تتواعد الأمم مع زعمائها كما يتواعد زعماؤها مع القدر وبقدر قدرتها على الاحتفاظ في أعماقها بنبضها وأصالتها فإنها تستطيع أن تبني وتشكل شخصية الزعيم الذي يأتيها دائما في موعده مهما طال الزمن .. وجاء القائد ورجل الأمة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه وفي جزيرة أبوظبي ولد وسط الآباء والأجداد الذين بنوا عريشهم على شاطئها قبل النفط ففتح عينيه على قومه وقد نالت منهم سنوات الحرمان والبؤس.

وبدأت شخصية الشيخ زايد كزعيم تتكون وسط هذا المجتمع الذي حرم من كل شيء إلا الكرامة والنخوة والإباء فقد كان من شأن هذه الظروف التي عاشها أبناء المنطقة قرونا عديدة أن تولد لديهم ضميرا وطنيا لا مجال للشك فيه وظلت هامات الآباء والأجداد مرفوعة عاليا رغم شظف العيش الذي كاد أن يكون رفيقا دائما لهم. وفي السنوات المبكرة من حياة زايد عندما عرف طريقه للعين أدرك أن تمسك الآباء والأجداد بكرامتهم هو النبع الذي ارتوى منه الأبناء ليشبوا وكلهم حرص على هذه الكرامة وكان هذا الحرص السياج الذي حمى التقاليد العربية والأصالة المتوارثة رغم كل الظروف حتى جاء الجيل الذي برز من بين فتيانه زايد.

أما رفاق زايد طيب الله ثراه فهم أثره الحي بيننا نشتم فيهم رائحة الأب والقائد ويزيدون المكان بعبق الأصالة والشهامة والرجولة .. أحمد بن محمد المحمود أبرز أصدقاء الشيخ زايد وربما أكثرهم قربا له بحكم عمله سكرتيرا خاصا له قال: رافقت الشيخ زايد رحمه الله منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي بعد أن حضر لنا سموه عام 1952 في حماسة بالبريمي يومها كنا نسكن عند الشوامس .. جاءنا المرحوم في سيارته ووقف أمام باب بيتنا ..

وقال: نريدكم تسكنون عندنا في العين .. بعدها انتقلنا للإقامة في العين عام 1952 وقتها كان عمري حوالي 25 عاما ولم يبخل علينا الشيخ زايد وجاد علينا من فيض كرمه فخصص لنا منزلا كبيرا خلف متحف العين الحالي ولم يكن في المنطقة إلا سيارة الشيخ زايد بعدها اشترى لي سيارة وفي هذا الوقت كان عبد الجليل الفهيم وبن حم كلاهما لديه سيارة . وأضاف واصفا الشيخ زايد: كان طيب القلب، كريم اليد، معطاء، رغم أنه لم يكن يملك شيئا في حقيقة الأمر، لأن الظروف كانت صعبة والأموال قليلة، لكنه لم يكن يرد من يأتيه في طلب، ومن يقصده في حاجة.

السكرتير الخاص

ويتذكر تلك الأيام قائلا: بعد أن أقمنا في العين بفترة توفي والدي ثم طلب مني الشيخ زايد أن أكون سكرتيره .. فقلت له: أنا تحت الأمر والطاعة. واستمر عملي عنده حتى عام 1971 خلال هذه الفترة كان الشيخ زايد رئيسا ورفيقا وأخا وجسدت علاقتنا أروع معاني الوفاء والإخلاص والود والاحترام ولم أشعر يوماً من الأيام أن علاقتي معه كانت علاقة عمل بين رئيس ومرؤوس ولا أذكر طوال هذه المدة أن قال لي كلمة سوء رحمه الله لأن هذا الرجل لا يتلفظ إلا بالألفاظ الطيبة والحسنة. ويقول : ظلت هذه العلاقة الطيبة بيننا إلى آخر يوم عمل وظل رحمه الله يحرص على السؤال عني.

