تمر علينا اليوم الذكرى الثانية لوفاة المغفور له ـ بإذن الله ـ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، القائد الذي سيذكره التاريخ في سجل الخالدين بأحرف من ذهب، والذي ستبقى ذكراه خالدة في قلوب شعب الإمارات، ومعه كل الشعوب العربية والإسلامية، التي أولاها فقيد الوطن والأمة من الاهتمام والمساعدات والرعاية ما أولاه لشعبه وأسرته. زايد الذي غرس الحب والعطاء فحصد العرفان والوفاء من الجميع. وقد تضمن عدد «نوفمبر» من مجلة تراث الشهرية التي تصدر عن نادي تراث الإمارات موضوعاً رئيسياً عن «زايد الإنسان..
مواقف رائعة يعجز عن وصفها القلم واللسان» تحدث فيه الفريق متقاعد خلفان مطر قائد الحرس الأميري السابق، وسعيد بن أحمد بن دري أحد مرافقي الشيخ زايد بن سلطان ـ طيب الله ثراه ـ عن مجموعة من المواقف الإنسانية الرائعة التي قام بها المغفور له بإذن الله وتتصل بالجانب الإنساني الذي كان يتحلى به، وأكد خلفان مطر في حديثه لحمدي نصر سكرتير تحرير المجلة: ان الشيخ زايد ـ رحمه الله ـ كان إنساناً بمعنى الكلمة، يحب الخير ويعمله ويحرص على ألا تعلم شماله ما قدمته يمينه. وأن التقارير التي نشرتها الصحف بعد وفاته عن أعماله الخيرية ـ رحمة الله عليه ونسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناته ـ لم تتضمن الكثير والكثير مما كان يقدمه، ومنها تلك الأعمال الإنسانية الجليلة التي كان يقدمها للقرى التي كان يحل قريباً منها في رحلات القنص في باكستان والهند والمغرب والجزائر، واستجابته للمطالب الشخصية لأهل القرى، وأكد سعيد بن دري على هذا الجانب، وأن الشيخ زايد ـ رحمه الله ـ قال له يوماً: إن لم تخبرني بالطلبات التي يقدمها لك الناس لتوصلها لي، فهي في ذمتك إلى يوم القيامة.
زايد.. اسم سيبقى يخفق في القلوب رغم مرور السنين.. فهو نبض القلب.. ولهج اللسان.. وملء السمع والبصر مهما توالت السنون وتعاقب الزمان. زايد ـ رحمة الله عليه ـ ترك لنا ميراثاً غنيا بكل معنى الكلمة.. ابتداء من السيرة العطرة التي يعجز عن استيعابها كل فؤاد.. وعن إدراك عظمتها كل عقل.. وعن تفسير حكمتها كل لبيب.. وترك لنا أيضا ميراثا عظيماً: أبناء يسيرون على نهجه.. يترسمون خطاه.. ويستلهمون من سيرته.. ويرعون أبناءه المواطنين حبا فيهم.. ووفاء لأبيهم. الذين كانوا مقربين من زايد ورهن إشارته.. هم أقدر الناس على إدراك مبتغاه من نظرته.. فيسارعون لتنفيذ أوامره بحذافيرها حتى قبل أن يكشف عن نيته.. فهم يحفظون له سره وعلنه.. ويدركون بخبرتهم وفطنتهم وتجربتهم وعشرتهم له ما يريده قبل أن يبوح به أو يعلنه. ولأن مواقفه الإنسانية التي احتواها قلبه الكبير كثيرة لا تعد ولا تحصى.. ويعجز عن وصفها القلم واللسان.. فقد اقتربنا من اثنين كانا له بمثابة الذراعين ـ إن جاز التعبير ـ في تنفيذ أوامره الإنسانية التي كان يحرص على أن لا تدرك شماله ما قدمت يمينه.. ولأنه الآن في رحمة الله.. يضاء بأعماله الخيرة مسكنه.. تعطر بها سيرته.. فقد حاولنا أن نستكشف بعضا من هذه السيرة العطرة.. وهذه المواقف الإنسانية التي تحلى بها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ طيب الله ثراه ـ من الفريق متقاعد خلفان مطر قائد الحرس الأميري السابق، وسعيد أحمد بن دري الفلاحي أحد مرافقي الشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ.. لنتعرف على بعض الجوانب الإنسانية في شخصية الشيخ زايد.. باعتبارها مدخلا لنتعرف منه على جوانب سيرته.. التي تدل على عظمة تلك الشخصية.
الفريق متقاعد خلفان مطر كان ملتصقا بالشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ لمدة 33 عاما، وعندما نقول «ملصقا» فنحن نعني الكلمة بحذافيرها.. ونعني أيضا أنه كانت له مكانة خاصة في قلب الشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ أما مكانة الشيخ زايد في قلب خلفان فهي كما هي في قلوب جميع الناس، مكانة عالية سامية وسامقة.
