«الرياح إحدى جنود الله الأشداء والتي تعمل بقدرته وحده ولا هيمنة للإنسان عليها من قريب أو بعيد».
الرياح ليست مسخرة كباقي المخلوقات الكونية فهي ليست كالليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والأنهار والبحار فكل هذه المخلوقات مسخرات لخدمة البشرية بالدرجة الأولى ثم خدمة لباقي سكان كوكب الأرض من حيوانات ونباتات وأسماك بالدرجة الثانية ولعل ما أشارت إليه هذه الآية الكريمة بالإيضاح العلمي لهذا المعنى في سورة النحل آية 12 (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) صدق الله العظيم.
وتعتبر الرياح إحدى جنود الله الأشداء تعمل بقدرة الله وحده لا شريك له في هذه القدرة سواء أكان ذلك بالنسبة لقوة الرياح أو اتجاهها أو سرعتها فالصنعة هي صنعة الله عز وجل ولا هيمنة للإنسان من قريب أو بعيد على هذه الرياح إلا فيما ينتفع بها في حركة الحياة.
والرياح وإن لم تكن ناطقة بالكلام وإنما ناطقة بالعمل فإنها تعمل كالرسل فهي تأتي بالبشير حينما تحمل السحاب الثقال إلى بلد ميت ليحيي بها الأرض بعد موتها وذلك كما أشارت إليه الآية 9 من سورة فاطر (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور).
والرياح أيضاً تأتي كنذير فقد أهلكت قوم عاد في الزمان البعيد وأشارت إلى ذلك الآية 6 من سورة الحاقة (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية) صدق الله العظيم، وهذه الآيات الكريمة وإن جاءت في كتاب الله الكريم منذ 1400 سنة إلا أنها باقية إلى اليوم وإلى الغد البعيد وإلى يوم القيامة حيث تستمر الرياح في عملها اليومي ما بين البشير لكل من دعا الله في طلب الرحمة وبصلاة الاستسقاء لقلوب مؤمنة بالله عز وجل والنذير حيث تصيب الرياح المدمرة بعض سواحل الدول التي استكبرت وتعالت على الله تعالى الذي هو فوق كل شيء.
تكوين الرياح
كل شيء خلقه الله تعالى له نظرية علمية قد لا يكتشف الإنسان بعضها إلى قيام الساعة وقد يفتح الله عليه لوضع النظريات الثابتة كما في قانون الضغط وقانون الجذب وقانون الغلاف الجوي أما قانون الطقس فقد فشل الإنسان في وضع قواعد ثابتة له ولذلك تأتي التنبؤات في النشرة الجوية بالأمطار ويخيب الله رجاء العلماء فيما تنبأوا به لأن الله عز وجل هو مالك الملك فهو يصرف الرياح كيفما يشاء.
وانطلقت الأقمار الاصطناعية الخاصة بالأرصاد الجوية وعملت أجهزة الكمبيوتر في التحليل العلمي لما أرسلته الأقمار الاصطناعية وتكون النهاية هو الفشل في الوصول إلى نشرة جوية صادقة وذلك لأنهم نسوا أو تناسوا أن الله عز وجل هو الذي يصرف الرياح أي يقلبها من هبوبها سواء قبولاً أو دبوراً، سواء شمالاً أو جنوباً، سواء شرقاً أو غرباً سواء حارة أو باردة سواء عاصفة أو لينة فالرياح تارة مبشرة بين يدي السحاب وطوراً تسوقه وآونة تجمعه ووقتاً تفرقه وحيناً تصرفه. ولا شك أن هذا التصريف للرياح مع أنها جسم لطيف لا يمسك ولا يرى وهي مع ذلك في غاية القوة.
بحيث تقلع الأشجار وتخرب الديار وقد قال مدير مصلحة الأرصاد الجوية بإحدى الدول الكبرى بأنه أصبح في مقدور أجهزة الأرصاد الجوية الحديثة جداً قدرة التنبؤ بحالة الطقس قبل حدوثه بشهر وذلك بناء على القمر الصناعي الذي أطلق حديثاً ويحمل معه أحدث الأجهزة الفضائية ثم جاءته خيبة الأمل بكل وضوح حينما تنبأ بطقس ممطر وإذ به يكون طقساً حاراً وصحواً فاستقال لأنه وإن قرأ في العلم كثيراً إلا أنه لم يقرأ ما جاء في القرآن في سورة البقرة آية 164: (وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) صدق الله العظيم.
نظرية الرياح
يعتمد الطقس على حركة الهواء التي يسميها رياحاً والسبب المباشر في هذه الحركة هو التباين في درجات حرارة الهواء فإذا سخن الهواء أو برد فإنه يتحرك باسم علمي «الرياح» وهناك العديد من الأشياء التي تسبب الاختلاف في درجات حرارة الهواء فبعض أجزاء الكرة الأرضية تتلقى من حرارة الشمس أكثر مما يتلقى غيرها ولأنها منحنية ولان محورها يميل بمقدار 5,23 درجة فإن أشعة الشمس تكون أقوى ما يمكن عند خط الاستواء وأقلها عند القطبين والمعروف أن الهواء الدافئ يصعد إلى أعلى حيث يتحرك من خط الاستواء إلى القطبين كما أنه يزداد برودة كلما تصاعد إلى أعلى.
كما أن دوران كوكب الأرض حول محوره يدفع الرياح نحو الغرب وتصبح خريطة توزيع الرياح أكثر تعقيداً نظراً لأن سطح الأرض مكون من يابسة وبحار فاليابسة تسخن أسرع من الماء كما أنها تفقد سخونتها بطريقة أسرع مما يخلق تبايناً في درجات حرارة الهواء فوق مختلف أجزاء العالم ويؤدي بالتالي إلى حركة الهواء، ولا شك أن اختلاف درجات الحرارة ثم اختلاف الضغط الجوي مع اختلاف درجات الرطوبة يعطي مؤشراً ابتدائياً إلى اتجاه الريح وسرعته ثم بالتالي قوته ولكن متغيرات عناصر الريح سريعة ولا قدرة للعلماء لمتابعة نظريات تغير عناصر الريح.
مهام الرياح
لم تخلق الرياح عبثاً أو لهواً إنما خلقت لمهام حيوية وعلمية، فهي الوسيط في تلقيح الأشجار والنخيل والنباتات والزهور من دون الحاجة إلى الإنسان الذي من صفاته النسيان في عملية التلقيح، كما تقوم الرياح بتحريك المياه الراكدة سواء في البحيرات أو الأنهار لتمنع تعطب وتعفن الماء وتجعله غير آسن، كما تقوم الرياح بتوليد الأمواج المدفونة.
والتي تقوم بتلقيح ناتج إناث الأسماك مع ناتج ذكورها إذ لا يوجد عملية اتصال جنسي مباشر بين الأسماك وبعضها، كما تقوم الرياح بتلقيح السحب فيما بينها، حيث يكون تلقيحها كهربائياً بالجمع بين نوعي الكهربية الموجبة والسالبة الموجودين في السحب وما يصحبه من برق ورعد ثم نزول المطر، وهو ما أشارت إليه الآية 22 من سورة الحجر (وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين).
كما ينتج عن الرياح توليد الطاقة الريحية وهي من الطاقات النظيفة التي لا ينتج عنها أي تلوث، كما تحقق الطاقة الريحية الحركة للسفن الشراعية في الانتقال من مكان إلى آخر أما مهام النذير فهي تسحق وتدمر كل من طغى وبغى كما تساعد على إنتشار الحرائق في الغابات وهي تحطم السفن بأعالي البحار والرياح لها أيدي طويلة لتطول بها أي مكان على سطح كوكب الأرض، فلا هروب منها.
يعلم الله جل شأنه أن الإنسان بطبيعته ظالم ويستأثر بالخيرات لحب نفسه دون الآخرين من بني البشر، لهذا جعل الله تصريف الرياح في يده، ففي يد الله الرحمة ليتم توزيعها بالعدل المطلق على أهل كوكب الأرض، وقد سخر الله جل شأنه الرياح مرتين كما ذكرها كتاب الله الكريم، ففي المرة الأولى سخرها سبع ليال وثمانية أيام حتى يتم سحق قوم عاد. كما أشارت الآية 6 ـ 7 من سورة الحاقة (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية) صدق الله العظيم.
والمرة الثانية حينما طلب سيدنا سليمان ملكاً لا يعطى لأحد من بعده فكان إحدى عناصر هذا الملك هو تسخير الرياح لخدمته، كما أشارت الآية 81 من سورة الأنبياء (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين) صدق الله العظيم.
ونصل في نهاية البحث إلى أن الرياح يصرفها الله تعالى بالعدل بين أهل كوكب الأرض وأن تسخير الرياح كان لفترة محدودة وأن الرياح تحمل معها الخيرات للثواب وأنها أيضاً تحمل معها الدمار للعقاب وانه لا أمل في الوصول بالعلم أو أحدث أجهزة الارصاد إلى نشرة جوية دقيقة إلا بما شاء الله.
قاسم لاشين