ويتذكر المحمود: عندما قام الاتحاد شجع المغفور له أبناء الإمارات العاملين في الخارج على العودة للمساهمة في بناء الوطن والاستقرار في وطنهم وأمرني أن أكتب لهم رسائل تحثهم على العودة للوطن وبالفعل عاد عدد كبير منهم وزاد عدد الموظفين لدى سموه .. ذهبت له وقلت: طويل العمر ما شاء الله أبناء الإمارات كثر وفيهم الخير

أما أنا أريد الاستئذان من سموكم لأنني أشعر أنني أديت عملي على أكمل وجه وأريد أن أرجع إلى العين وأستقر وسط أسرتي وأولادي .. فوافق لي سموه وكرمني قبل مغادرتي إذ قال لي: كما كنت سكرتيري في المدة الماضية إن شاء الله ستكون في الفترة القادمة مستشاري لشؤون القبائل. وأردف قائلا: أمر سموه بما وعد وما زال حتى يومنا هذا مكتوب في الأوراق الرسمية أنني مستشار رئيس الدولة لشؤون القبائل.

العين.. افتقار لمقومات الحياة

وأكد أن العين كانت قبل مجيء زايد تفتقر لمقومات الحياة الضرورية فلا تعليم ولا صحة ولا مال ولا أمن ومكان يكثر به السلب والنهب .. ويتذكر هذا الوضع قائلا: قبل قدوم زايد للعين كان الوالي إبراهيم بن عثمان رحمه الله قد عين من طرفه شخصين من بني ياس للإنابة عنه في المنطقة ومتابعة أحوال الأهالي والسهر على راحتهم إلا أنهما لم يقوما بواجبهما على أكمل وجه كما كان يأمل منهما فسيطر اللصوص على المنطقة وانتشر السلب والنهب

وكنا دائما نسمع عن غارات وحروب طاحنة تدور رحاها بين القبائل فقرر الوالي تسريحهما ورفض الاعتماد عليهما وتولى هو بنفسه مسؤولية الأمن والحراسة فكان دائم الحراسة ولا ينام في بيته وإنما يبقى فوق ظهور الإبل حتى استتب الأمن في المنطقة وبعد أن توفي عاد الوضع كما كان فكثر السلب والنهب وظل هذا حالنا حتى تولى الشيخ زايد حكم منطقة العين فوضع الأمن على رأس أولوياته واهتم به وحرص على أمن وراحة مواطنيه منذ البدايات الأولى حتى استتب وشعرنا بالأمن والأمان.

وتابع: في عهد زايد رحمه الله ذقنا طعم الأمان والاستقرار ولا أتذكر حدوث ما يعكر صفو المنطقة وأمنها .. وقال احضروا له رحمه الله بعض اللصوص الذين قال لهم: إما أن تتوبوا وإما السجن .. فطلبوا التوبة وأخذوا عهدا على أنفسهم أمام زايد في العرس ألا يقتربوا من الأهالي ويبتعدوا عن السرقات والنهب .. فعفى عنهم.

وأتذكر بعد توبتهم جلس معهم الشيخ زايد جلسة ودية وإنسانية .. سألهم: لماذا تمارسوا النهب والسرقات وتستحلوا ما حرم الله؟ .. فقالوا: نحن لا نملك شيئا ونريد أن نعيش .. فقال لهم: تعالوا وأنا كفيل بكم وبمعيشتكم .. وتابع.. من يومها الحمد الله لم نسمع بسرقات أو نهب حدث في المنطقة وعشنا في كنف الشيخ زايد معززين مكرمين لا ينقصنا شيء ووفر لنا كل ما نطلب ونشتهي وقال: زايد رمز الشهامة التي لا تعرف الحدود.

حاكم بدون حواجز

وأضاف: بنفس هذه المعالم وهذا الجو العام أصبح زايد في العين حاكما منذ العام 1946 ليس بينه وبين شعبه حجاب فهم جميعا يستطيعون الذهاب إليه ودخول مجلسه بالمويجعي يستقبلهم بصدر رحب ويقولون ما عندهم دون خوف أو تردد ويأكلون بجانبه مما يأكل وتتشرب نفوسهم معنى ان يكون الحاكم منهم ولا يعلو فوقهم، يعلو بقدرته على نفعهم وهو الشيء الذي تحقق لهم بالفعل عندما تحولت العين في عهده وعلى يده إلى جنة خضراء.

ومضى يتذكر حلاوة الأيام أيام زايد الخير قائلا: كنا نلتقي به كلما كانت لنا حاجة وكلما شعرنا بالشوق له كنا نذهب لزيارته دون موعد مسبق ونلتقي به حتى قبل أن يصبح حاكما للعين كان يلتقي بالناس كل يوم وبعدها لم ينقطع عن هذه العادة الجميلة وظلت خصاله كما عهدناها.

