قال الشيخ: عندما يحتفي المجتمع بالمشاغبين والمشاكسين ويترك لهم وحدهم أمر تقييم الأفكار والأشخاص وإعادة قراءة التاريخ والأحداث، فإن خيرا لا يرجى من هذه النخب التي لا يردعها رادع ولا يدفعها إلى الصدق مع الذات والآخر وازع.

والغريب أن أمثال هؤلاء يقدمون حيث يؤخر الآخرون، ويتم التواضع على قبول تفاهاتهم وترويج ترهاتهم، وهم لا يعوزهم مال ولا سلطان لنشر ضلالهم، في حين أن أي مخلص من الفريق الآخر إن اعترض أو نقد تقام الدنيا فوق رأسه ولا تقعد ويتهم بالظلم والظلامية والاعتداء على حرية التعبير والتفكير.

وقد شهدنا حالات في زماننا اتهمت فيها مؤسسات دينية معتدلة ومتزنة كالأزهر وغيره بأنها محاكم تفتيش في هذه الأيام عندما طلب منها إبداء الرأي في أدب رخيص أو فكر مريض.

والأمثلة عن هؤلاء المشاغبين أكثر من أن تحصى، وإن أردنا أن نشير إليها أو نعددها لما كفتنا مجالس فضلا عن مجلس واحد، فعلى سبيل المثال لا الحصر تخصصت بعض المجلات الأسبوعية والشهرية في المشاغبة على الإسلام والمسلمين، وهي لا تتورع عن الخوض في سمعة المؤسسات الدينية والأفراد من أصحاب الإنتاج الإسلامي.

ومما يؤلم ويغيظ فيها أنها تورد على أغلفتها عناوين فضائحية مثيرة ومستفزة تمس المقدسات والمدافعين عنها، وأنها تجاور على هذه الأغلفة بين هذه العناوين وعناوين أخرى تختص بالفن والعهر الرخيص.

فإذا وقع عدد من هذه المجلات في يد أحدكم هاله ما فيها من تلفيق وتزوير، ومن سوء أدب وانعدام لباقة، فأصحاب هذه المجلات كذبوا وكذبوا حتى صدقوا أنفسهم وصدقهم الناس، وهم لا يتركون عددا واحدا يصدر من مجلاتهم دون أن يطعنوا فيه برمز من رموز الأمة في حاضرهم وتاريخهم، فيقصرون الإسلام على القرآن وحده ولو استطاعوا إقصاءه أو نبذه لما توقفوا ساعة واحدة.

وهم يعملون التأويل في القرآن حتى يعطلوه ويعطلوا أوامره ونواهيه، ثم إنهم لا يعترفون بالسنة النبوية من أقوال وأفعال الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، فهي عندهم تعامل بشري مع القرآن يتناسب مع المرحلة التاريخية والمعرفية التي نزل فيها، والرسول وأصحابه والتابعون ومن تبعهم إلى يومنا هذا لا تجوز العصمة لهم.

ولا ينبغي حسن الظن فيهم فالبحث العلمي عندهم يعني التشكيك والطعن في رجالات الإسلام وافتراض سوء النوايا وخبث الطوايا فيهم، وهم في سوء أدبهم هذا لا يتورعون عن اختراع الأكاذيب أو نقلها عن أعداء الإسلام. وقد يضيفون إلى تفاهاتهم ثقل دم يتمثل في التطاول المعيب ولو برسم الكاريكاتور المشوه لرموز النهضة والعمل الإسلامي.

ومن يقلب صفحات هذه المجلات يتيقن من مشاغبة أصحابها، فهم يجمعون إلى ما سبق من الشرور، كل ما يتصور عن فضائح المجتمع والفنون وأخبار العهر والمجون، فلا تخلو صفحة من هذه المجلات من خبر يمس رجلا أو مؤسسة أو حكومة أو زعيما، أو من فضيحة تدفع جهة أو شخصا من الجهات أو الأشخاص المعتبرة في أي مجال من المجالات.

وقد ضاقت بعض الحكومات بمثل هذه المجلات لما رأتها تتعرض لرجال الحكم من المحسوبين على الأنظمة بالنقد الفضائحي. فراحت تسن من القوانين ما يحمل الكتاب والصحافيين فيها مسؤولية الأخبار المنشورة إن لم يكن وراءها رصيد من الحقائق كبر أو صغر.

فقامت قيامة عرابي هذه المجلات من المشاغبين كأنهم يرون أن من حقهم أن يلفقوا الأكاذيب ويمسوا السمعة والعرض دون حسيب أو رقيب، وتباكوا على حرية التفكير والتعبير ودور الصحافة في التنوير والتفسير مع أن الحكومات لم تقصد إلا أن تحمي رجالاتها غير مهتمة بالطعن والتزوير الذي يتناول الإسلام وأهله. لقد رأت هذه الحكومات أن تحمي أهل الحكم ورجال السياسة.

وأهل الفن ورجال ونساء الهلس والرقص، بعد أن ضاقت ذرعا بكذب المشاغبين وادعاءات المشاكسين. ولم تهتم بالدفاع عن الإسلام ورموزه وأعلامه ومفكريه.

فهؤلاء الأخيرون ـ في عرف هذه الحكومات ـ بحكم المشاع الذي يجوز لأي امرئ أن يخوض فيه ويتطاول عليه، فإن سألت عن السبب قيل لك انها أولية العقل على النقل ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ماهر سقا أميني