ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي أمس مجزرتين بشعتين، أولاهما في بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة راح ضحيتها 20 شهيداً بينهم 7 أطفال و4 نساء، تناثرت أشلاؤهم بفعل قذائف المدفعية الإسرائيلية التي انهالت عليهم من كل صوب وهم نيام فجر أمس، والثانية في بلدة اليامون غرب جنين راح ضحيتها خمسة مقاومين أصيبوا بجراح في اشتباك، فسحبتهم القوات الإسرائيلية إلى منزل مجاور وأعدمتهم بدم بارد.

وأعلن رئيس السلطة الوطنية محمود عباس «أبومازن» بيت حانون بلدة «منكوبة وشهيدة»، داعياً إلى توحيد الرد من قبل الفصائل، لكن حركة «حماس» دعت إلى عودة التفجيرات داخل إسرائيل رداً على المجزرة، التي وجدت إدانة عربية ودولية واسعة.

ففي الساعات الأولى من فجر أمس، وحين كان سكان شارع حمد وسط بيت حانون، إما غارقين في النوم أو استيقظوا لتوهم، سقطت ست قذائف على الأقل على عدة منازل ما أسفر عن تدميرها واستشهاد 20 شخصاً بينهم 4 نساء و7 أطفال. وقال إبراهيم العثامنة أحد الناجين من المجزرة «كانوا كلهم نائمين وسقطت القذائف في غرف النوم». وأضاف باكياً «استشهد أشقائي السبعة».

أضاف، وهو يقف مذهولاً أسفل المنازل التي طالتها القذائف وقد غاصت قدماه في برك الدم والماء بينما تناثرت على الأرض قطع اللحم البشري «كنت ذاهباً إلى العمل وكنت ما زلت قريباً من المنزل عندما سقطت أول قذيفة». وتابع مرتجفاً «في البداية ظننت انه قصف مثل الذي شهدناه كل يوم خلال الفترة الأخيرة ولكني سمعت بعدها خمسة انفجارات أخرى». ويروي«عدت على الفور ورأيت أشياء لا يمكن وصفها، لقد كان هناك بحر من الدماء». ثم صرخ «انهم مجرمون.. انها مجزرة».

ولم يستطع الاحتلال التنصل من جريمته هذه، واعترف بها، معرباً على لسان عدد من المسؤولين السياسيين منهم رئيس الوزراء إيهود أولمرت، ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني، عن الأسف لما جرى، لكنه أصر على مواصلة عدوان «غيوم الخريف»، الذي ارتفعت حصيلة ضحاياه إلى 90 شهيداً و350 جريحاً. ليس هذا فقط بل ان الإذاعة الإسرائيلية نقلت أمس عن داني جيلرمان مندوب إسرائيل الدائم لدى الأمم المتحدة قوله «إن حوادث مأساوية مثلما حدث في بيت حانون قد تتكرر إذا واصل الفلسطينيون إطلاق القذائف الصاروخية تجاه إسرائيل».

كذلك كانت الضفة الغربية أيضاً مسرحاً للجرائم الإسرائيلية، حيث استشهد خمسة فلسطينيين بينهم 4 من «كتائب شهداء الأقصى» في بلدة اليامون غرب مدينة جنين أثناء توغل للاحتلال.

لكن مجزرة بيت حانون كانت الأكثر استحواذاً على رد الفعل الفلسطيني، إذ استنكرها «أبومازن»، وندد بالعربدة الإسرائيلية، وشدد على ضرورة استمرار الحوار الفلسطيني وإلى رد موحد وعدم إعطاء إسرائيل «المزيد من الذرائع».

وقال في مؤتمر صحافي عقده في مقر الرئاسة في مدينة غزة، إن «هذه المجازر لن تفل من عزائمنا وردنا يجب أن يكون رداً موحداً ضد هذه الأعمال».

من جهته، أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية أمس، عن تعليق المحادثات حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بعد المجزرة»، مؤكداً ان «الحكومة ستحرص على تعزيز تنسيق الجهود مع أبومازن (محمود عباس) لتفعيل الجهود الإقليمية والدولية لوقف المجازر الإسرائيلية ونزيف الدم الفلسطيني».

وكان لرئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل، رأي آخر، إذ قال في مؤتمر صحافي في دمشق ان «إدانتنا(للمجزرة) لن تكون بالقول فقط بل ستكون بالفعل. المقاومة تفعل ولا تتكلم»، في إشارة إلى عودة التفجيرات. وحمل مشعل إسرائيل والإدارة الأميركية «المسؤولية عن هذه المجزرة البشعة التي قطعت أوصال الأطفال وقطعت قلوبنا وقلوب الأحرار في العالم». وأكد ان «المقاومة هي الرد الحقيقي والأكثر تأثيراً»، داعياً «كل فصائل المقاومة إلى ان تفعل برامجها في المقاومة رغم معرفتنا بصعوبة الواقع الميداني».

أما نزار ريان القيادي البارز في «حماس» فكان أكثر صراحة، إذ دعا المقاومين إلى شن هجمات داخل إسرائيل رداً على المجزرة، وهي دعوة أطلقها أيضاً قياديون عسكريون في حركتي «فتح» و«الجهاد الإسلامي». ويعد هذا أكبر عدد من القتلى في هجوم إسرائيلي واحد على الفلسطينيين في أربعة أعوام.

عربياً، أعلن الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى أمس، عن انه أجرى اتصالات هاتفية مع وزراء الخارجية العرب لبحث إمكانية عقد اجتماع طارئ لمجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية بعد «المجازر غير المبررة» في قطاع غزة.

وقوبلت مجزرة بيت حانون أيضاً بإدانة واسعة في العالم العربي ودول الاتحاد الأوروبي، وكان اللافت فيها استخدام مفردات لم تندرج من قبل في لغة خطاب إدانتهم المعتاد.

فمصر على سبيل المثال اعتبرت الجريمة عملاً غير أخلاقي. وقال بيان لوزارة الخارجية ان «الوزير أحمد أبو الغيط عبر عن بالغ الصدمة والأسى للمجزرة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية، وأدان هذا العمل غير الأخلاقي وغير الإنساني».

الحال نفسه في الأردن، الذي أدان«المجزرة البشعة» التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في بيت حانون.

وعلى الصعيد الدولي، وصفت ايطاليا ما حدث بأنه «مذبحة»، فيما أدانت فرنسا القصف «العشوائي» الذي ينتهك القانون الدولي. أما مفوضة العلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروبي بنيتا فيريرو فالدنر فقالت في بيان «ان مقتل هذا العدد الكبير من المدنيين في غزة وبينهم الكثير من الأطفال هو صدمة مروعة.. لإسرائيل حق الدفاع عن نفسها ولكن ليس على حساب أرواح الأبرياء».

وقال جوردون جوندرو الناطق باسم مجلس الأمن القومي الأميركي «نحن نأسف بشدة للإصابات وخسارة الأرواح في غزة. وقد رأينا اعتذار الحكومة الإسرائيلية ونأمل في ان يكتمل تحقيقها على وجه السرعة». وأضاف «ندعو كل الأطراف لإبداء ضبط النفس لتجنب أي ضرر للمدنيين الأبرياء».