وتابع: عملي سكرتيرا لرئيس الدولة رحمه الله زادني شرفا وأصبحت في موقع قريب منه ورافقته في أسفاره خصوصا داخل الدولة وعملت وكيلا له عند المواطنين وأهل البلد وكنت أنوب عنه عندما يكون خارج الدولة وكوني سكرتيره أقرأ له الرسائل الرسمية وأكتب الرد عليها ويوقعها هو بنفسه

كما أرسلني إلى مسقط مرتين أو ثلاث ومرة للأردن ومرة أخرى إلى سوريا كمندوب يحمل رسائل كتابية وشفوية وأرسلني كذلك للبحرين. ومضى المحمود يقول: زايد رحلة من العطاء عاش حياته من أجل شعبه وأمته ومبادئه العظيمة النابعة من أصالته العربية والإسلامية ومثلما عرفه شعب الإمارات عن قرب عرفه الشعب العربي وتحدثوا عنه في كل منزل ومدرسة وجامعة.

إكرام الكريم

وفي هذا الصدد يتذكر موقفاً قديماً وغريباً وسبب الغرابة يرجع لأن الموقف حدث قبل انتشار وسائل الإعلام والاتصالات .. يقول: سافرنا في عام 1963 بأمر من الشيخ زايد إلى سوريا من أجل شراء صقور من نوع الشاهين والحر من منطقة الرحيبة .. وصلنا دمشق وسكنا بأحد فنادقها وفي صباح اليوم التالي

ونحن في طريقنا إلى السوق لقضاء بعض الحاجيات استوقفنا أحد أصحاب المحلات ويدعى خالد العشي وتجاذب معنا أطراف الحديث وعندما عرف بأمرنا وأننا من أبوظبي ومن طرف الشيخ زايد اعتنى بنا ورتب أمورنا وأمور إقامتنا في دمشق ووضع لنا سيارة تحت تصرفنا وقام بواجب الضيافة على أكمل وجه .. وتابع: كان الشيخ زايد حاضرا معنا في كل مكان رافعا رأس شعبه باهتمامه بهم وبتقاليدهم وأصالتهم.

وأضاف: قال لنا خالد العشي: زايد حكيمنا وحبيبنا على الرغم أنني لم أتشرف بمعرفته أو مقابلته لكنه في قلوبنا ونفتخر به لأن أفعاله مفخرة لنا جميعا وانتم اخواننا لأنكم من طرف الشيخ زايد وحسب التقاليد والأصول العربية أنتم ضيوفنا.. بعدها تولى أمرنا وأخذ يرافقنا ويساعدنا ويفسحنا واهتم بنا وعندما قمنا بشراء طيور بثلاثين ألف ليرة اكتشفنا أن نقودنا لم تصل بعد فأخبرناه

وكتب لنا شيكاً بالمبلغ كاملا ودفعنا ثمن الطيور وعندما وصلت نقودنا وجدناها سبعين ألف ليرة فأعطينا خالد منها ثلاثين ألف ليرة واشترينا بالثلاثين ألفا الباقية طيورا أخرى وعدنا لأبوظبي وأخبرت الشيخ زايد بما فعله معنا خالد العشي فأرسل له الشيخ زايد واستقبلته بناء على أوامر زايد وقام في أحد منازل الشيخ زايد بالعين وقابله وأكرمه كما أكرمنا هو في دمشق.

وأضاف: كل عربي كان يشعر أن هذا القائد صادق لأقصى حد مع نفسه ومع شعبه ومع وأمته. وقال المحمود: عندما تولى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الحكم في العين وضع برنامجا ضخما لعملية الإنماء وبدأ بدفع أبناء شعبه للمساهمة بكل طاقاتهم في هذه العملية، كما دعا الكفاءات الأجنبية لدعم هذه المسيرة بالخبرات.

ويتذكر في هذا الخصوص أول دكتور ودكتورة أجنبية في العين قائلا: حضر في عام 1959 إلى مدينة العين دكتور ودكتورة «بات كيندي مع زوجته الدكتورة مريان» وسألا عن الشيخ زايد وعرفا من الأهالي أنني سكرتيره فاستقبلتهما وأسكنتهما عندي وقتها كان الشيخ زايد في أبوظبي فاتصلت به وقلت له: عندنا دكتور يريد أن يفتح عيادة..

