منذ أيام ودّع المسلمون شهر رمضان وهو الشهر الذي يتنافس فيه المسلمون على فعل الخيرات والتقرب إلى الله. وهاهم اليوم يستعدون لاستقبال طاعة أخرى ألا وهي أداء فريضة الحج ويتعقبها إخراج زكاة المال حق معلوم للسائل والمحروم. فمن هنا أصبح المسلم في حال طاعة مستمرة طوال عامه، فهو دائما مع الله، إما طاعة يومية أو أسبوعية أو سنوية أو في العمر مرة واحدة.
وهذه العبادات تستوعب الكيان البشري كله، فالمسلم لا يعبد الله تعالى بلسانه فحسب، أو ببدنه فقط، أو بقلبه لا غير أو بعقله مجردا أو بحواسه وحدها، بل يعبده سبحانه بهذه الأشياء كلها، بلسانه ذاكرا داعيا تاليا، وببدنه مصليا صائما مجاهدا، وبماله متصدقا باذلا، وبقلبه خائفا راجيا محبا متوكلا، وبعقله متفكرا متأملا، وبحواسه كلها مستعملا إياها في طاعة الله عز وجل.
وإذا تعبد الله خلقه بشيء فإنما يتعبدهم بما يصلح أنفسهم، ويعود عليهم بالخير في حياتهم الروحية والمادية، الفردية والاجتماعية، والدنيوية والأخروية.
فإذا نظرنا إلى الصلاة مثلا فإنها ليست مجرد عدد من الركعات يؤديها المسلم وينتهي الأمر عند خروجه من المسجد، لا فالصلاة هي من أقوى العبادات التي تقوى صلة العبد بربه، وتعود المسلم على النظام وضبط الوقت، وتبعده عن ارتكاب المعاصي، وتطهره من سوء القول وسوء العمل.
قال تعالى: «وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر».
والصلاة بها يشعر المسلم بأنه جزء من المجتمع الذي يعيش فيه، فمن خلال صلاة الجماعة تتوحد الأمة وينتشر التراحم والتعاطف والمساواة بين أفراد المجتمع المسلم.
لأن ربهم واحد وقبلتهم واحدة ودستورهم هو القرآن وسنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الغرض الحقيقي من الصلاة يتحقق على خير وجه عندما تكون الصلاة جماعة، فروح كل صلاة روح اجتماعية، حتى الراهب يعتزل جماعة الناس لعله يوفق في محرابه إلى محبة الله والجماعة، والطائفة المتعبدة هم أناس اجتمعوا معا يحييهم أمل واحد فيجمعون أمرهم على هدف مقرر، ويفتحون أعماق أنفسهم لتلبية باعث واحد.
وإنها لحقيقة سيكولوجية أن الاجتماع ينمي قوى الإدراك عند الرجل العادي ويعمق شعوره، ويحرك إرادته إلى درجة لا يعرفها في عزلته ووحدته، وعلى هذا فإن صلاة الجماعة في الإسلام - إلى جانب مالها من قيمة فكرية - تشير إلى الأمل في تحقيق الوحدة الضرورية للبشر كحقيقة من حقائق الحياة، وذلك بالقضاء على جميع الفوارق التي تميز بين إنسان وأخر.
والزكاة تعد علاجا عمليا بعيد الغاية لضعف النفس وتحصينها من أدواء الشح والأثرة وعبادة المال.
والزكاة المفروضة ليست ضريبة تؤخذ من الجيوب بل هي أولا غرس لمشاعر الحنان والرأفة، وتوطيد لعلاقات التعاون والألفة بين شتى الطبقات، وفي ذلك يقول سبحانه: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها». فتنظيف النفس من أدران النفس، والتسامي بالمجتمع إلى مستوى أنبل هو الحكمة الأولى.
وكذلك شرع الإسلام الصوم: فلم ينظر إليه على انه حرمان مؤقت من شهواتها المحظورة ونزواتها المنكودة.
يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
ويقول أيضا: «الصيام جنة، فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يفسق، وإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم». من هنا فإن الصيام دعوة إلى ضبط النفس والتحلي بالأخلاق الكريمة، والصبر على تحمل الآخرين، وتزكية للنفس وتطهير للقلب، ومراقبة للرب عز وجل. إن صوم رمضان عبادة تلتقي في هدفها مع أهداف القرآن في تربية العقول والأرواح، وتنظيم الحياة، وهو يوحد بين المسلمين في أوقات الفراغ والعمل، وأوقات الطعام والشراب، ويفرغ عليهم جميعا صبغة الإنابة والرجوع إلى الله، ويرطب ألسنتهم بالتسبيح والتقديس ويعفيها عن الإيذاء والتجريح، ويسد عليهم منافذ الشر والتفكير فيه بمحبة الخير والبر لعباد الله، ويغرس في نفوسهم خلق الصبر الذي هو عدة الحياة، وهكذا يريد الله أن يكون الإنسان.
وقد يحسب البعض أن السفر إلى البقعة المقدسة للمستطيع لأداء فريضة الحج والقيام بأداء المناسك إنما هذه عبادات غيبية أمرنا الله بها. لا فالله سبحانه يقول: «الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب».
إن الحج لم يشرع لمجرد ذكر الله، ولا لمجرد طواف المسلم منفردا ببدنه حول بيت الله الحرام، ولا مجرد وجوده واكتحال عينه بالمشاهد المقدسة، وإنما شرع لذلك وأعم منه، شرع ليكون السبيل لجمع المتفرق، ولم المشتت، وتقابل الآراء بالآراء، ثم ليعود المجتمعون وقد حملوا مسؤولياتهم المشتركة، وأخذ كل منهم نصيبه منها، يعمل مع أهله ومواطنيه على تحقيقها والقيام بواجبها في حفظ إنسانيتهم، ورسم طرق سعادتهم وليتكون من جميعهم أمة واحدة، تلك هي المثالية الفاضلة التي أعلى الله شانها ورفع ذكرها.
وللحج دوره البارز في تحقيق التكافل الاجتماعي، وإطعام الجائعين، والعطف على البؤساء المحرومين من خلال ذبائح الهدى يقول سبحانه: «فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير».
إن العبادات في الإسلام لم تقتصر على الشعائر التعبدية المعروفة من صلاة وزكاة وصوم وحج، بل تشمل كل حركة وكل عمل ترتقي به الحياة ويسعد به الناس.
فالعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنية والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث أداء الأمانة، وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ومجاهدة الكفار والمنافقين والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والدعاء والذكر، وحب الله تعالى ورسوله، وخشيته لله تعالى والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر والحكمة والشكر لنعمه، والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك كله من العبادة.
فإن لم يستفد المرء منها بما يزكي قلبه وينقى لبه ويهذب بالله وبالناس صلته فقد هوى.
قال تعالى: «إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى» صدق الله العظيم.
د .محمد محمد محمد عيسى ـــ كلية الشريعة والقانون