أكد المشاركون بالندوة التي عقدها معهد جوته بالقاهرة بعنوان الهوية الإسلامية والحداثة أنه من الضروري أن يتقارب مثقفو الحضارتين الإسلامية والغربية لإيجاد صيغة مناسبة للتحاور والتعايش السلمي الرافض لكل صور الصراع والعنف الدامي، الذي يعود في مجمله بالضرر البالغ على أبناء كل الحضارات التي هي في الأساس متقاربة فلسفة وحياة.

واتفق المشاركون على أن الحوار السلمي هو السبيل الأمثل لخلق آلية للتواصل والتعايش، ومن الضروري أن يدرك الجميع أن الحوار البناء لن يكون إلا بإدراك جميع الأطراف ان كل حضارة حريصة على بقائها، وذلك ببقاء مبادئها وقيمها، وهي في ذلك ترفض الاستعمار الثقافي ولديها عزم لا يلين على نشر هذه المبادئ والقيم التي تؤهل لحضارتها وتؤكد عليها، ومن ثم من الضروري التقارب للاتفاق الذي لا يخل ولا يظلم أبناء أحد هذه الحضارات التي تختلف في مبادئها ومنطلقاتها القيمية والثقافية.

وأوصى المشاركون بضرورة تعريف المسلمين أنفسهم بذلك الشكل الحواري الجديد، الذي يتواءم في سبله وأسسه مع المتغيرات السياسية والاجتماعية الحالية، والامتزاج المستمر بين الحضارات، والتحديات التي فرضتها ظروف العصر من عولمة ثقافية واقتصادية وسياسية، والتغير والتبدل الذي أصاب موازين القوى في العالم المعاصر.

أشار د. صبري عبدالرؤوف عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، إلى الفارق ما بين الهوية الإسلامية، والهوية المطلقة، أن الأولى تعني التصرف في إطار ما يرضي الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بينما الهوية لدى الغرب تعني الحرية المطلقة في أن يفعل الإنسان ما يشاء، وأن الفارق شاسعا ما بين تعاليم الإسلام والالتزام بالقيم الأخلاقية والدينية، وما بين الحرية التي تؤدي إلى الفوضى والهمجية ومجتمعات الغاب التي تسودها الانحرافات!..كذا هناك فارق ما بين التعليم للجهلاء، والحوار ما بين العلماء وان الاختلاف والاتفاق بالتالي وارد في كل زمان ومكان، وأن الاعتراف بالخطأ هو أول خطوة في تصحيحه!.. وانتقد د. صبري، اتهام الغرب لنا بالتخلف والرجعية، والإرهاب وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من صعوبة إجراء حوار مع الغرب.

موضحاً أن ذلك مرجعه إلى مفاهيم الغرب المشوهة وغير الواضحة عن الإسلام والمسلمين، ولذا فقد دعا الغرب إلى الاقتراب منا ومحاولة التعايش، والتعامل مع المسلمين حتى يدركوا المفهوم الحقيقي للإسلام، الذي يقوم على التسامح والمحبة والمودة وقبول الآخر ما دام يحترم مبادئنا وعقيدتنا، أما في حالة عدم احترامهم ديننا وقبولهم بأسلوب حياتنا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فعليهم أن يتركونا وشأننا، ننتمي إلى ديننا وقيمنا، فنحن راضون عن حياتنا ومجتمعات العفة والنقاء والكرامة، نقتدي بآبائنا وأمهاتنا، ونصون أعراضنا وشرفنا، وليوجهوا سهامهم المسمومة إلى غيرنا، وأن الله سوف يكون معنا دائما ما دمنا نسير في طريق الحق والسلام.

حوار مع الآخر!