فأمر بإكرامه وتقديم واجب الضيافة له وبعد أيام حضر من أبوظبي وجلس معهم وعرضا عليه إنشاء مستوصف لتقديم العلاج .. مشيرا إلى رحابة صدر المغفور له الشيخ زايد الذي لم يمانع الفكرة .. وعرض حينها مساعدتهما قائلا: هل تريدان أن أساعدكما على بنائها، ومنحهما أرضا لإقامة مبنى للمستشفى عليها وهي نفس الأرض التي كان يوجد عليها مجلسه الخاص.

وتابع: بدأ الدكتور الأميركي بات كيندي مع زوجته الدكتورة مريان كيندي وكانا معروفين باسميهما الدارجين كند ومريم العمل في أواخر عام 1960 في بيت الضيافة الذي سمح لهم الشيخ زايد رحمه الله باستخدامه كبداية لعيادتهم وتم تشييد بعض الغرف الإضافية بشكل سريع من سعف النخيل ريثما يتم بناء المستشفى الجديد الخاص برعاية الأمومة والطفولة في موقع مستشفى الواحة الحالي.

إنشاء المستشفى الكندي

وقال.. في خضم قسوة الحياة وتعدد صور المعاناة وشظف العيش جاءت حكمة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي رأى في فكرة إنشاء المستشفى الكندي إنقاذا للبشر ومساعدتهم على الأوضاع الصعبة في ذلك الوقت وعالج الشيخ زايد مواطنيه في المستشفى مجانا بناء على إيصالات يوقع هو عليها من أجل دخولهم المستشفى وتلقي العلاج على حسابه الخاص، ومن ناحية ثانية لكي تضمن المستشفى لها موردا ماليا لتستمر في تقديم خدماتها للأهالي.

وتابع: عمل مع الطبيبين الأميركيين ممرضة كندية ذات خبرة وباع طويل في التعامل مع المرضى عرفت لدى سكان العين باسم الدكتورة لطيفة وكان لها مكانة مميزة في قلوب الأهالي لحسن تعاملها واهتمامها بالمرضى .. مشيرا إلى أن المستشفى ساهم مساهمة فعالة في علاج الآلاف من سكان الإمارات وبعض الدول المجاورة في فترة الستينات .

وعن المراحل التي مر بها هذا المستشفى قال: تم الانتقال إلى الموقع الحالي للمستشفى في ابريل عام 1963 وكان المبنى عبارة عن كرفانة للعيادة وثلاث كرفانات تحوي غرف المرضى المقيمين المصنوعة أيضا من سعف النخيل وبقي المبنى على حاله حتى أكتوبر 1963

حيث تعرض لحريق التهمه كليا تبع ذلك إنشاء عدة وحدات من الغرف الطينية المتلاصقة تم بناؤها سريعا خلال أسابيع قليلة لتقوم مقام المستشفى بشكل مؤقت، وفي يناير 1964 تم إنشاء أول مبنى من الطابوق الإسمنتي في العين والذي ضم 20 غرفة للإقامة الداخلية مزودة بخدمات التمريض وحضانة للأطفال حديثي الولادة بالإضافة إلى غرفة للخدمات فيما استمرت الاستفادة من المبنى السابق كعيادة خارجية.

ورشة عمل في كل اتجاه

وأكد المحمود أن أولويات الشيخ زايد كانت إقامة المدارس والمساكن والخدمات الطبية وإنشاء مطار وشق الطرقات وانقلبت العين التي كانت نائمة في أحضان الرمال قبل أن يأتي زايد إلى أكبر ورشة عمل في كل اتجاه وأصبح هدير الآلات في كل مكان وانتقل آلاف الأهالي من منازل العريش والطين إلى البيوت الصحية النظيفة وامتدت الطرق الحديثة فوق رمال الصحراء ودخلت المياه العذبة والكهرباء إلى كل بيت

وانتقل التعليم من نظام الكتاتيب إلى المدارس العصرية وانتشرت المدارس على اختلاف مراحلها في كل بقعة من البلاد وفتحت عشرات الفصول الجديدة لمحو أمية من فاتهم قطار التعليم وبدأت العيادات في تقديم خدماتها الطبية للبدو في الصحراء بعد أن حرموا من الرعاية الصحية طويلا ونجحت المسيرة في تعويض قرون من التخلف والجمود.

