حالة الحراك السياسي التي تعيشها الإمارات اليوم، هي جزء من حالة عربية عامة، لكن ما تتميز به تجربة الإمارات هو استجابة القيادة السياسية للمطالب الشعبية، على خلاف ما يجري في دول أخرى، حتى ولو جاءت الاستجابة تدريجية، لتشمل انتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني البالغ عددهم 40 عضواً.
وهناك اتفاق عام بين القيادة السياسية للدولة وبين أبنائها على أن هذه الخطوة مجرد بداية لخطوات أخرى قادمة تكفل فيما بعد انتخاب أعضاء المجلس الوطني جميعهم وتحقق خطوات أوسع وأشمل، ولعل هذا الاتفاق هو ما يمنح هذه الانتخابات حالة توافق مسبق ورضا عام.
وهذه الحالة الرضائية في عمومها تضفي على الانتخابات سمات عدة تميزها، ولعل في المقدمة سمة التجانس السياسي، فالإمارات كدولة حديثة لم تعان مما تعاني منه دول كثيرة تنعزل فيها السلطة عن عموم الشعب، بل إن هناك حالة تمازج بين الطرفين، وهو ما جنبها ظاهرة التقسيمات السياسية المعتادة عربيا وعالميا، وجنبها بالتالي عمليات الفرز السياسي بين التيارات المتنوعة. ومن ثم فان هذه الانتخابات تجرى وفق قواعد مختلفة عما نراه في كثير من دولنا العربية، فهي بالأساس جديدة وحديثة، ولهذه الجدة والحداثة رونقها وميزتها في أن يفرز التنافس الانتخابي أفضل العناصر وأكثرها كفاءة واستحقاقا.
وقد أفرز هذا التجانس وجودا قويا للعنصر النسائي، فالعملية الانتخابية رغم حداثتها لم تفرق بين الرجال والنساء، وإنما حرصت على شمول الفريقين بما يقوي وحدة المجتمع. وهذا يمنح المرأة الإماراتية ميزة على قريناتها الخليجيات على وجه الخصوص، إذ هي لم تعان ما عانته المرأة الكويتية للحصول على حق التصويت، ولم توضع في طريقها العراقيل التي توضع أمام المرأة السعودية مثلا، إلا أن التحدي الأساسي يبقى في مدى قدرتها على انتزاع بعض المقاعد، وهي قد خطت الخطوات الأولى بالترشح، حيث بلغ عدد المرشحات حتى الآن نحو اثنتي عشرة امرأة على مستوى الدولة، وينتظر أن يتزايد العدد خلال الفترة المقبلة، ومع فتح أبواب الترشيح.
وعلى الرغم من حداثة التجربة إلا أنها بالمقابل تفرز عدة تحديات أبرزها هو تمتع النتائج بحالة الرضا المتفق عليها إزاء البدايات، بمعنى انه من المهم أن تخلو العملية من الأمراض العربية المعتادة انتخابيا، كي يتشرب المجتمع بثقافة انتخابية صحيحة وسليمة وغير مغشوشة، فكثير من مجتمعاتنا العربية تعاني من النتائج المعلبة على طريقة 99%، وهذا جعل الناخبين يعافون الانتخابات. ولذا فمن المهم تجنب مثل هذه الثقافة المغشوشة والنتائج المعلبة، كي تتحول الانتخابات إلى عنصر قوة وليس عنصر تناحر يستجلب معه ما يستجلب من أمراض.
ولعل قوة الانتخابات تكمن في تلمس ثمارها، فمن المهم أن تؤدي النتائج إلى تقوية دولة الاتحاد، باعتبار أن المجلس الوطني أحد مؤسسات الدولة الاتحادية بما يكفل له أن يمارس دوره التشريعي كاملا، مع تمتع أعضائه بكامل حقوقهم الدستورية المتعارف عليها عالميا.
وإلى جانب ذلك فمن المهم أن تساهم هذه الانتخابات في تعزيز المجتمع المدني وتقوية حضوره بما يكفل له أن يؤدي دوراً قويا ـ إلى جانب المجلس الوطني ـ في التعبير عن التطلعات والطموحات بما يحصن الدولة ضد الأخطار الخارجية التي صارت تهدد منطقتنا العربية.
وإذا كانت القيادة السياسية قد أخذت على عاتقها بدء الخطوة الأولى باتخاذ الانتخابات وسيلة لتعديل تركيبة المجلس الوطني، فإن الهيئات الانتخابية مدعوة بدورها لترسيخ هذا المسار، ليس فقط عبر التنافس الشريف، وتحويل الانتخابات إلى مهرجان وطني عام، ولكن عبر طرح القضايا الجادة التي تهم أبناء الإمارات مثل قضايا البطالة والتركيبة السكانية وغلاء الأسعار ومشكلات الإسكان والإيجارات والازدحام المروري وغيرها، مع تقديم الحلول المقنعة لكافة أبناء الإمارات حتى ولو لم يكونوا اليوم من مكونات الهيئات الانتخابية، لأنهم غدا سيكونون هم غالبية هذه الهيئات، لأن طرح قضايا الناس يحفزهم على الاقتناع بجدوى العملية الانتخابية عندما تتاح لهم الفرصة مستقبلا.
إن كل العيون مفتوحة على هذه التجربة الوليدة وتتمنى لها النجاح، فالإمارات التي قدمت نموذجاً اجتماعياً مشهوداً للتعايش والتعاون بين مختلف الجنسيات، والإمارات التي قدمت نموذجاً اقتصاديا قوياً منفتحاً على العالم، باستطاعتها اليوم أكمال الضلع الثالث في مثل بنيتها الحديثة، وذلك على الصعيد السياسي الداخلي حتى ولو كانت البداية متدرجة عبر الانتخابات النصفية.