وأوضح ميشيل لودرز خبير شؤون الشرق الأوسط، أن اختلاف الحوار بين العلماء والساسة وبسطاء الناس قد لا يأتي بالنتائج المرجوة منه، ولذلك من الضروري التفريق ما بين الساسة والمواطنين الذين يعيشون في أوروبا وأميركا عند الحديث عن الإسلام والغرب، محذرًا من إطلاق الأحكام العامة، وكذا الفارق الواضح ما بين العرب والأوروبيين الذين اعتادوا طرح أسئلة شديدة الدقة والخروج منها بإجابات واضحة، وإنه مما لا شك فيه أن الأوروبيين والألمان، خاصة الذين لا يعرفون العالم العربي والإسلامي معرفة حقيقية هم في حيرة وشك ودائمو التساؤل عن صورة المسلم، الذي يتبع تعاليم القرآن ويعتبر نفسه بالتالي الإنسان المثالي في الكون، بينما هو يرتكب على أرض الواقع العنف والإرهاب الذي اتسع ليشمل دول العالم.

ويؤكد لودرز أن السبب في هذه الصورة المغلوطة المأخوذة عنا ناتجة في الغالب عن التفسيرات المبهمة والغامضة وغير المنطقية، وأن الغرب والولايات المتحدة الأميركية خاصة كانت سببا في العديد من المشاكل التي تعاني منها المجتمعات العربية والإسلامية، نتيجة انتهاك الولايات المتحدة الأميركية للقانون الدولي في السنوات الأخيرة، وغزو أفغانستان، ثم العراق واحتلاله وتدمير ونهب ثرواته وممتلكاته، وفشل الجامعة العربية في القيام بدور مواز للاتحاد الأوروبي وهي الأكثر قدماً وعراقة منه، وغيابها وعدم مشاركتها في حل ما يعانيه العالم الإسلامي من مشاكل فضلا عن سعي بعض الدول العربية إلى إقامة تحالفات مع الغرب ضماناً لمصالحها معه!

وأشار ميشيل إلى الجدل الذي ثار في ألمانيا من قبل الشارع قبل غزو العراق واحتلاله، وتصويت مواطنيهم ضد المشاركة في هذه الحرب، في حين اتخذت بريطانيا منح آخر وقررت خوض الحرب ومساندة الولايات المتحدة الأميركية في استخدام لغة القوة لحماية مصالحها في الشرق الأوسط، مما أدي إلى خلق حالة من العداء الشديد ما بين الشرق والغرب، ولذا فقد دعي إلى توخي الدقة وعدم إطلاق أحكام عامة على الغرب بأكمله!

وأضاف أن ضعف وفشل الدول العربية في استخدام ثرواتها الطبيعية، كأوراق ضغط على أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، أو استخدامها في تطوير والنهوض بالأمة العربية والإسلامية وتحسين ظروفهم المعيشية والاجتماعية التي تزداد سوءا، مشيرا إلى إحصائية قامت بها إحدى الجامعات الألمانية، والتي أشارت فيها إلى الأداء الاقتصادي في الدول العربية، وان جميع صادرتها من المغرب وحتى عمان لا تعادل قيمة الناتج القومي لفنلندا.

طالب ميشيل لودرز العرب في ختام كلمته إلى منح الغرب المزيد من الثقة، وتخلي العرب عن الشعور بأن هناك مؤامرة عليهم من قبل الغرب، مؤكدا أن الأمر يتعلق بالمصالح السياسية والاقتصادية وليس للأمر علاقة بصراع الحضارات، كما إنه لابد للعرب من النقد الذاتي حتى يتمكنوا من معرفة الأسباب الحقيقية، التي أدت إلى تراجعهم وتخلفهم بعدما بلغوه قديما من التقدم والعلم في الأندلس.

وحدة الأديان

ودعت الداعية الإسلامية د. نهلة الخرافي إلى سيادة لغة الحب، الذي يعد جوهرا أساسيا ينبغي توافره داخل الإنسان المؤمن المتصل بالله، وهو الأمر الذي يمنحه السعادة والسلام الداخليين، وأن كل من خبر الدين يدرك هذه المشاعر، التي يصعب التعبير عنها ووصفها بالكلمات.

