« يقول الله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).
والفاسق هو الذي لا تتوفر فيه شروط العدالة، ولقد وضع أئمتنا شروطاً للعدالة نذكر منها أن :
من شرط العدل أن يتوفر فيه الصدق بمعناه الأعم الأشمل الذي يدخل فيه عدم تزييف النص بزيادة أو نقصان، والذي يدخل فيه أولاً وبالذات عدم الكذب في الرواية، وعدم الكذب في الحديث العادي.
ولا تريد هنا ان نستقصي ما قيل في العدالة، إنما نريد أن ننقل نصوصا لنشاهد فيما بعد تطبيقها على بعض المؤلفين الحديثين.
لأننا نتبين أسلافنا الدقيقة مما قاله الشعبي وأقسم عليه، وله مغزاه العميق في بيان مدى ما كان عليه أسلافنا رضي الله عنهم من تحر للصواب: يقول الشعبي:« والله لو أصبت تسعاً وتسعين مرة، وأخطأت مرة - لعدوا علي تلك الواحدة».
« وكان أسلافنا يعتبرون الإعلان عن الكذابين وفضحهم والتشهير بهم من الدين: يقول عبد الرحمن بن مهدي:
سألت شعبة، وابن المبارك، والثوري، ومالك بن أنس عن الرجل يتهم بالكذب، فقالوا:
« انشره فإنه دين»
وعن يحيى بن سعيد قال: سألت سفيان الثوري، وشعبة، ومالكاً، وابن عيينة عن الرجل لا يكون ثبتاً في الحديث، فيأتيني الرجل، فيسألني عنه. قالوا: أخبر عنه، إنه ليس بثبت.
ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
« من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».
وهذا الذي يكذب على رسول الله فيتبوأ مقعده من النار فاسق يجب التشهير به، وهو فاسق قد سقطت عدالته، ومن سقطت عدالته فإنه يجب على كل مؤمن أن لا يثق في حديثه ولا في رأيه أو نتائج بحثه.
ومن ثبت عليه الكذب أو الغش، أو الزيادة في النص، أو النقصان منه، ليثبت بالزيادة أو النقصان رأياً يتفق مع هواه، ومع ترهاته - إن كل من يفعل ذلك فقد سقطت عدالته.
على أن من يزيد في النص أو ينقص منه، أو يحرف فيه يتعمد ذلك للحط من إنسان أو للنيل منه - فإنه من الناحية الإنسانية قد نزل إلى مرتبة تأنف الإنسانية السليمة منها، وانحط إلى درجة تنفر الفطرة الطاهرة منها. وبعد هذا نقول: إنه نشأ في زماننا هذا طائفة من الناس يزعمون أنهم الباحثون على الأسلوب الحديث، أسلوب النقد والتمحيص، والتثبت فيما يزعمون.
فإن أسلوب النقد والتمحيص في الحديث وفي رواية الحديث أسلوب البحث العلمي بأدق ما يمكن أن تعبر عنه هذه الكلمة - إنما وجد حقاً عند أسلافنا من المحدثين، إنهم هم أصحاب المنهج العلمي الدقيق في كتابة التاريخ، إنهم المخترعون له، ولا يزالون للآن أدق من اتبعه، وطبقه في صدق، والمؤرخون الحديثون لم يصلوا بعد إلى ما وصل إليه سادتنا المحدثون القدماء من الدقة العلمية.
ولا نريد أن نتعجل فنقول: إن هؤلاء الذين يزعمون في العصر الحاضر أنهم قد تمحضوا للبحث العلمي ليسوا من البحث العلى في شيء، ولنتريث قليلاً حتى نطبق عليهم مقاييس أسلافنا في العدالة لنرى : هل كانوا أهلاً للثقة أو ليسوا بأهل لها!
لقد كان أسلافنا يكتفون بثبوت الكذب مرة واحدة على شخص، فيسقطونه من قائمة العدول، فإذا ثبت مثل ذلك على هؤلاء الكتاب الحديثين فإننا نسقطهم من طبقة العدول، وتضعهم في قائمة الذين وصفهم الله بالفسق حين قال فيهم « (ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).
لقد أراد قوم ـ تحت تعلة البحث العلمي ـ التشكيك في السنة، بل هدم السنة رأساً، هؤلاء تقودهم أهواء مختلفة :
أرأيت إلى مركب النقص في إنسان مغرور يطمع أن يتولى مركز القيادة الفكرية فلا تسعفه مواهبه القاصرة بالأصالة أو الاختراع أو الابتداع، فيتجه إلى الحط من شأن الآخرين والنيل منهم.
ويوجه كل النزعات الشيطانية فيه إلى تزييف في التاريخ ليحط من شأن قوم قد كتب لهم التاريخ في سجله الصحيح مايبوؤهم المكانة العليا في الخلق الكريم، وفى الصدق الصادق، وفي العمل الجاهد لإحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: نشراً وتطبيقاً إذاعة، واتباعاً، فكانوا أئمة بقولهم وأئمة بعلمهم، وانتقلوا إلى العالم الآخر مرضياً عنهم من معاصريهم ومرضياً عنهم من الله إن شاء الله.
أرأيت إلى مركب النقص في إنسان مغرور كيف يحمله على الهجوم على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين قال فيهم، صلوات الله عليه وسلامه، وهو المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى - الكثير من المدح، والكثير من الثناء، والذين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتناولهم غيرهم بالإساءة أو التحقير.
رجاء علي