وأشار إلى قول زايد« إن عملية التنمية والبناء والتطوير لا تعتمد على من هم في مواقع المسؤولية فقط بل تحتاج إلى تضافر كل الجهود لكل مواطن على أرض هذه الدولة». وخلص إلى القول مع إيمانه بأن كل هذه المشاريع تحتاج إلى تضحيات كبيرة إلا أن زايد كان على يقين بضرورة تطوير المستوى الحياتي والمعيشي للفرد.

شجاعة الفارس البدوي

وقال.. تربى الشيخ زايد في بيت دين وحمل جمال الخلق وشجاعة الفارس البدوي وكان شغوفا بالصيد والقنص وركوب الخيل والهجن وأتقن الرماية والصيد بالصقور حيث أمضى في مدينة العين وضواحيها السنوات الأولى من فجر شبابه وترعرع بين تلالها وجبالها وصحرائها واستمد الكثير من صفائها ورحابتها واشتهر بشجاعته وإقدامه وهو لا يزال صبيا وشكلت مكونات تلك الفترة بكل تجربتها وأبعادها خصائص زعامته الفذة وفلسفته في الحياة.

وأضاف.. يحرص الشيخ زايد على تنظيم رحلات القنص وعادة يختار توقيتها في أول الشتاء وندخل حدود سلطنة عمان بعد أن نأخذ رخصة من السلطان ونسير مع بعضنا البعض كمجموعة تتكون من حوالي 10 سيارات نوع جيب وعادة المرحوم يقود السيارة بنفسه وتستمر رحلتنا شهراً أو شهراً ونصف الشهر ننتقل من مكان إلى آخر في مناطق القنص قبل أن نعود للعين.

ويتذكر المحمود إحدى رحلات القنص كان يومها بمعية الشيخ زايد قائلا.. جرت العادة عندما نتجمع في المساء كل واحد منا يحضر ويضع الصيد أمام الشيخ زايد وفي إحدى الأمسيات كان الصيد وفيرا وسر به الشيخ زايد وبعد صلاة المغرب عندما جلسنا جلستنا المعتادة حول النار استأذن منا الشيخ زايد وأنصرف وانتظرنا رجوعه الذي طال وبعد طول انتظار قال لي الحاضرون: أحمد سير شوف الشيخ زايد لأننا تعبانين ونريد أن نأخذ قسطا من النوم».

طريق زراعي

وتابع.. ذهبت واقتربت من خيمته وفي العادة لا أذهب له مباشرة بل آتي له بحركة أو صوت فيشاهدني من بعيد ويطلب مني المجيء إليه ويومها كان في خيمته فأذن لي بالمجيء وجلست بجواره في الخيمة وأدركت أنه يفكر تفكيرا عميقا فسألته عما يشغل تفكيره .. فقال: أحمد ما تدرون شو يدور في خاطري .. وزاد: أفكر في أسهل وأنسب طريقة لكي تتحول المسافة من العين إلى أبوظبي إلى رقعة خضراء ومن يسلك هذا الطريق لا يشاهد فيه أي بقعة صفراء بل يتحول إلى طريق زراعي تحف جانبيه المزارع والمساكن والمدارس والعمران.

وأضاف: كان رحمه الله يحب أن يزور المزارع ويجلس فيها ويتمتع بمشاهدة منجزاته وبالتفكير في النعم التي وهبها الله لنا وكم سمعنا زايد في كل أحاديثه يكثر من الشكر لله، ومن معجزات الله ومنجزات الشيخ زايد منطقة مبزرة التي كانت عبارة عن بعض الجبال القاحلة التي ترتع فيها الأغنام بحثا عن الطعام وقد لا تجد واليوم هي جبال خضراء ومياه جارية وظلال وارفة.

وقال: الشيء الذي لا يعرفه جيل اليوم هو أن مشروع مبزرة الخضراء فكر فيه الشيخ زايد منذ زمن بعيد .. ويضيف المحمود: إذا كانت منطقة مبزرة الخضراء الآن المتنفس الحقيقي لأهالي وزائري مدينة العين أتذكر في أوائل الخمسينات من القرن الماضي كنا مع الشيخ زايد في رأس جبل حفيت في رحلة قنص وكانت مجرد أرض جرداء وجبال موحشة . وتابع: أثناء الرحلة وقع نظر الشيخ زايد على مكان ينزل فيه الماء ويتجمع ثم ينساب مرة أخرى ..

