إن جميع الأشياء في الحياة البشرية والحيوانية أو المادية أو النباتية أيضا لا تؤدي دورا حقيقيا في الحياة إلا إذا اتحد بعضها من البعض مثنى وثلاثا ورباعا وخماسا...
فلا يمكن أن تتولد الشحنة الكهربائية إلا بوجود قطبين أحدهما موجب والآخر سالب ولا تكون السيارة صالحة للاستعمال إلا بتوفر جميع المستلزمان التي تعطيها القدرة على التحرك فلا بد من وجود أجهزة ميكانيكية تعمل على تشغيل المحرك وإطارات تسير بها على الطريق وقطع متنوعة من حديد وبعض القطع البلاستيكية ووقود يحركها وزيوت تعطيها مدة بقاء أكثر عمرا....
وكذلك لا تتم ولادة أي الإنسان إلا عن طريق الزوجين الذكر والأنثى وكذلك عملية تشييد العمران لا تتم بطريقة واحدة فحسب فهناك عدة أشياء لكي يكون البناء متكاملا فمواد البناء من حديد وأخشاب واسمنت أو طين...ضرورية والماء ضروري والأيدي العاملة ضرورية وهكذا فكل شيء يكمل الآخر ومن ثم يتم تشييد العمران. وهكذا شأن الحياة كل تركيبة للأشياء يختلف بعضها عن البعض الآخر.
فالكائن البشري بمختلف شرائحه الذكر منهم والأنثى تركيبتهم الخلقية تختلف من شخص لآخر في الطباع وفي الميولات الشخصية وفي الأذواق المتنوعة والأمثلة على ذلك كثيرة فالشجاعة لا يتميز بها كافة الناس وكذلك الجبن، زيد كريم وعمر بخيل وزيد يحب اللون الأحمر وعمر يحب اللون الأزرق عمر مجتهد في حياته فوصل إلى منصب وزير وعمر أهمل حياته فأصبح موظفا عاديا عقل زيد يستطيع أن ينجز الكثير من الفوائد التي تهم البشر على الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية...
وعقل عمر أهلهُ أن يكون منتجا في مجالات العلوم التقنية وبعض الصناعات الأخرى وهذه مواضع الاختلاف في التركيبة البشرية. إن أهم وسيلة لتخفيف التصلب الذهني والتقليل من حدة توتره المريرة هي طريقة الجلوس على مائدة الحوار الغنية بالحلول المفيدة والآراء البناءة فهذه المائدة مليئة بالوجبة الدسمة التي تعطي العقل دورة تنشيطية مستمرة في الحياة بحيث تمنحه القوة الفاعلة في كيفية التعامل مع معطيات العصر الراهن
وما يمر به المجتمع البشري من مشكلات كثير على الساحة المحلية أو الإقليمية أو الدولية فطريقة الحوار والتبادل والتوافق عمليات أساسية في سيرورة النمو الفكري والثقافي والحضاري للإنسان فكل الحضارات الإنسانية المعروفة اعتمدت على عملية التوافق من خلال عملية تركيب نقدي لإسهامات ثقافية وحضارية إنسانية.
والتركيب النقدي مقاربة عملية نظرية تهدف الى استيعاب الأبعاد الكلية الإنسانية في النتاج الفكري والثقافي للمنظومات الفكرية الحضارية المختلفة وقد تمثل ذلك في الحضارة الإسلامية الشامخة الجذور فأفكارها القيمة اتسعت وليس لها حدود أو قيود في التعامل مع الآخرين
فشملت كل متعلم وجاهل تحاور الخصم وتبطل حجته إن كانت هذه الأفكار أو المعتقدات غير راشدة وتمنحه حرية التفكير العميق أيضا وترشده إلى التبصر وتحكيم العقل فما بال بعض المسلمين اليوم يعرضون عن تناول الغذاء الشافي من مائدة الحوار الهادف للوصول إلى الحقيقة وتقديم الحلول الشافية والوافية للمجتمع البشري للخروج من ربقة التخلف والانحطاط الذي أخر الأمة المحمدية عن اللحاق بركب التقدم التقني الذي فجرت أسسه سابقا وبنى عليه المجتمع الحديث مجالات التقدم العلمي التكنولوجي.
بقلم: إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي