أكد الدكتور جمال سند السويدي مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية أن دولة الإمارات تعاني من مشكلةً جوهرية ممثلة في الخلل في التركيبة السكانية ونسبة هذا الخلل ليست مرتفعة قياساً إلى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية فحسب بل تمثل حالة فريدة على مستوى العالم أجمع حيث انخفضت نسبة المواطنين إلى جملة عدد السكان من نحو 63% عام 1968 إلى نحو 25% عام 2001 وإذا ما سارت الأمور على ما هي عليه الآن فإن التقديرات المستقبلية تشير إلى أن نسبة المواطنين سوف تتدنى إلى أقل من ذلك.
وقال في دراسة له بعنوان «مجتمع الإمارات: نظرة مستقبلية» ان سوق العمل وما طرأ عليها من تحولات بنائية يعتبر السبب الرئيسي فيما وصل إليه الوضع من خلل في التركيبة السكانية بالدولة وبالتالي يجب أن يركز العلاج على هذا الجانب.
وأوضح ان معالجة وضع العمالة في القطاع الخاص لا تتم بمعزل عن التوجه الاقتصادي العام للدولة إذ يحتاج الأمر أولاً إلى علاج داخلي يتمثل في إحداث تغيير اقتصادي شامل يمهد لإعادة تشكيل اقتصاد الدولة وصياغة القطاعات الاقتصادية من جديد بحيث يكون المواطن الإماراتي على وجه التحديد وسيلة التنمية وهدفها في آن واحد.
وطرح مدير عام المركز عددا من الحلول التي تسهم في حل مشكلة التركيبة السكانية منها : أن تتبع دولة الإمارات نظام التخطيط الاقتصادي كمنهج لإدارة اقتصادها، وذلك عبر تنفيذ خطط تنمية اقتصادية واجتماعية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى.
وقال ان استشراف مستقبل مجتمع دولة الإمارات يفرض ضرورة إدراك التغيرات المحتملة في البيئة العالمية المحيطة به والتعرف إلى ما قد تحمله في المستقبل من فرص وتحديات وفي الوقت نفسه دراسة التحديات الداخلية التي تؤثر في بناء المستقبل واستقراء أبرز ملامحها والبحث عن الصيغ المناسبة التي يمكن من خلالها وضع الحلول المناسبة لها.
وقال السويدي ان دولة الإمارات تواجه مع بداية القرن الحادي والعشرين العديد من التحديات التي ينبغي دراستها وفهمها وتحديد سبل مواجهتها من خلال منهجية علمية منوها إلى أن أبرز التحديات الخارجية والداخلية التي تؤثر بصورة مباشرة في صياغة مستقبل مجتمع الإمارات تتمثل في العولمة وتداعياتها والمتغيرات الدولية الكبرى التي ستؤثر بصورة مباشرة في الهوية الوطنية وسيادة الدولة وحقوق الإنسان ودور المرأة والمجتمع المدني في حين أن التحدي الداخلي ناجم عن متطلبات التنمية السياسية وتحقيق النمو الاقتصادي وتنمية الموارد البشرية والقوى العاملة الوافدة.
وأضاف: يبرز التحدي العالمي بصورة أساسية في العولمة والمتغيرات الدولية وقد اشتد الجدل منذ مطلع تسعينات القرن العشرين حول مفهوم العولمة وتداعياتها، ولذا لا بد من تعريف مصطلح العولمة، والتعرف على آلياتها التي تتمثل في زثورة الاتصالاتز وشبكة الإنترنت، إلى جانب ذلك مظاهر العولمة ومن أهمها زالشركات العابرة للقومياتز وسمنظمة التجارة العالميةس وسالمحكمة الجنائية الدوليةس، ومن ثم الوقوف على الإشكاليات التي تثيرها العولمة.
وقال مدير عام المركز انه وضمن ثورة الاتصالات تأتي شبكة الإنترنت التي غيرت جذرياً من أنماط تدفق المعلومات وأزالت الحدود والحواجز بين الدول وأتاحت للبشر حرية الاتصال والتعرف على ما يحدث في العالم في اللحظة نفسها، فالاتصالات عبر شبكات الحاسوب توفر عدداً كبيراً من المجتمعات الافتراضية وكذلك هناك النفوذ المتنامي والمتسارع الخطى لوسائل الإعلام التي تعرض قيماً شبه موحدة مع الفضاء المفتوح لآلاف القنوات التي تبث برامجها عبر الأقمار الاصطناعية وكل هذا يؤثر بصورة مباشرة في تشكيل الفكر والرأي العام وصياغة منظومات قيم جديدة وعادات مستحدثة تنتشر في العالم كله.
وأوضح أن الجدل الدائر حول تأثير العولمة في الثقافة مرتبط بأهمية الهوية الوطنية أكثر من كونه مرتبطاً بانتشار السلع الاستهلاكية وتتركز الأسئلة حول الدور الملائم للثقافات الوطنية وما إذا كان تنامي الاعتماد المتبادل السائد في عالم اليوم سيؤدي بالضرورة إلى اندثار الهوية والانتماءات الوطنية والثقافة الوطنية بعيدة عن خطر الاندثار، بل تواصل توسيع رقعة نفوذها وإبراز هويتها كما أن القيم الثقافية للعولمة لا تشكل بديلاً للخصائص الثقافية المشتركة لأي شعب كالعادات والتقاليد واللغة والدين.