فقال: أحمد واجب علينا سد هذا المكان حتى يتجمع فيه الماء ولا يخرج إلا للضرورة ومن أجل المصلحة والمنفعة بدلا من هدر هذه الكميات الكبيرة من الماء دون فائدة .. فطلبنا بناء على أوامره سميت «أسمنت» وطابوق وما يلزم من مواد البناء للانتهاء من هذا العمل.

يقول المحمود: كان المكان موحشا لا تدب فيه الحركة ولا ترى إنسانا إلا ما ندر أما صعوبة وصول المواد إلى المكان فهي مشكلة عقدت العمل أكثر إلا أن هذا الوضع لم يمنع الشيخ زايد من المثابرة ومواصلة العمل على الرغم من صعوبته بل أنه شجعني وفجأة وجدت نفسي أعمل بجانبه بهمة ونشاط ونظرا لقلة العمالة في ذلك الوقت تكفلت أنا بالعمل كأستاذ بناء وكان الشيخ زايد بنفسه يساعدني في العمل بالجهد والعرق والفكر ويشير علي بالعمل ويشاورني في بعض الأمور التي تحتاج مشورة حتى استغرق هذا العمل أربعة أيام واستكمل بالشكل الذي يريده الشيخ زايد.

وأكد أن هذه المنطقة من أحب المناطق إلى قلبه وكان حريصا منذ ذلك الوقت على تطويرها وجعلها جنة سياحية إلا أن الإمكانيات المادية والفنية كانت ضعيفة في ذلك الوقت ولكن عزيمة الشيخ زايد لم تضعف أو تلين وفي الوقت المناسب أعطى أوامره بتطوير هذه المنطقة «مبزرة الخضراء» حيث كان يشرف بنفسه على عمليات التطوير ومشاريع التخضير والشاليهات ويطابقها مع المخططات من أجل توفير المتعة والسعادة لزوار المنطقة.

معجزة سياحية

وتابع المحمود .. بعد الانتهاء من عمل البنية التحتية للمنطقة وشق الطرق وسط الجبال لتسهيل الوصول للمنطقة اهتم بتشجيرها وزراعة أشجار النخيل لتضفي بعدا جماليا على المنطقة وأنشأ المسابح وينابيع المياه الجوفية ومرافق الخدمات للزائرين حتى أصبحت معجزة سياحية فوق جبل حفيت ومعلما سياحيا بارزا من صنع المغفور له بإذن الله. ومضى يقول: زايد بصمات مضيئة على درب العطاء والنماء وعمل بيديه وحقق إنجازات نعيشها اليوم على الرغم من قلة الإمكانيات ولكن أحلامه الكبيرة كانت مظلة يستظل بها تحت الشمس المحرقة فصنع تاريخا ووطنا وشعبا.

وأضاف: كان يشجعنا رحمه الله على الزراعة فهو يحب الزراعة لأن له نظرة ثاقبة وكان يعرف بالبديهة وبحكمته أن الزراعة استثمار واكتفاء والقوم الذين يزرعون لا يجوعون وكان يبحث دوما عن الأماكن التي بها مزروعات ونخيل ويأمر بتوصيل الماء لها وقد عمل بنفسه في «العوامد» الأفلاج وأنفق عليها من حسابه الشخصي وكان يقول لنا: خذوا أراضي مجانا وازرعوا وربوا الإبل.

وتابع: شجعنا زايد الخير طيب الله ثراه على زراعة الأشجار المثمرة وخاصة الحمضيات وأشجار النخيل وكان خير معين لنا على إنتاج التمور وتسويقها. واستطرد أحمد محمد المحمود في قصص الأفلاج وقلب صفحات الذكريات واسترجع المواقف التي ربطت الشيخ زايد بالافلاج قائلا : أصل الفلي أول طوي يسمونه هيلي ثم حفر الناس الأفلاج وهي عبارة عن القنوات الطويلة تحت الأرض والتي تسهل وصول الماء من الطوي إلى المنطقة المستهدفة. وكان يقوم رحمه الله بنفسه بدراسة عملية الحفر بكافة تفاصيلها للوصول إلى الطريقة الانسب والأجدى.

