قالت صحيفة «الرياض» السعودية انه في الثاني من نوفمبر في مثل هذا اليوم قبل عامين ودع العالمان العربي والإسلامي بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره ونزف قلب الإمارات على فقيدها الكبير الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «رحمه الله» بعد أن أمضى عقودا من الزمن في خدمة وطنه وشعبه وأمته بعدما صقلته الحياة فأورثته الحكمة وبعد النظر وعلمته أن الحياة عطاء موصول وقد أعطى فأجزل العطاء لشعبه بسخاء ودون مواربة حيث كان بناء المواطن شغله الشاغل منذ بداية حكمه.
وأكد الكاتب علي القحيص في مقال نشرته الصحيفة بعددها الصادر أمس أن ما خلفه الشيخ زايد من إنجازات عظيمة شاهد على ذلك وتخلد ذكراه العطرة التي تمر هذه الأيام مشيرة إلى مقولته الشهيرة « إن نهضة الأمم لا تقاس ببنايات الأسمنت وإنما تقاس ببناء الإنسان».
وأضاف « ما عرفناه من مسيرة الراحل في تاريخنا الحديث أن الرجل كان دائما يقف مع قضايا الإنسان ويعبر عن ذلك بالقول والعمل واتجه في كل ذلك إلى الإنسان أولا انطلاقا من إيمانه بأنه الأساس الذي يقوم عليه البنيان وهو صاحب مقولة «ليس النفط العربي بأغلى من الدم العربي» ®. واصفا ما تنعم به دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم من نهضة عمرانية حديثة ورخاء وأمن وازدهار اقتصادي وبنيان ونماء بأنه ثمرة إنجازات وتدابير وحكمة مؤسس الاتحاد الإماراتي الذي عزم وتوكل لوضع اللبنة الأولى لصرح هذا الكيان الحالي المتماسك الموحد الذي أصبح نموذجا يحتذى به بين البلدان الحديثة.
وأكد الكاتب أن أبناء الإمارات يتذكرون اليوم مآثر«زايد الخير» وما قدمه من إنجازات عظيمة ومشاريع عملاقة خلفها لشعبه من بعده وبناء مؤسسات دولة موحدة راسخة على أساس تطبيق الأنظمة والقوانين والتشريع لخدمة الشعب الإماراتي العربي المسلم الذي ينعم بالوحدة الوطنية وبالخير الوفير والرعاية الكافية في أرقى وسائل الراحة والطمأنينة .. موضحا أن تعامله مع أفراد شعبه مثال لا يقبل دلالة على نهج مختلف قائم على الاستيعاب والتعايش والشراكة والتسامح والأبوة الحانية.
وقال « لقد أسس زايد بلدا فتيا نموذجيا موحدا وقاد البلاد إلى بر الأمان بعد أن وحدها لتكون في مصاف الدول الغنية المتقدمة بعد أن لملم الأطراف بالمجادلة الحسنة والفكر النير والحكمة والموعظة وحول الصحراء القاحلة إلى مركز جذب واستقطاب اقتصادي وتجاري دولي ورفع راية بلاده عاليا ورسخ اسمها في العالم لتكون مثالا حيا للأوطان المتطورة».
وأوضح أن الشيخ زايد استفاد من حياة الصحراء التي أكسبته الحكمة والصبر والشجاعة والموعظة وحسن المعشر وطيب النفس ..فكانت هذه الصفات رصيدا في شخصيته التي وظفها في بلاده ليقودها إلى ذرى المجد والتألق والسؤدد.. ولم يهن في عزيمته السير نحو الأمام لنيل المطالب بالصبر والجلد والمثابرة وتقريب البعيد وجمع المتشتت وردم الهوة بين المتخاصمين والفرقاء .. وقد أعطى الكثير ليصبح نموذجا للعطاء والتضحية في عصر ندر مثله لما حباه الله من عبقرية الفطرة.
وأكد القحيص أن الناس أجمعوا على محبته واحترامه وتقديره في العالم العربي والإسلامي من أقصاه إلى أقصاه وما كسبته الإمارات اليوم من ثقل سياسي واقتصادي وجغرافي تحقق في عهده وبرعايته ومباركته حتى استطاع أن يؤسس كيانها وتدعيم مقومات الدولة الحديثة وقاد سفينة الإمارات إلى بر الأمان رغم تلاطم الأمواج وتجاوز المحن وخاض تجربته بمفرده ليقود سفينته وسط ظروف داخلية وخارجية غاية في التعقيد وظروف إقليمية خطيرة وظروف دولية متشابكة وفي ظل كل هذه المشاكل برزت دولة الإمارات في مطلع السبعينات وليدا صغيرا ليكبر في رعاية زايد ليصبح نموذجا من التطور والنهوض والتجديد.