التحديات الداخلية
وفيما يتعلق بالتحديات الداخلية أوضح أن دولة الإمارات تواجه عدداً من التحديات الداخلية التي ترتبط بعلاقة جدلية بمتغيرات وتطورات البيئة الدولية وقد نجحت دولة الإمارات خلال ثلاثة عقود في إرساء أسس متينة لدولة عصرية لكن المستقبل يثير عدداً من التحديات الداخلية يمكن إجمالها من الناحية السياسية في إنجاز التنمية السياسية والتحول نحو المؤسساتية ودور المواطنين في صنع السياسة العامة والشفافية والمحاسبة.
ومن الناحية الاقتصادية تتمثل التحديات في إعادة هيكلة الاقتصاد بما يسمح بتنويع مصادر الدخل وتوافر القدرة على دخول عصر الاقتصاد المبني على المعرفة وفي هذا السياق يلعب تطوير الموارد البشرية دوراً رئيسياً في خطط التنمية الشاملة للدولة وهذا يتطلب تطوير التعليم وتشجيع البحث العلمي وعلاج الخلل في التركيبة السكانية.
توسيع آفاق المشاركة
وقال الدكتور السويدي إن الخطوات العملية في مجال المشاركة السياسية والتحول نحو الحياة المؤسساتية يجب أن تعطي أهمية خاصة للجهود المبذولة لإعادة تشكيل التفاعل بين الحكومة والمواطنين وتوسيع آفاق المشاركة في صنع السياسة العامة وهذا يتضمن التغيير على عدة صعد منها مواصلة عملية التحول نحو الحياة المؤسساتية التي تتحمل مسؤولية مراجعة السياسات العامة وأن يساهم جميع المواطنين في إدارة مجتمعهم وتوسيع مشاركة المرأة ومساهمتها في صياغة المستقبل والعمل على إيجاد نظام يقوم على المحاسبة الإدارية ومراقبة السياسات العامة.
وإلى جانب توسيع حقوق المشاركة السياسية هناك حاجة ماسة إلى التغلب على الحواجز الاجتماعية القائمة والاستفادة مما توفره الثورة التقنية لتأخذ المرأة دورها المنشود في المجتمع وقد قطعت الإمارات شوطاً كبيراً في مجال إعطاء المرأة حقوقها وبالفعل تنامى حجم مساهمة المرأة الإماراتية في سوق العمل وخاصة في حقل التعليم كذلك يجب أن يتضمن تفعيل دور المرأة الإماراتية توسيع نطاق حقوقها السياسية بحيث يكون لها دور فعال في صنع المستقبل من خلال فتح أبواب المؤسسات السياسية مثل المجلس الوطني الاتحادي ليضم المرأة في مقاعده وكذلك كافة المؤسسات والهيئات المحلية والاتحادية في الدولة.
تنمية الموارد البشرية
وأكد أن تنمية الموارد البشرية يمثل أحد التحديات الرئيسية ولا سيما أن المتغيرات الاقتصادية والتطورات العلمية قد جعلت من القوى العاملة المؤهلة التي تمتلك المعرفة أساساً لإحراز التقدم والتطور في المجتمع. ويؤدي التعليم والبحث العلمي دوراً مركزياً في هذا الصدد. ويعتبر ذلك أحد التحديات التي تطرح نفسها بقوة في دولة الإمارات العربية المتحدة. كما أن الخلل في التركيبة السكانية يمثل تحدياً آخر للتنمية البشرية في دولة الإمارات العربية المتحدة حيث يؤثر سلبياً في جميع مؤشرات التنمية البشرية، فضلاً عن تأثيره المباشر في خطط التوطين والإحلال التي تمثل هدفاً استراتيجياً للدولة في الوقت الراهن.
وقال ان قطاع التعليم في الدولة شهد تطوراً كمياً ملحوظاً ومن خلال رصد الوضع الراهن نجد أن عدد مؤسسات التعليم العالي الحكومية حتى الآن ثلاث مؤسسات هي: جامعة الإمارات العربية المتحدة وكليات التقنية العليا وجامعة زايد كما يبلغ عدد مؤسسات التعليم العالي الخاص المرخصة 16 مؤسسة موزعة على إمارات الدولة المختلفة.
تعديل المادة «120»
دعا الدكتور جمال السويدي إلى تعديل المادة (120) من دستور دولة الإمارات بإضافة بند إلى البنود التسعة عشر التي ينفرد الاتحاد بالتشريع والتنفيذ فيها والبند المقترح إضافته هو: إصدار وإلغاء الرخص التجارية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، الصناعية والتجارية والخدمية وهذا البند سيمكن الدولة من نقل عملية إصدار الرخص من الدوائر المحلية إلى الحكومة الاتحادية مما سيمكن الدولة من التحكم في عملية إصدار الرخص التجارية ومنع المتاجرة في الرخص ومحاربة ظاهرة المنشآت الوهمية التي تتاجر في التأشيرات.
كما أكد السويدي على ضرورة إعادة النظر في نظام الكفالة الحالي وإعداد نظام يتم بمقتضاه سحب صلاحية الكفالة من المواطنين.
إضاءة
سوق العمل وما طرأ عليه من تحولات بنائية يعتبر السبب الرئيسي فيما وصل إليه الوضع من خلل في التركيبة السكانية بالدولة وبالتالي يجب أن يركز العلاج على هذا الجانب، كما ان معالجة وضع العمالة في القطاع الخاص لا تتم بمعزل عن التوجه الاقتصادي العام للدولة.
أبوظبي ــ ماجدة ملاوي