وقال: كان للشيخ زايد الفضل في حفر وإعادة تنظيف وصيانة أفلاج العين بعد أن قامت بعض القبائل بدفنها أثناء الحروب والغارات ووقف علينا بنفسه عندما حفرنا فلج الصاروج والهيلي وقد قام بنفسه في إحدى السنوات بالنزول إلى أحدها خلال عملية الصيانة وسار معنا تحت الأرض ليطلع بنفسه على سير العمل رغم خطورة هذه العملية ومشقتها ليكون قدوة لأبناء المنطقة والدولة في الحفاظ على الإرث والموارد وفي العمل الجماعي.

إلغاء تجارة الماء

وأضاف لم يولد الشيخ زايد وفي فمه ملعقة من ذهب ولم يتعود جسده ملمس ونعومة الحرير. ومضى يقول: زايد روى مدينة العين من الأفلاج والآبار وكان أول من بادر إلى زراعة النخيل بنفسه وسبقنا في إصلاح مسارات قنوات الماء بيديه الكريمتين فنبت شجر التحولات وأشرقت شمس مسيرة زايد فامتد نورها إلى أبوظبي ومنها إلى إمارات الخير. وتطرق إلى تحرير الماء قائلا: عندما استقر زايد في العين حضرت له وذهبنا للافلاج وعرفنا أن الماء مملوك لعدد قليل من أهالي العين الأغنياء وأصحاب النفوذ يتحكمون في مياه الافلاج والباقون يشترون منهم الماء ..

بعدها جلس زايد يفكر في مسألة إصلاح نظام السقاية واهتدى إلى تطبيق أول مبدأ من مبادئ العدل الاجتماعي في الإسلام الماء والكلأ لكل الناس، وكان القرار الذي اتخذه يعني ببساطة وفي كلمات محددة إلغاء تجارة الماء. وقال .. عندما انتهى الشيخ زايد من حفر فلج الصاروج بجهده وماله حقق إنجازا تاريخيا وأصبح يحظى بحب واحترام الأهالي وأدرك أنه يقف على أرضية صلبة ستساعده في مسعاه من أجل إصلاح نظام السقاية

وأصبح مستعدا لمواجهة الأغنياء وأصحاب النفوذ والأطيان فاجتمع بهم ذات يوم تحت ظل شجرة أمام قلعة المويجعي تعود الجلوس والاجتماع مع الأهالي تحتها وأمرهم بتحرير الماء وعرض عليهم أن تكون السقاية حرة مشاعة للجميع وبلا استثناءات وبدأ هو بنفسه وأسرته وأعلن تنازله عن الحقوق المتوارثة له ولأسرته وأرباح السقاية منها للجميع دون مقابل..

وقال: إن مياه الافلاج الآتية من جوف الأرض يجب ان تكون من حق كل الناس الذين يعيشون فوق هذه الأرض والله هو الذي يفجر الماء من الأرض ليرتوي منها الإنسان والزرع والحيوان وكل كائن حي يعيش عليها. وقرأ زايد عليهم الأحاديث والآيات التي تحثهم على فعل الخير وحب العدل.

الموقف الكبير

وأضاف .. كان زايد يقول هذا الكلام وهو مستعد تماما لمواجهة الرفض بخطوة اشد حسما وابلغ الأغنياء أن مياه الفلج الجديد محرمة عليهم وأنها من حق المزارعين الفقراء فقط وكان معنى ذلك ان يفقدوا حق الري من مياه الفلج الجديد وان يفقدوا أيضا في نفس الوقت المبالغ التي كان المزارعون يضطرون لدفعها إليهم نظير السقاية مما يجعلهم يدركون ان النتيجة الوحيدة إذا رفضوا هي اكتساب العداء من أكثرية القوم فرضخوا أمام الموقف الكبير وأصبح الماء من حق كل الناس بلا مقابل ووزع الماء على الأهالي حسب مساحة الأرض التي يملكونها وليس لاسم أو نسب أو جاه.

