حذر رجال الدين الإسلامي من فوضى الفتاوى التي يصدرها غير المتخصصين، الذين لا يفهمون حقيقة الشرع والدين، وأشاروا إلى أن هذه الفتاوى تدخل عامة الناس في متاهات وضلال كبير وتثير بلبلة في الدول الإسلامية، وأكدوا على أن وحدة الأمة مقدمة على قضايا أساسية ومنها قضية التوحيد، ولابد من التكاتف والعمل على توحد الأمة على مختلف المستويات الدينية والسياسية والاقتصادية، وذلك خلال ندوة ملتقى الفكر الإسلامي، والذي ينظمه المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.
وشارك في الندوة كبار رجال الدين الإسلامي والإعلاميين وعلى رأسهم د. علي جمعة مفتي الجمهورية، ود. محمود حمدي زقزوق رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وأكدوا على أن الأمة الإسلامية لها مقومات الدولة الكبرى عظيمة الشأن على مختلف المستويات، وأن حضارة الأمة الإسلامية قامت في ضوء القرآن الكريم. ويقول د. علي جمعة مفتي الديار المصرية: إن وحدة الأمة مقدمة على قضايا أساسية ومنها قضية التوحيد، وفكرة الوحدة عند المسلمين موجودة في كل شيء، ولذلك فإن وحدة الأمة نراها في أحكام الدين والأوامر والنواهي الإلهية وقصص وسير الأنبياء.. ويدعونا الدين الإسلامي إلى الوحدة والتماسك حتى في أوقات الأزمات ولا تفريق للأمة ساعة الأزمة، ولابد من الحفاظ على الوحدة يقول تعالى: «وهذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون».
وهذا المفهوم الراقي العميق يعلمنا الوحدة وضرورة الحفاظ عليها، ولكن هناك كثير من الناس يأتون ببعض المعلومات التي ينسبونها للدين، ويعملون على تشتيت وتفتيت الأمة، وهناك من يسعى لإحداث الفتنة والفرقة في الأمة الإسلامية وإشعال الفتنة بين السنة والشيعة لجعل دماء المسلمين تسيل أنهاراً، وعلينا أن ننتبه ونحذر لكل ذلك.
ويؤكد على أن الرسول الكريم حثنا على العمل على تجاوز الأزمات التي نمر بها وحتى مع أشد المخالفين، وحذر من فوضى الآراء ـ والتي يطلق عليها البعض فتاوى ـ التي تحدث الآن، وهي صادرة من جهات غير مختصة لا تفهم الشرع والدين، واصفاً هؤلاء بأنهم لا يصدرون فتاوى وإنما بلاوي.
ويضيف: نحن نسمي هذه الآراء الضالة فتاوى وهذا حرام، لأن الرسول نهانا عن تسمية الأشياء بغير أسمائها.. وهذا تلاعب بالأسماء وهو ضلال وتغيير لأحكام الله سبحانه وتعالى، وأكد على أنه لا يمكن القبول مطلقاً بصدور الفتوى من غير المتخصصين لأنها تدخل الشعوب الإسلامية في متاهات كبيرة، كأن نجد شخصاً يصدر فتوى ويجعل دخول «جرم» غير مفسد للصيام.
وهذا آثم شرعاً ولا يفهم الشرع ولا الواقع، وآخر يستحل أعراض ودماء الناس، وثالث يفسد عقود الزواج المستقرة، ويضيف أن وحدة الأمة تقتضي ـ في ظل الهجوم الشرس الذي تتعرض له ـ تستوجب منا الامتناع عن سماع هذه الآراء الضالة، لأنها صادرة من غير المتخصصين الذين يثيرون البلبلة بين عموم الناس.
وأضاف ان الفتوى صناعة تحتاج إلى العلم والتقوى، والمعرفة بأحكام الشرع ومجريات أمور الأمة، حتى تصل لتحقيق مصالح الأمة الإسلامية، وشدد على أهمية وحدة الأمة في الوقت الراهن، وعدم السماح مطلقاً بإحداث الفتنة بين السنة والشيعة.
ويشير إلى أن الجهاد ليس بالسلاح فقط، بل قد يكون بمنهج حياة أو سلوك إنسان أو حفظ لسان، ولذلك فإن الجهاد مفهوم كبير يشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وحدة الأمة
ويشير د. محمود حمدي زقزوق رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، إلى أن الأمة الإسلامية لها مقومات عديدة، تساعدها على تعظيم وجودها وزيادة قوتها على مختلف المستويات سواء الاقتصادية أو الاجتماعية، والإسلام ذاته هو تجميع لكل قوى الأمة، ولذلك فإن وحدة الأمة هي الأساس وحضارة الأمة واحدة وكلها قامت وظهرت في ضوء القرآن الكريم، ولكن هناك اختلاف في الفروع والتفاصيل لأن سنة الحياة هي الاختلاف والله سبحانه وتعالى خلق البشر مختلفين، ولكن هذا الاختلاف لا يكون في الثوابت المقررة.
