قال الشيخ: انتهينا في مجلسنا السابق إلى أن عموم غضب الله وسخطه على قوم ما أصله غياب فريضة معارضة القارون ورد أحكامه عليه والركون إليه وتقليده في سلوكه وتفضيلاته ومكروهاته لما يحمل ذلك من ظلال الشرك والتوكل على غير الله، فالحق أشد غيرة وغضباً وسخطاً على من يتخذ من دونه أرباباً أو أنداداً يحبهم كما يحب الله ويخافهم كالخوف من الله ويأمل ويطمع بما عندهم وما عند الله خير وأبقى.

وإذا كانت الرحم قد أخذت عهداً من الحق أن يصل من وصلها وأن يقطع من قطعها فإن بغي القارون وظلمه إن مس رحمه وذوي القربى يستثير من غضب الله وسخطه ما لا طاقة للإنسان عليه فالرحم أولى أن توصل وتعطى من خير الله ورزق الله، وهي أولى بألا تُظلم وألا يُجار عليها، أما من بخل واستغنى فسنيسره للعسرى وهي سنة قرآنية لا تتخلف عن قارون أساء وبخل ومنع العطاء عن الناس وأولاهم بالعطاء والوصل ذوو القربى وأهل الرحم.

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة

على النفس من وقع الحسام المهند

وقد وصف القرآن العظيم الإنسان بأنه منوع إلا المصلين الذين (هم على صلواتهم دائمون) فكان الشحّ طبيعة في الإنسان ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم الفائزون، ومن ظن من القارونيين أن ما أوتيه من رزق هو أولى بكل درهم منه استحق غضب الله في الدنيا فينزع ما في يده من مال، أو في الآخرة حيث يكوى به وجوههم وجباههم وحيث لا ملجأ ولا مفر من الله.

ونحن هنا لا نقول كما قال المتنبي:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد

ذا عفة فلعلة لا يظلم

فالإيمان وحب الله ورسوله أولى من العلة في منع الظلم وفي جعل الإنسان كريماً معطاءً، وقد رأينا صوراً من البذل والعطاء في أبي بكر الذي خرج عن كل ماله لله وفي عمر بن الخطاب الذي خرج عن نصف ماله لله وفي عثمان بن عفان الذي كان يجهز جيوش المسلمين كامل جهازها وغيرهم كثير.

إلا أن أصل العلة في القارونيين أنهم أمنوا مكر الله، وظنوا أن ما هم فيه من نعيم مقيم وأن ما أكرمهم الله هو من جني أيديهم، وأن لهم وحدهم الحق في القبض والبسط والعطاء والمنع وأن من أرضاهم وقلدهم وسار على خطاهم استحق، العطاء وأن من خالف رأيهم وعارضهم ولم يتخذ منهم أرباباً استحق المنع والحرمان، فكأنهم قد وضعوا أنفسهم مكان الرازق الوهاب، بل إن الحق جل وعلا أكرم على من خالفه منهم ((وأما من كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب السعير)).

وما من يد إلا يد الله فوقها

ولا ظالم إلا سيبلى بأظلم

وكلما زاد القارون بخلاً وإمساكاً، وكلما زاد تجبراً وعلواً في الأرض، كلما استكان له الناس وظنوا أن الخير بيده يعطيه من يشاء ويمنعه عمن يشاء، والقارون ـ كما ذكرنا ـ يمكن أن يكون سلطاناً أو رجلاً أنعم الله عليه برزق وفير، أو امرأة وصل بغيها إلى حد تبحث معه عن مصرف تنفق فيه من أموالها فلا تجد أو دولة تربط مساعداتها بشروط يراق فيها ماء الوجه وتهدر بها كرامة الآخرين،

ولكن الناس من جهلهم وعماهم وسوء تقديرهم وتدبيرهم ومن نقص إيمانهم وقلة يقينهم يواجهون الإذلال بالإجلال ويقابلون التجبر والتكبر بالتواضع والتصاغر مما يجعل القارون أكثر قارونية وأكثر فرحاً بدنيا زائلة في هذه الحياة وفي الحياة الآخرة فيكون الخنوع والخضوع من أسباب التسلط والتعالي، وهؤلاء يستحقون أن يعمهم البلاء والغضب لأنهم ضاعوا وضيعوا من حولهم واستكانوا حيث لا تليق الاستكانة وبحثوا عن أرزاقهم بين فتات موائد المتجبرين ورضوا أن يبذلوا كرامتهم حتى لمن يضن عليهم ويمنع عنهم.

وأقتك داء رؤية المرء ظالماً

يسيء ويتلى في المحافل حمده

وهذا الخضوع والخنوع والقيام على خدمة القارون والسعي في تحقيق أمنيته طمعاً بكرمٍ من بخيل وبعطاء من ممسك هو أصل وصول القارونيين إلى الفرح الذي حذر قوم قارون من الوقوع فيه، لأنه فرح من يحسب ماله أخلده ولأنه فرح من لم ير الله فوقه ولم ير الموت أمامه، والله أعلم.

ماهر سقا أميني