برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة استخدام الكريمات والمستحضرات التي تعمل على تفتيح لون البشرة فتحول البشرة السمراء والسوداء إلى بشرة بيضاء ناصعة البياض، وبطبيعة الحال استهوت هذه المستحضرات النساء من كافة الطبقات وذلك لرخص أسعارها وتوافرها بصورة ملفتة للنظر في الصيدليات ومحلات السوبر ماركت وحتى في محلات البقالة.
وأججت هذه الظاهرة الحملات الإعلانية المكثفة التي تنشر على صفحات الجرائد والمجلات وشاشات التلفاز وتدعي مأمونية وسلامة هذه المستحضرات وعدم وجود أية أضرار أو آثار جانبية لها.
غير أن دراسة صينية نشرت في الأسبوع الماضي لفتت الانتباه إلى خطورة تلك المستحضرات على البشرة وطرحت تساؤلات حول مدى مأمونية استعمال هذه المستحضرات خاصة أن بعض الكريمات التي يتم إنتاجها في الدول التي لا تتقيد بشروط التصنيع الجيد ولا يوجد عليها رقابة حكومية صارمة تخفي مكونات منتجاتها عمدا ومنها بعض المكونات الزئبقية المحظورة عالميا .
والتي تعمل على محاربة الجهاز العصبي والكلي إلى جانب احتوائها على مادتي الكروميوم والنيديميوم اللتين تسببان السرطان وتهيج البشرة خاصة مع الاستعمال طويل الأمد.
الدكتور شريف صقر استشاري الأمراض الجلدية والعقم في مستشفى دار الشفاء بأبوظبي يشير إلى أن عشوائية استخدام هذه المستحضرات وانتشارها في الدولة بصورة تدعو للقلق يحتم على الجهات الصحية المعنية أن تضع هذه المشكلة في مكانها الصحيح وأن تقوم بحصر كل المنتجات والمستحضرات وإجراء تحليلات دقيقة عليها ومعرفة مكوناتها الحقيقية قبل السماح بتداولها بتلك الصورة الموجودة عليها الآن.
ويشير إلى أن وضع أي مواد كيماوية في هذه المستحضرات مثل مادة هايدروكينون المأخوذة من الزئبق والتي تعمل على حجب وإتلاف إنزيم الميلانين، وهي المادة المسؤولة عن تكوين لون الجلد والبشرة فإذا حدث أي تلاعب في العملية الحيوية لهذه الخلايا فإنها تفقد فعاليتها وتؤدي إلى حدوث أضرار صحية خطيرة بالبشرة والجلد أقلها تهيج البشرة وأكثرها الإصابة بمرض السرطان وإتلاف الجهاز العصبي على المدى البعيد.
وينوه الدكتور صقر إلى أن هناك مفاهيم كثيرة خاطئة بشأن هذه المستحضرات لدى معظم الناس خاصة النساء ومع الأسف كرستها الإعلانات التي تحاصرهم ليل نهار فجعلتهم يعتقدون أن أية كريمات يكتب عليها لتفتيح البشرة فإنها تصلح لهم والحقيقة أنه ليس بالضرورة أن يستعمل كريم معين لرجل أو سيدة يكون مفيدا للآخر، ولذلك نحن ننصح باستشارة الطبيب قبل الإقدام على استعمال أي نوع من أنواع هذه المستحضرات أو الكريمات.
وطالب المستهلكين لمثل هذه المستحضرات التجميلية التأكد من محتويات الكريمات واستعمال مستحضرات ومنتجات ذات علامات تجارية تنتج بدول تفرض قواعد صارمة على المعلومات التي تكتب على المنتجات وتتمتع بممارسات التصنيع الصيدلاني الجيد.
إلا أن بعض الأطباء يؤكدون أن العديد من الدول الأوربية التي حظرت استخدام مادة «الهايدروكينون» ذات الأصل الزئبقي من جميع مستحضرات التجميل الخاصة بها بينما تسمح بها في المنتجات المصدرة إلى الدول الأفريقية والآسيوية بينما أبقت بعض الدول استخدام هذه المواد في حدود ضيقة لا تتجاوز نسبتها أكثر من 2%.
