أننا لا نزال نعتقد أن لها دوراً عليها أن تلعبه لتطبيق قرارات الشرعية الدولية وصولا إلى تحقيق السلام العادل والدائم والشامل في المنطقة.
** لبنان
«الشرق الأوسط»: المشهد اللبناني يمر بتأزم مستمر منذ تداعيات حرب الثلاثة والثلاثين يوماً مع إسرائيل ولدولة الإمارات العربية المتحدة تاريخ وحرص منذ عهد الراحل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على استقرار لبنان.. كيف تنظرون لأزمة لبنان المستمرة والمتصاعدة؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: وقوفنا إلى جانب لبنان أو أي بلد عربي شقيق آخر واجب نشأنا عليه ومبدأ ثابت في سياستنا الخارجية التي رسم ملامحها وحدد موجهاتها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وعلى نهجه سائرون بإذن الله. ومهما كانت صعوبة الظروف التي يمر بها لبنان الشقيق اليوم فنحن على ثقة بقدرة أبنائه ـ حكومة وشعباً ـ على إدراك المخاطر الحقيقية وطبيعتها والعمل على رص الصفوف وتوحيد الكلمة ووضع مصلحة لبنان واللبنانيين فوق أي انتماء أو التزام آخر..
فالوطن يأتي أولاً. إن مستقبل لبنان بين أيدي اللبنانيين أنفسهم فهم الأقدر على تقييم المواقف واتخاذ القرارات بما يحفظ للبنان استقراره وأمنه. وأود أن أؤكد هنا أننا على استعداد تام لبذل كل جهد ممكن للتقريب بين وجهات النظر والإسهام في تعمير ما دمره العدوان الغاشم والعودة بلبنان إلى مكانته الطبيعية في قلب العالم العربي.
** الإرهاب وصدام الحضارات
«الشرق الأوسط»: رغم انحسار موجة الإرهاب التي تعرض لها العالم وعدد من دول المنطقة بشكل خاص كيف تنظرون إلى المرحلة القادمة من الحرب على الإرهاب وهل تعتقدون أن انحسار الموجة دليل على أن التطرف فقد زخمه أم لا تزال هناك مخاوف من تجدده ؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: موقفنا من الإرهاب موقف ثابت لم يتبدل ومساهمتنا في الحرب عليه مساهمة مستمرة لأننا نؤمن أن الإرهاب آفة عالمية خطيرة تضرب على غير هدى وعلى أساس رؤية ظلامية ضيقة. وضمن هذا الفهم للإرهاب وخطورته فإننا ندعو إلى تجفيف المنابع التي تمده بالحياة ونعني بذلك التوترات الدولية والفقر والجوع التي تشكل في مجموعها بيئة إحباط يمكن استغلالها من قبل المتطرفين والإرهابيين.
ومع أننا لا ننكر الأثر الذي تركته الجهود الأمنية التي بذلت في أكثر من دولة لمحاربة الإرهاب فإن المطلوب إيجاد مقاربة سياسية موازية هدفها قطع الطريق أمام الإرهابيين لاستغلال النزاعات الإقليمية وحالة عدم الاستقرار الدولي لتوفير غطاء لأعمالهم الإجرامية أساسا لممارساتهم الإرهابية.
«الشرق الأوسط »: يردد البعض دعاوى صدام الحضارات ويوجه البعض الآخر اتهامات باطلة للإسلام في محاولة لإلصاق تهمة الإرهاب به. ما الذي ترونه سموكم للدفاع عن الإسلام وإنقاذه من هذه الحملات الظالمة وكذلك لإقامة علاقات يسودها الود والتعاون بين شعوب الحضارات المختلفة؟
صاحب السمو الشيخ خليفة: علينا الاعتراف أولاً بأن العلاقة بين المسلمين والغرب شابها ـ مؤخراً ـ الكثير من اللبس وذلك لأسباب متعلقة في بعضها بمشكلات الداخل العربي ـ الإسلامي وفي معظمها بالمنهج الذي اتخذته الحكومات الغربية للتعامل مع المشكلات والقضايا الإسلامية والعربية الرئيسية وعلى رأسها القضية الفلسطينية وتوصيف الإرهاب وشن الهجمات لتشويه قيمنا وثقافتنا ونظمنا ومناهجنا.
أدى عدم الفهم هذا إلى نشوء العديد من مراكز التوتر ـ السياسي والثقافي ـ بين الجانبين وظهور بعض الأطروحات المتشائمة التي ترى حتمية الصراع بين الحضارتين الإسلامية والغربية وأن العلاقة بينهما ستنتهي حتماً إلى حرب.
نحن لسنا من أنصار هذا الرأي وما زلنا نؤمن بأن العلاقة بين الحضارتين ينبغي أن تكون علاقة حوار وتواصل وتكامل وتفاعل وتحقيقاً لهذا الهدف المنشود فإننا في حاجة اليوم ـ وأكثر من أي وقت مضى ـ إلى بناء تحالف للتفاهم والسلام تمكيناً للجانبين من اجتثاث جذور العنف والكراهية وإفشاء ثقافة التسامح والاعتراف بالآخر واحترام قيمه الدينية وخصائصه الثقافية.. إن حواراً إنسانياً مثل هذا هو المخرج الأفضل للأزمة الراهنة..
كما أن على الغرب تحسين وسائل فهمه للحضارات الأخرى وعلى رأسها الحضارة العربية الإسلامية. وفي هذا ال