وأضاف: دافع زايد عن قضايا الأمة ما استطاع إلى ذلك سبيلا وآمن بالعدل ودافع عن حقوق الإنسان في كل مكان. وأضاف.. شجع زايد الأهالي على استصلاح الأراضي للزراعة وأمدهم بما يلزمهم ونجحت خطته الجريئة وتدفق الماء الذي كان من قبل نادرا ندرة اللؤلؤ واخضرت الأرض ودبت الحياة في الرمال الهامدة وازدهرت الآمال

وبدأت تتحسن أحوال الزراعة في العين أكثر من أي منطقة أخرى مجاورة وأصبحت خلال سنوات قليلة مركزا للتجمع السكاني والاقتصادي أكثر من غيرها وتحولت أرضها إلى جنة وارفة الظلال سخية الخيرات بعد أن روى زايد الأرض ولأن الأرض لا تبخل أبدا بعطائها على من يعطيها وزادت المزارع واخضرت الأرض.

وأردف المحمود قائلا: إن قضية السقاية في حياة زايد لم تكن قضية زراعية فحسب لكنها كانت أيضا قضية سياسية وموقفا عظيما يعبر عن نظرته للعدالة الاجتماعية ليس من مفهوم نظري بحت وإنما من واقع التطبيق العملي المؤثر في حياة الناس ثم ان قضية السقاية كانت أشبه بومضة نور شد الانتباه والى رجل يقول كلاما جديدا وتنبئ عن مولد قائد توافرت في شخصيته العناصر الأساسية التي تستند إليها الزعامة وفي مقدمتها إطلاق العدل بين الناس ورعاية مصالح الأغلبية العظمى والتشدد إزاء كل من يحاول استغلال المواطن البسيط والتصدي لأية محاولة تستهدف إلحاق الضرر بالمجتمع.

الرسم على الرمال

يتذكر المحمود التطور الذي طرأ على مدينة العين ذلك الزمن قائلا: مضى زايد على طريق الإصلاح ولكي يضمن للأهالي حاجاتهم وينعش الحركة التجارية انشأ سوقا تجارية ولم يترك ميدانا من ميادين الإصلاح دون أن يطرقه. وتابع: كثيرا ما كان الشيخ زايد يمد عصاه ويرسم على الرمال خطوطا وعندما نسأله ماذا يفعل يجيب: أحاول تصور شبكة الطرق اللازمة لربط ضواحي العين وأنسب مكان لبناء منازل شعبية للمواطنين ولا ينسى ان يرسم وسطها المدارس اللازمة لتعليم أبناء المواطنين !!

وأضاف: كان همه البلد والمواطنين ولم يهدأ له بال إلا بعد أن نفذ وعده واستكمل شبكة الطرق وأقام بالعين أضخم مستشفى بالمنطقة واحدث جامعة وجسد ما كان يتصوره ويحلم به إلى حقيقة واقعة وهذا هو ابرز ما في شخصية زايد القيادية فهو دائما يتجاوز الواقع مهما كان أليما ويمد ببصيرته الثاقبة إلى الأفق يستشفي آفاق المستقبل ثم يحدد خطاه في ضوء ما يراه.

رجل الإصلاح الكبير

وتابع: مضى زايد على طريق الإصلاح فلم يترك ميدانا دون أن يطرقه حتى عرف بأنه رجل الإصلاح الكبير وكانت كل تلك الإصلاحات والانجازات تبشر بأن زايد هو الرجل الموعود لحكم اتحاد الإمارات. وقال: عندما أصبح زايد رئيسا للدولة لم يتكبر علينا وكان يأتي لزيارتنا وعندما أمر بتوسيع الطرقات في العين عوضنا عن كل متر تم ضمه إلى الشوارع من أراضي المواطنين. ومضى يقول: سينصفه التاريخ بعد وفاته أكثر مما أنصفه في حياته.

وخلص إلى القول: إن ما صنعه الشيخ زايد طيب الله ثراه في دولة الإمارات ليس إنجاز الماضي الكبير فحسب ولكنه أيضا وعد المستقبل وبشارته وهو صمام الأمان وصك الرخاء لكل مواطن على أرض هذه الدولة، ولا نكون عادلين ولا أوفياء إذا ودعنا هذه السطور دون أن نشهد بالفضل لأصحاب الفضل، ومن غير أن ندعو بالرحمة والأجر العظيم لمن رحل عن دنيانا من بناة هذا الاتحاد وعلى رأسهم المغفور له الشيخ زايد رحمه الله وكل إخوانه الذين غادروا الحياة دون أن تغادر مآثرهم واقعنا.