وطالبت منظمة الصحة العالمية بضرورة تقييد مبيعات مستحضرات تفتيح البشرة بسبب عشوائية الاستخدام، وقالت إنه ينبغي على الحكومات عمل برامج توعية لصرف الناس عن استخدام الكريمات الحاوية على الهايدروكينون من أجل تفتيح بشرتهم.
ويشير الدكتور عادل أبو شباب اختصاصي الأمراض الجلدية في مستشفى الإمارات الدولي بالعين إلى أنه بحكم انفتاح السوق التجاري في دولة الإمارات العربية يتم تسويق عدد كبير جدا من منتجات التجميل والعناية بالبشرة والتي تعود إلى شركات تجارية ربحية منها ما هو معروف والكثير منها مجهول ومعظم هذه المستحضرات اقل جودة وهذا عدا مواد أخرى تباع بشكل عشوائي ومن دون تنظيم أو رقابة. ولا تحمل اي دليل على مكوناته الأساسية، تاريخ الصدور، والانتهاء وبلد المنشأ.
ويضيف أن خطورة استعمال مواد التجميل بشكل عام تكمن في أمرين مهمين أولهما الأعراض الجلدية ـ مثل الحساسية والتهيج الجلدي والجفاف وزيادة أو نقص التصبغات الجلدية. الالتهابات الموضعية والأكزيما وعدوى الفطريات وغير ذلك، وثانيهما الأعراض العامة ـ وهي خطيرة مثل تسمم الجهاز التنفسي والهضمي والعصبي.
وحول محتويات مستحضرات تفتيح البشرة يقول الدكتور أبو شباب إن هناك مواد كيميائية عضوية وغير عضوية ومواد دهنية ومواد طبيعية ومشتقات البترول والمعادن كالرصاص، النحاس، الكوبالت، الزئبق والنيكل وهي مواد خطيرة وقاتلة على جسم الإنسان بكميات قليلة نتيجة تأثيرها التراكمي الذي يؤدي إلى خلل نوعى لامتصاص الجلد البطيء لها.
ويقول: من خلال عملي في عيادة الأمراض الجلدية تم استقبال عدة حالات تشمل مضاعفات جلدية وآخر حالة قبل ثمانية أيام حيث اشتكت المريضة بعد استعمال كريم لتخسيس الوزن من طفح جلدي من 30 ـ 40 % من مساحة الجلد يشبه الصدفية. انني انصح كل من يستعمل مواد التجميل والعناية بالبشرة توخي الحيطة والحذر من النوعية المنتجة وعدم التمادي في استعمالها إذا ما شعر الإنسان بأعراض غير طبيعية مثل تهيج الجلد بالإضافة إلى إعطاء فرصة كافية للجلد لأنه يعيد نشاطه البيولوجي الطبيعي.
من جانبه يشير الدكتور برامين ريدروجوس استشاري الأمراض الجلدية في المستشفي الوطني بأبوظبي إلى أهمية استشارة الطبيب وعدم استعمال أي من أنواع هذه الكريمات من تلقاء الشخص نفسه لأن الطبيب هو القادر على تحديد النوع والصنف المناسب من هذه الأدوية والمراهم والكريمات وتحديد جرعتها بحسب سن المريض ونوعية بشرته ومدى إصابته.
ويحذر من التمادي في استعمال مستحضرات تفتيح البشرة خاصة الأنواع غير معلومة المصدر لأنها تحتوي على نسب عالية من الزئبق والمواد المعدنية ولهذا تعطي نتائج سريعة لكنها ضارة للبشرة تعمل على تهيجها بمجرد تعرضها للشمس ثم تتحول بعد ذلك إلى بقع سوداء.
تحقيق: مصطفى خليفة
