ألمحت الإدارة الأميركية أمس إلى استعدادها لإحداث تغيير كبير في سياستها حيال الحكومة السودانية واتباع أسلوب عرض الحوافز بدل العقوبات لإقناع السودان بقبول نشر قوات دولية في إقليم دارفور المضطرب، واقترن ذلك باتجاه للاستعانة بجهد عربي في هذا الخصوص. وفيما يبدو تناقضاً مع التوجه السابق جدد الرئيس الأميركي جورج بوش العقوبات المفروضة على السودان فترة سنة إضافية ، وأبقى المجال مفتوحاً لإمكانية اتخاذ تدابير جديدة ضد بعض المسؤولين السودانيين.
وأوردت وكالة «رويترز» على لسان مسؤول أميركي رفيع، ان واشنطن تحاول وضع خطة دولية من أجل دارفور تستخدم الحوافز لا العقوبات لإقناع السودان بقبول قوات دولية. وقال المسؤول أيضاً إن السودان يحاول تأخير الجهود بشأن دارفور بسؤاله دولاً كثيرة عرض مقترحات في هذا الشأن.
وتريد واشنطن خطة واحدة تتفق عليها الولايات المتحدة والدول الرئيسية العربية والأوروبية ودول أخرى. وقال المسؤول الرفيع الذي طلب ألا ينشر اسمه متعللاً بأن الجهود الدبلوماسية تمر بمرحلة حساسة «أنهم يؤلبون الجميع بعضهم على بعض لإثارة فوضى. وذلك هو سلوكهم المعتاد منذ 17 عاماً». وأضاف «إننا نريد اقتراحاً واحداً لا عشرة اقتراحات».
وتابع «إننا نضع خطة وهي ليست عقوبات ليست عصياً. إنما تتناول قوات الأمم المتحدة وكيفية تجميعها وعناصر أخرى لتسوية سلمية». ورفض الكشف عن تفاصيل محددة لأن هذه التفاصيل على حد قوله ما زالت قيد البحث. وقال خبراء شؤون السودان انه توجد اختلافات داخل حكومة بوش بشأن كيفية المضي قدماً وهل ينبغي ان تتضمن الخطة إجراءات عقابية إلى جانب الحوافز.
وقال دبلوماسي غربي ان المباحثات الدولية تمر بمرحلة دقيقة، لكن الرأي المشترك بين المشاركين في هذه المناقشات هو انه يجب اتخاذ منهج جديد في مشكلة دارفور. وقال الدبلوماسي الذي طلب ألا ينشر اسمه «الأمر ليس مجرد التلويح بالعصا». وأضاف ان مشاركة العرب في هذا الجهد ضرورية.
ورفض الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية شين ماكورماك، الكشف عن تفاصيل محددة لخطة دارفور الجديدة، لكنه قال ان الولايات المتحدة تسعى جاهدة لحث خطى المساعي الدبلوماسية مع الجامعة والعواصم العربية عموماً بشأن دارفور. وقال «إنهم (الدول العربية) لديهم قطعاً قنوات اتصال في السودان وبذلك النظام أيضاً».
وكان الرئيس الأميركي أعلن عن مراجعة سياسته قبل يومين، بعدما فشل في عدة محاولات سابقة للحصول على موافقة الحكومة السودانية على التقيد بقرار تبنته الأمم المتحدة بدعم أميركي يطالب بنشر قوات حفظ سلام دولية في دارفور. ويخضع بوش لضغوط قوية قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، حيث تلقي التطورات المأساوية للوضع العراقي بظلالها على مرشحي حزبه الجمهوري.
وأشار بوش إلى انه سيسعى للتوصل إلى خطة جديدة لدارفور تكون مقبولة من الحكومة السودانية وذلك بعد اجتماع الثلاثاء مع مبعوثه إلى السودان اندرو ناتسيوس. وأضاف بوش «سيعمل اندرو مع شركاء آخرين وسيأخذون الخطة التي سيتوصلون إليها إلى الحكومة الحالية في السودان» من دون إعطاء مزيد من التفاصيل.
وبإعلانه التغيير المرتقب في السياسة الأميركية الثلاثاء، أثار بوش الكثير من المخاوف إذ لم يتضمن خطابه أي إشارة إلى مهمة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بل تحدث فقط عن نشر «قوة دولية فعالة» في دارفور. واعتبرت ملاحظاته تمهيداً لحل وسط يتضمن نشر قوة سلام إفريقية معززة أو نشر قوة سلام عربية أو إسلامية،
وهو ما تنظر إليه الخرطوم بايجابية. وصب تصريح لمسؤول في وزارة الخارجية الأميركية في الاتجاه عينه إذ أشار أول من أمس إلى وجود «العديد من الطرق المختلفة» لإنشاء قوة دولية تكون «قوية كفاية» لمواجهة الأوضاع في دارفور. بيد انه رفض إعطاء المزيد من التوضيحات.
وأتى الكشف عن هذه الخطة، غداة قيام الرئيس الأميركي بتمديد العقوبات المفروضة على السودان فترة سنة إضافية وإبقائه المجال مفتوحاً لإمكانية اتخاذ تدابير جديدة ضد بعض الأفراد بسبب الأزمة في دارفور. وجاء في رسالة من بوش إلى الكونغرس مرفقة بإخطار رسمي حول تمديد العقوبات أول من أمس ان بوش قرر انه «من الضروري ... إبقاء العقوبات على السودان».
وجاء في الرسالة التي نشر نصها البيت الأبيض ان تصرفات الحكومة السودانية وسياساتها «ما زالت معادية للمصالح الأميركية وتمثل تهديداً استثنائياً للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة». وتفرض الولايات المتحدة مجموعة من العقوبات على السودان، كمنع المبادلات التجارية والنفطية والبتروكيميائية وبيع معدات حساسة.
وفرضت الولايات المتحدة أيضاً عقوبات على أفراد كتجميد أرصدتهم ومنعهم من السفر، كما قال الناطق باسم مجلس الأمن القومي غوردون جوندرو. وأضاف ان واشنطن «مستعدة لأن تفرض عقوبات على أفراد آخرين يستمرون في ارتكاب أعمال عنف وعرقلة عملية السلام في دارفور».