مناظر تقشعر لها الأبدان وتشيب لها الولدان والتوبة على كل لسان، نعم هذا هو حال مصابي الحوادث المرورية في مركز الحوادث والطوارئ في مستشفى راشد ولكن هل يجدي الندم نفعا وما فائدة التوبة لشخص تحول أو حول حياة شخص آخر إلى روح بلا جسد بعد أن كتب عليه الجلوس على الكرسي المتحرك مدى الحياة؟

مآسي حوادث السيارات و«نزيف الدم» على الطرقات الذي يحصد يوميا المتهورين وضحاياهم من الأبرياء يبدو أنه لن يهدأ. والعاملون في قسم الإنعاش المخصص لحوادث السيارات يقفون دائما على أهبة الاستعداد وبين لحظة وأخرى تراهم يهرعون إلى المدخل الرئيسي لاستقبال مصابين جدد وكأنهم في «جبهة حرب» كما يقول أحد الأطباء.

على المدخل الرئيسي لقسم الحوادث وقفت كاميرا «البيان» تراقب الوضع عن كثب.. نتابع أصوات سيارات الإسعاف التي لا تهدأ وحوادث السيارات التي لا تتوقف ففي كل ربع ساعة تقريبا تصل سيارة إسعاف، الطواقم الطبية والتمريضية تهرول مسرعة باتجاه السيارة فعملية الإنقاذ لديهم تحسب بالدقائق لا بالساعات.

بعدها انتقلنا إلى قسم في الطابق الأول وبمجرد دخول القسم تدرك على الفور بان المرضى هم ضحايا حوادث السيارات.. منهم من يجلس على كرسي متحرك ومنهم من تم وضعه على أجهزة التنفس الصناعي وأجهزة تخطيط القلب وغيرها. ومنهم من يغط في نوم عميق لتكتشف بعدها انه في غيبوبة منذ عدة أيام.

% ضحية للتهور

بدر احمد محمد الملا أصيب بحادث أثناء عودته من العمل اليومي في التاسع والعشرين من شهر أكتوبر الماضي، كان يقود سيارته بأقل من السرعة المسموح بها على شارع الهباب ولم يدر ما حصل له إلا بعد أن أفاق من غيبوبته ووجد نفسه في غرفة الإنعاش بعد أن صدمه مواطن عمره حسب ما سمع بعدها 25 عاماً كان يتسابق بسيارته مع مواطن آخر بسرعة جنونية وسط السيارات حيث توفي المتسبب على الفور من شدة الحادث.

بدر الطرف المتأذى من الحادث وجد نفسه طريحا على سرير لم يكن أبدا يتمنى أن يراه، مصابا بعدة كسور منها شرخ في العمود الفقري وكسور مضاعفة في القفص الصدري «الضلوع»، وكسر آخر في الكتف ولا يدري ماذا ينتظره من مضاعفات بعد هذه الإصابات ولا يدري متى يمكنه العودة إلى بيته وأسرته.

«ابتعدوا عن التهور والطيش وارحموا آباءكم وأمهاتكم، ولا تحولوا السيارات من وسيلة للنقل إلى وسيلة للقتل.. فأهلكم ووطنكم بحاجة لكم» رسالة وجهها بدر إلى الشباب متمنيا أن تصل.

تبخرت الأحلام

محمد شاب من إحدى الدول الآسيوية ترك زوجته وجاء ليعمل في دبي منذ سنوات متحملا متاعب الغربة ومصاعبها أملا بتوفير حياة أفضل لزوجته وأطفاله ليجد نفسه بين عشية وضحاها يجلس على كرسي متحرك بعد تعرضه لإصابات بليغة في حادث أدى إلى إصابته بالشلل الكامل.

يقول صديقه الذي يجلس إلى جواره إنه كان في سيارة ميكروباص عائدا من العمل في الحادي والعشرين من أكتوبر الماضي عندما تعرضوا لحادث بليغ وليس هناك بصيص أمل في الشفاء لأنه أصيب بالشلل.

الزيادة 10% سنويا

قاضي سعيد المروشد مدير عام دائرة الصحة والخدمات الطبية في دبي أكد على أهمية قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي والذي جاء في الوقت المناسب للحد من مسلسل الموت اليومي التي باتت تشهده شوارعنا.

مشيراً إلى النتائج الايجابية التي ستنتج عن هذا القرار والمتمثلة في التخفيف من حجم الخسائر اليومية في الأرواح والممتلكات إضافة إلى رفع المعاناة والضغط اليومي عن الكوادر الطبية والتمريضية العاملة في أقسام الحوادث في المستشفيات التابعة للدائرة وبالأخص مستشفى راشد الذي يستقبل يوميا العديد من حالات الإصابات الناتجة عن الحوادث المرورية ناهيك عن حجم الخسائر المالية التي يتكبدها الأفراد والمؤسسات الطبية.

