«الركون إلى الظالمين يحمل في طياته إشراكاً وكفراً إذا صاحبه اعتقد بقدرة القارون على الرزق»
قال الشيخ: كنا قد ذكرنا أننا قد عزمنا على الحديث عن سمات القارونيين كما وردت في القرآن العظيم، وقد رأينا أن الحق سبحانه وتعالى وصف قارون بالبغي والظلم «فبغى عليهم» وقد أوردنا صوراً من ظلم القارونيين رجالاً ونساءً ودولاً وشعوباً وهو ظلم تلفح نيرانه من يقترب منهم في الدنيا وفي الآخرة (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) هود 113.
ذلك أن الركون إلى الظالمين يحمل في طياته إشراكاً وكفراً إذا صاحبه اعتقد بقدرة القارون على الرزق، وهو في أحسن حالاته يتطلب موافقة وإقراراً على كل ما يراه القارون وعلى تحسينه وتقبيحه ذلك أن الخلاف مع القارون يفسد كل ود ويقطع كل صلة، ومن طمع بما في يد القارون عليه ألا يختلف معه وأن يوافقه في كل شيء حتى ما يغضب الله ورسوله.
والقارون كما ذكرنا آنفاً يمدّ له الحق ويفيض عليه من نعمه ليعذبه بزوالها في الدنيا أو ليذيقه في الآخرة جزاء من لم يحسن الأخذ ولم يحسن العطاء، فمن أول ما يسأل عنه الإنسان في قبره ماله من أين أتى به وأين أنفقه، ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى (ولا يحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار) ابراهيم42، وقد أكد الرسول عليه الصلاة والسلام هذا المعنى بقوله: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته».
ويبدو أن النفس الإنسانية مفطورة على الظلم مع كثرة المال ـ إلا من رحم ربي ـ ويبدو أن القارونية هي من أهم وأول أسباب غضب الله على العباد، أولاً لظلم القارونيين وثانياً لاستكانة من حولهم وركونهم إليهم، لذلك يؤكد الحق سبحانه وتعالى أنه إذا أراد أن يهلك قرية أمر مترفيها ففسقوا فيها فحق عليهم العذاب وهو يقول سبحانه وتعالى (وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) القصص59.
وقد أكد دارسو المجتمعات واقتصادها هذه العلاقة الثابتة بين الترف والظلم من جهة وانهيار الأمم وسقوطها من جهة أخرى، وعذاب الحق يعّم الظالمين ومن حولهم لأنهم ركنوا ولم يمانعوهم، وقد أكد ذلك حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه».
وإذا عدنا إلى صورة القصص رأينا أن قوم قارون لم يسايروه جميعاً ويقرونه على ظلمهّ فقد قالوا له (لا تفرح، إن الله لا يحب الفرحين، وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين).
ولذلك لم يؤاخذهم الله جميعاً بذنب قارون (فخسفنا به وبداره الأرض) أمّا من أقر الظالم في ظلمه وركن إليه طمعاً في مال أو جاه أو غيرهما من متاع الدنيا فهم يستحقون عذاباً من جنس عذاب القارون الظالم لإشراكهم واتخاذهم أرباباً من دون الله أو أنداداً له يحبونهم كحبه.
وهنا نقف عند فريضة هامة رافعة للعذاب دافعة للانتقام، وهي فريضة عدم الركون إلى القارون وإقراره في كل ما يراه ويفعله، وهذه الفريضة تمثل الفيصل بين أن يقع العذاب بالقارون وحده أو بالقارون ومن معه، والنطق بالحق في حضرة القارون عزيمة من العزائم التي لا يقدر عليها إلا من آمن بالله رباً رازقاً وهاباً ومنتقماً وجباراً، ولكنه السبيل الأوحد حتى لا يعم العذاب قوم قارون جميعاً.
إن الظلم أو البغي ـ كما وصفه القرآن العظيم بصدد قارون وقومه ـ أصله إحساس من يملك متاع الدنيا بقدرته على الخلق، وبقدرته على الحصول على النعم ورده النقم، وبقدرته ـ حتى ـ على أن يرى ويعتقد ويزن الأمور والأشخاص بميزانه هو لا بالميزان السماوي، وباختصار نجد أنه يتصور نفسه حكيماً ومشرعاً إذا قال كلمة أو حكم بحكم فما على من حوله إلا الموافقة والخضوع، وهذا يعني أن القارون يريد أن يكون إلهاً له كل ما للإله من قدرة وحكمة وقبض وبسط وإعطاء ومنع، ومثل هذا لا يستحق أقل من غضب الله ومحقه ورحم الله ابن المقري الذي قال:
يا ظالماً جار فيمن لا نصير له
إلا المهيمن لا تغتر بالمهل
غداً تموت ويقضي الله بينكما
بحكمة الحق لا بالزيغ والحيل
ماهر سقا أميني