وشدد الكاتب على أن زايد أسس دولة خليجية عربية مسلمة قوية منظمة من العدم وبنى الاتحاد لبنة لبنة بروٍية وتأنٍ وهدوء وسكينة وأنصفه شعبه على هذه الإنجازات العظيمة فسار معه على الدرب وكان الحكيم في عصر غابت فيه الحكمة والصوت العربي الذي لا يخشى في الحق لومة لائم وصوت المصداقية الواقعية الذي يتميز به في فكره النهضوي وأصبح نجما ساطعا لا يخبو بريقه لأن الأشجار تنمو وتعيش وتموت واقفة.
ووصف الراحل الكبير بأنه كان رمزا وطنيا في قلوب شعبه وبقية الشعوب الخليجية والعربية الأخرى بعد أن صنع معجزات لا أحد يتصور تحققها في زمن صعب لفترة قصيرة وعرف كيف يستخدم إرثه الماضي المتأصل في الخصائل العربية ويوظف الأموال داخل بلده ليتدفق خيرا وعطاء لما كان يتمتع به من صبر وحكمة وموعظة وعقلنة في أحلك الظروف وأصعبها وهو الذي قال « لاخير في المال إذا لم يسخر لخدمة الشعوب».
حيث امتدت يده «رحمه الله» إلى الأقطار العربية والبلدان الإسلامية الأخرى من دون استثناء فبنى المستشفيات والمدارس والقرى والمساجد في مصر والسودان ولبنان وفلسطين وباكستان وبنغلاديش والبوسنة وبلدان أخرى شملت أكثر من مائة دولة مسلمة من دول العالم التي تحتاج المساعدة والعون لأنه دائما ما كان يقف مع المظلوم ضد الظالم .
وأكد القحيص أن الشيخ زايد ظل يدافع عن الحقوق العربية ولم تثنه الانكسارات العربية والهزائم والمؤامرات والدسائس وكان ينادي بالتضامن العربي وتقرير المصير للشعوب المستلب حقها ويؤكد على الوحدة الخليجية بعد أن ساهم في مجلس التعاون الخليجي وشارك في إنشاء أنجح تجربة في الوحدة عرفها العرب في العصر الحديث.
وقال الكاتب « برحيل الشيخ زايد خسرت الأمة العربية ومنطقة الخليج أحد زعمائها البارزين الحكماء لما كان يتمتع به من حضور قوي ومؤثر وتقدير واحترام لدى الشعوب العربية والإسلامية وما يتحلى به من التأني والصبر والحكمة ووقوفه دائما مع الحق .. وكان «رحمه الله» وطنيا من طراز خاص وعروبيا في قناعاته وسلوكياته وانتمائه يملك رؤية وحدوية ونهضوية وعمل بأسلوبه الواقعي ليترك وراءه دولة ورجالا بعد أن بنى الوحدة والدستور والوطن».
وأضاف « بعد مرور عامين على رحيله يتذكر اليوم الإماراتيون مؤسس وباني نهضة بلادهم والسيرة النقية لزايد الخير وما قدمه لهم من إنجازات عظيمة وتضحيات جسام ويبقى بنيانه المشيد شاهدا حيا على ذكراه العطرة الراسخة بالوجدان والضمير والأذهان ومشاريعه النهضوية أنبل تكريم لمسيرته الظافرة الحافلة بالإنجازات».
وأكد الكاتب أنه في الذكرى الثانية لرحيله في مثل هذا اليوم من العام الماضي نذكره بالخير والعرفان ونترحم عليه جميعا بأن يتغمده الله سبحانه بواسع رحمته وأن يسكنه مع الصالحين إن شاء الله لأنه أعطى فأجزل العطاء وبنى فأحسن البنيان وربى فأحسن التربية وشيد فأبدع في البناء الاجتماعي والمعنوي والاقتصادي.. وقال « كان يرحمه الله حريصا على تمتين أواصر الأخوة والعلاقات الحميمة بين دول المجلس وكذلك الأقطار العربية وما عرف عنه من دعم للقضايا العربية والإسلامية وتجنيب بلاده ويلات الحرب ومضار الفتن والتمزق والخلافات الطائفية والمذهبية بين الدول» .
وأشاد القحيص بحرص المغفور له على أواصر علاقة الأخوة والصداقة والمحبة مع المملكة العربية السعودية والتشاور مع قادتها لما فيه مصلحة البلدين الشقيقين ومنطقة الخليج.. مؤكدا انه رحمه أرسى هذا النهج في مسيرة قادة دولة الإمارات من أبنائه البررة واخوانه أعضاء المجلس الأعلى في اتحاد الإمارات العربية المتحدة.
وقال الكاتب في ختام مقاله « لقد رحل الشيخ زايد لكنه بقي في القلوب التي تنبض والضمائر الحية والنفوس الطيبة والأخلاق الحميدة والخصائل الأصيلة.. وستبقى ذكراه العطرة ومسيرته النقية الفريدة نبراسا مضيئا ومفصلا تاريخيا في كتاب الأمم».
وام