وقال المروشد إن نسبة الإصابات بالحوادث المرورية في تزايد مستمر تتراوح ما بين 10 إلى 15% سنوياً، مشيراً إلى أن ما نسبته 60 % من الحالات التي يتم إدخالها لقسم الحوادث والطوارئ هي إصابات حوادث مرورية وغالبا ما تكون بليغة وتتسبب بخسائر بشرية واقتصادية ونفسية واجتماعية كبيرة للمجتمع.

ويقول: لا شك ان التوسع العمراني والنمو السكاني وزيادة أعداد السيارات أدت إلى ارتفاع نسبة الحوادث المرورية في السنوات الأخيرة لذلك كان من اللازم علينا مواكبة ذلك فقمنا وبتوجيهات من سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة رئيس دائرة الصحة والخدمات الطبية بإنشاء مركز جديد للحوادث والطوارئ بطاقة استيعابية تصل إلى 160 سريراً لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى والمصابين.

ويرى المروشد أن توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بتشديد الرقابة على المتهورين هي توجيهات حكيمة وصائبة وجاءت في وقتها وستضع حدا للمستهترين بقوانين وقواعد المرور.

وما من شك بان القرارات الجديدة التي اتخذتها القيادة العامة للمرور في إمارة دبي ومنها ترحيل السائقين الذين يتجاوزون الإشارة الحمراء وسحب الرخص ومضاعفة الغرامات كلها ستلعب دورا كبيرا في الحد من حوادث السيارات.

التوعية

ويرى مدير عام دائرة الصحة والخدمات الطبية ان الحد من الحوادث المرورية يتطلب تضافر كافة الجهات المعنية للقيام بحملات مكثفة لنشر التوعية والثقافة المرورية وبدعم كامل من وسائل الإعلام الناطقة باللغة العربية والإنجليزية وأيضا محطات التلفزة والفضائيات لإيصال الرسالة إلى كافة الجنسيات المقيمة على ارض الدولة.

العامل البشري السبب

ويقول الدكتور عبد الحليم فضل جراح عظام في مستشفى راشد ان نوعية الإصابات التي ترد إلى قسم الحوادث والطوارئ في مستشفى راشد شهدت تغيرا ملحوظا في حدتها خلال السنوات القليلة الماضية منها أن السيارات الحديثة تأتي بسرعات عالية جدا وبوزن اقل وهيكل مختلف تماما عن السيارات القديمة.

والسبب الثاني شبكة الطرق الحديثة وشبكة الطرق الخارجية إضافة إلى العامل البشري وهو السبب الأساسي للمشكلة ومعظم الحوادث يكون سببها التهور والطيش. ويقول الدكتور فضل:90% من إصابات الحوادث البليغة تحدث عندما تكون الشوارع شبه خالية ومعظمها لشباب اقل من 30 عاماً.

11 % من وفيات الحوادث أطفال

ويقول إن قسم الحوادث في مستشفى راشد استقبل خلال العام الماضي 47354 إصابة تراوحت بين الخفيفة والمتوسطة والبليغة مقارنة بـ 282 46إصابة في العام 2004 أي بزيادة قدرها حوالي 10%، وبلغ عدد الإصابات البليغة التي تم إدخالها للمركز العام الماضي 4000اصابة نجم عنها 400 وفاة، 11% منها أطفال.

وأشار إلى أن عدد العمليات الكبيرة التي تم إجراؤها في قسم الحوادث والطوارئ وصل العام الماضي إلى 4000 عملية منها 443 للمواطنين والباقي للوافدين، في حين بلغ عدد العمليات البسيطة 3000 عملية.

وأوضح أن 15% من إجمالي إصابات الحوادث المرورية التي يتم إدخالها لمركز الحوادث يتم تحويلها من المستشفيات الأخرى لقلة الإمكانيات التشخيصية والعلاجية.

وأشار إلى أن 60% من الإمكانيات المالية والبشرية في مستشفى راشد تذهب إلى قسم الحوادث وهذه المبالغ يمكن استثمارها في حال انخفاض الحوادث المرورية في تطوير أقسام أخرى.

مواقف صعبة

وحول الحوادث المرعبة التي شاهدها الدكتور عبد الحليم فضل بحكم طبيعة عمله يقول : شاهدت الكثير من المواقف المرعبة بعضها ما زال محفورا في ذاكرته ومنها حادث لأسرة مواطنة تتكون من 11 شخصا الأب وألام وتسعة أطفال أكبرهم 13 عاما وأصغرهم ثلاثة أشهر عندما تعرضوا لحادث توفي فيه الأب وألام على الفور ونجا الأطفال بأعجوبة.

والموقف الثاني الذي ما زلت اذكره أيضا بحسرة وحرقة حادث شهدته أحد شوارع الإمارة والذي توفيت فيه تسع مواطنات من عائلة واحدة أثناء عودتهن من حفلة زواج، ومن شدة الحادث تطايرت أشلاؤهن على بعد أمتار من الحادث وهناك مواطنة لم يتم العثور على رأسها إلا بعد يومين من الحادث.

تحقيق: عماد عبد الحميد