وأكدت د. نهلة أن المشاكل المتعددة، التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية في انعدام الديمقراطية، الظلم الاجتماعي، وتوزيع الثروة، البطالة، تأخر سن الزواج، والتي اعتاد الشارع العربي تقبلها والتعايش معها ونسعى بالتالي إلى وضع حلول لها على عكس الغرب، الذي يعاني من الانهيار الأخلاقي والقيمي، والذي فشل في التعايش مع مشاكله وحلها وهو ما يؤدي في النهاية إلى تدمير نفسه ومجتمعه، ولذلك لابد من الرجوع إلى الدين سواء كان الإسلام أو المسيحية أو اليهودية، لأن جوهر الأديان واحد وكذا المرجعية في الصواب والخطأ، والحلال والحرام.

تحديات!

ومن جهته أوضح د. فاضل سليمان مدير مؤسسة جور للتعريف بالإسلام أن فطرة المسلم السليمة تدله على مشاكله، مؤكدا أن البداية الصحيحة حين نضع أيدينا على المشكلة حتى يمكن علاجها ووضع الحلول المناسبة لها، ولذلك لابد من قيام المؤسسات الحكومية بطرح الإحصائيات الدقيقة، التي تشير إلى مشاكلنا الاجتماعية حتى يتم التعامل معها على أساس من الواقع، سواء في مصر أو في الخارج، وذلك حتى تكون مثالا وقدوة للتعامل مع الآخر بشفافية وديمقراطية حقيقية.

وأشار د. فاضل إلى إحدى الإحصائيات، التي تؤكد أن هناك نحو سبعة آلاف فتاة حامل تحت سن 15 عاما، كما إن هناك 35 شخصا يموتون سنويا في ألمانيا من بين كل مئة بسبب الكحوليات، وانه حين سألهم عن ذلك لم تأته منهم إجابة شافية، مشيرا إلى إنها إحدى المشكلات التي تواجهنا من الغرب الذي نتقبله بكل مشاكله، بينما هو لا يتقبلنا ويتهمنا بالانقسام إلى شيعة وسنة، واننا نختلف ونقتل بعضنا البعض فماذا عنهم؟!.. إن الغرب ليس أفضل منا فهو أيضا يعاني من ذات المشكلة، حيث ينقسم إلى كاثوليك وبروتستانت وحتى عشرين عاما مضت كانوا لا يزالون يقتلون بعضهم البعض على نحو ما حدث في إيرلندا، وفي الحرب العالمية الثانية التي قتل فيها نحو خمسة وخمسون مليون شخص.

وبما أن الحضارة الإسلامية في موقف ضعف وحالة انهزام، لذا فإنه من الطبيعي أن يتحول الأمر إلى شروط وإملاءات من قبل الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن هناك من يسعى في الغرب، وهذا اللقاء خير دليل على ذلك إلى توطيد علاقته بالعالم العربي والنظر إليه في صورة أكثر شمولية، والبحث عن نقاط التقاء من أجل التعايش السلمي في عالم العولمة المتوحشة، ولذا فقد دعا - فاضل - إلى الارتفاع عن التعصب والاستعلاء عن الآخر، والتزام الطرفين بالحوار الهادئ البناء القائم على أسس من الصراحة المتبادلة والوضوح والاستعداد إلى التعلم من الآخر، وإعادة الثقة في الذات العربية من خلال الحوار مع الآخر، على أن يبدأ هذا الحوار أولا مع الذات، ثم ما بين أفراد المجتمع الواحد، ثم حوار إسلامي إسلامي، وأخيرًا الحوار مع الكيانات الدولية؟

أما المشكلة الكبرى في الحوار ما بين الشرق والغرب - على حسب د. فاضل - فإنها تتمثل في كيفية إقامة حوار ما بين مجتمع مغلق وآخر مفتوح، وأن هذا لن يكون إلا عن طريق العلم والثقافة، وعدم اختصار دور الدين في القيم الأخلاقية، فضلا عن رغبة الغرب في فرض نفسه وحلوله علينا، وهو أمر نرفضه تماما، وإنما قد نقبل منهم كأصدقاء الاقتراحات والنصائح التي لا يلزم بها أحد.