وأضاف ان ثوابت وأركان الإسلام معروفة، وإذا كان هناك اتفاق على هذه الثوابت فلا يزعجنا الاختلاف والتباين في الفروع والتفاصيل، وحتى الفرق المختلفة والتي خرجت عن الإسلام جاءت باختلاف تفسيراتها وتأويلها، ولكن هذه الاختلافات لا تنسحب على أسس الدين بل هي في أمور فرعية وتفصيلية واختلافهم رحمة.
مشيراً إلى أن اختلافهم في الآراء نسبي وليس مطلقاً، حتى أن أصحاب المذاهب الإسلامية الكبرى «الأئمة الأربعة» كانوا يقولون ان آراءهم صواب تحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب، كما يقول الإمام الشافعي، وكذلك رفض الإمام مالك أن يقر الخليفة كتابه الموطأ على كل الممالك الإسلامية، مشيراً إلى أنه لا بأس في الاختلاف في الفروع ولكن من هم المؤهلون لأن يقروا لنا الاختلاف في الفروع وهؤلاء هم أصحاب العلم والشريعة المختصين، وليس من حق غيرهم أن يتعرض للفتوى، لأنه بذلك يعمل على تضليل نفسه وغيره، ويساعد على تفتيت وتفكك الأمة.
ويؤكد د. حمدي زقزوق على أن الخلاف بين الشيعة والسنة هو خلاف سياسي دنيوي ولا صلة له بالدين الإسلامي، فبعد وفاة الرسول الكريم تولى الخلافة أبوبكر الصديق، ورأى البعض أن سيدنا علي أولى بالخلافة وهذا خلاف سياسي وفرقة سياسية وليست من الدين في شيء.. وقضية اختلاف الأمة لا تنسحب على الدين بل هي أمور فرعية وتفصيلية أخرى.
وشدد على أهمية تكاتف وتوحد الأمة على مختلف المستويات، لتكون جديرة لتحقيق الوعد الإلهي بأنها خير أمة أخرجت للناس، ولابد للمسلمين إذا أرادوا أن تكون لهم قوة ووجود حقيقي على المستوى العالمي وأن يحترمهم الآخرون، أن يتحدوا اقتصادياً واجتماعياً ودينياً وسياسياً، وبعد ذلك لن يستطيع أحد أن يمسهم بسوء بأي شكل من الأشكال، وخاصة في ظل تزايد حملات الإساءة والهجوم على المقدسات الإسلامية، والتي تهدف إلى بث الفرقة وتفتيت الأمة.
منهج الحياة وأشار د. محمد عبدالغني شامة مستشار وزير الأوقاف المصري إلى أن الإسلام دين ودنيا، وهو السلوك الذي ينتهجه المسلم مع الآخرين، والدين هو المعاملة ولابد أن ينعكس على سلوك الفرد، ولذلك فإن الإنسان المسلم مهيأ ليكون فاضلاً، والإسلام منهج للحياة باعتبار أن منهج الإسلام فيه الهدى والرشاد، والأمة جماعة من الناس تعيش في إطار منهج حياة يتضمن القيم والمعتقدات والسلوكيات التي تعينها على تخطيط حياتها.
والإسلام هو دين الله الخالص، ارتضاه للبشرية كافة كي تتأصل في نفوس عبادة العقيدة الصحيحة والسلوك القويم، وكل دين سماوي في حقيقته لا يخرج في أصوله عن أصول الأديان السماوية الأخرى، لأن وحدة الدين تمثل جوهر هذه الأصول، حتى إن اختلفت الشرائع والمناهج باختلاف الرسل والعصور والأماكن.
ويضيف: إن الإسلام هو دين السلام الذي دعا إلى الأخلاق الحميدة والصفات الطيبة التي بعث من أجلها رسول الإسلام، والإيمان بالله ليس أمراً منعزلاً عن واقع الحياة الاجتماعية، بحيث يصبح هذا الإيمان مسألة تعبدية لا صلة لها بواقع حياته.. وقواعد المنهج الإلهي تدعو إلى عدم مخالفة قوانين السماء، والخروج على شريعة الله وما نهي عنه.
القاهرة ـ محمود يونس وكالة الصحافة العربية