قنوات رسمية

وأكدت إيفافيلومان الباحثة العلمية بمركز البحوث السياسية والتطبيقية في ميونيخ أن التسامح الذي تعتبره الوسيط المثالي للدخول في حوار مستمر مع الطرف الآخر، والذي قد لا تسمح به القنوات الرسمية، على الرغم من كونه حقا من حقوق البشر جميعا، إلا أن التجارب والخبرات لا يمكن اكتسابها في الآخر، وإنما يجب علينا معايشة التجربة بأنفسنا مهما كانت مؤلمة وصعبة، وأنها وجدت من خلال دارستها العديد من المبادئ المشتركة ما بين الشرق والغرب، والتي قد نغفل عنها أو نتناساها عند الحوار مع الآخر، والتي تؤكد على ضرورة أن يكون هناك استعدادا للانفتاح على الآخر ومناقشة كل الأمور بحرية تامة ودون أي حساسيات، وذلك على الرغم من اعترافها بوجود العديد من المحاذير، التي قد يصعب الاقتراب منها في ألمانيا وخاصة الدين.

عصر ذهبي

وأشار أحمد سعد - إمام وخطيب إلى أن العالم الواقعي المادي الذي تسوده الصراعات وتحكمه المصالح، ولذا فإن الحوار ما بين الشرق والغرب لن يكون فاعلا إلا في حالة الوقوف على أرضية مشتركة، والتخلي عن مفاهيم السيطرة، وقبول كل طرف للآخر ونصح، ولا يمد طرفا نفسه مقياسا ينبغي على الآخر أن يزن به أو يقيس نفسه عليه، مشيرا إلى اتهام الغرب لنا بأن نظرتنا لواقعنا الإسلامي فيها شيء من المثالية، وأكد أحمد أن هناك العديد من القوانين الألمانية المبنية على الأسس الإسلامية، وإن كانوا غير مدركين لذلك، ومنها قوانين إلزام الأبناء بالصرف على والديهما في كبرهما.

وكذا فصل البنين عن البنات في المدارس، واقتصادهم الذي يحرم الربا، مشيرا إلى أن معظم المشاكل التي يعاني منها الشباب في المجتمعات العربية والإسلامية تنتج عن ضعف القدرات المادية، الكبت الجنسي والذي يجد الغرب الحل في الإباحية وإطلاق الحرية في العلاقات ما بين الجنسين، وهو أمر مرفوض وضد قيمنا وديننا، كما إنه يوجد جيل من الأطفال الذين لا يعرفون آباءهم، مما يتسبب في وقوعهم فريسة للأمراض النفسية، ويظلون يعانون طوال حياتهم، فلا يصبحون اعضاء فاعلين في المجتمع. وحذر أحمد من أخذ الحلول عن الآخرين، لأن منطلقاته ومرجعياته تختلف عنا، في ذات الوقت الذي يجب علينا تقبلها كأساس للحوار مع الآخر.

مشيرا إلى معاناة الغرب من ازدواجية ما بين الدين في مفهومه والحياة التي يعيشونها، بينما نحن ليس لدينا هذه المشكلة، لأننا نسير وفق تعاليم وقيم الإسلام التي تجعلنا نعيش في حالة وئام مع النفس، مؤكدا أن المشاكل التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية والإسلامية قد جاءت نتيجة الابتعاد عن الدين وأن حلها لن يكون في ذلك، كما يدعو إليه الغرب من فصل الدين عن الدولة، بل الحل في العودة إلى التمسك بكتاب الله واتباع السنة النبوية الشريفة!

القاهرة ـ نهال قاسم