بداية لقاءاتنا كانت معه، وقد وصف علاقته بالشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ بأنها كانت حميمة وقوية.. فقد كان يعد نفسه ليس جنديا من جنوده فقط، وإنما كأحد أبنائه أيضا، وقال: كنت مع الجميع نتسابق لخدمته، ابتداء من تقديم القهوة حتى توفير كل ما يطلب وما يأمر به، وكان يعاملنا ـ ومعنا جميع المواطنين ـ كأبنائه.. نحيط به ونتعلم من مرافقته ونستلهم من فكره، الشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ كان جامعة زاخرة بالعلم والحكمة والمعرفة، أي زائر مهما كان عالما ومعروفاً، عندما يجلس إليه كان يشعر بأنه صغير أمام حكمة وخبرة وإدراك الشيخ رحمة الله عليه، فقد تعلم من مدرسة الحياة.
وهي مدرسة رائعة قوية التأثير، فيها التجارب العملية وليس النظرية التي سرعان ما تنتهي وقد لا يتعلم منها صاحبها. لكن الخبرة العملية تبقى محفورة في الذاكرة والوجدان ولا تنمحي، وكان الشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ فيه من الصفات النبيلة والخصال الكريمة الكثير، كان شهماً، هماماً، مبادراً، محباً للخير، عطوفاً، «قلبه أبيض لا تخالطه ضغينة، متسامحاً، إذا غضب فإنما يغضب للحق، لكنه سرعان ما يتسامح ويعفو عن كثير من الأخطاء، فهو أيضاً كان صبوراً لا يعاجل المخطئ بالعقاب لأنه في البداية والنهاية والد الجميع.
ويقول بومطر: «شفنا الخير يوم أن تولى زايد ـ رحمة الله عليه ـ حكم أبوظبي في عام 1966م»، كان رغم قلة الموارد المالية يعطي بسخاء ويشعر بسعادة عندما يرى ابتسامة الرضا على وجوه المواطنين، كان يعلم أن التعليم هو مفتاح الحياة والتقدم والرقي، وكان يشعر بالوضع الذي تعيشه البلاد في ظل الأمية، فمن أول يوم تسلم فيه مقاليد الحكم سعى لتشجيع المواطنين على التعليم، حتى أنه أمر بصرف مخصصات مالية لكل طالب من الطلاب تختلف حسب سنوات التعليم، فطلاب الابتدائي لهم مخصصات شهرية تقل قليلاً عن مخصصات طلاب المدارس الإعدادية، والتي تزيد عنها قليلاً مخصصات طلاب الثانوي، وبعض أولادي ـ والكلام لبومطر ـ لحقوا على تلك المخصصات التي كان يهدف منها ـ رحمة الله عليه ـ إلى تشجيع التعليم والتعلم.
ويواصل بومطر: وكان طبيعياً أن يهتم بإنشاء المدارس، وفعلاً، كانت نظرته صائبة، فهؤلاء الذين كانوا وقتها تلاميذ صغاراً، هم الذين يشاركون الآن بفاعلية في تحمل مسؤولية البناء والتطوير في بلادنا.
وعندما سألنا بومطر: متى كان يغضب الشيخ زايد وفيه كل تلك الصفات النبيلة والحلم الجميل.. قال: عندما يحدث تهاون في العمل، فهو عندما يكلف شخصاً بمهمة ما ولا يستطيع أن يؤديها حسب قدرته، فلا يغضب وإنما يكلف بها شخصاً آخر، لكنه كان يغضب بشدة إذا كلف شخصاً وهو قادر على أداء ما كلف به، لكنه تهاون فيه.
حب المطر
ويتابع الفريق متقاعد خلفان مطر قائد الحرس الأميري السابق ولأن كان ـ رحمة الله عليه ـ يحب الخير للجميع، كان يعتبر المطر خيراً ورحمة من الله سبحانه وتعالى، وكان يسعد به ويحرص على معرفة جميع تفاصيله: كميته ومدة سقوطه والأماكن التي سقط عليها، وأذكر ـ والكلام لبومطر ـ أنه في عام 1988م سقطت أمطار غزيرة على الإمارات، وكان يسأل عن تفاصيلها من باكستان، وحدث أن انهمرت السيول وأغرقت العديد من القرى وخربت بعض الطرق، فتابع بنفسه عملية صيانة ما خربته الأمطار، وخصص لي مجموعة من آليات البلدية والقوات المسلحة وطائرتين مروحيتين لإنقاذ من علقوا بسبب السيول، ويومها أنقذنا عدداً كبيراً من الناس، وكان يحرص على سلامة الناس وتوفير ما يطلبونه وتعويضهم عما خسروه.
وأذكر أنه ـ رحمة الله عليه ـ قضى 15 يوماً يتابع بعض عمليات إنشاء سد الشويب، يذهب إلى المكان مع شروق الشمس ويستمر يتابع العمل حتى غروبها، يجلس فوق العراقيب لا مظلة ولا خيمة، يعطي توجيهاته ويتابع بنفسه كل صغيرة وكبيرة، حباً في العمل وتقديراً لقيمة المطر وحرصاً على ألا تكرر الأمطار فعلتها وتؤذي البشر.
غضب.. وعطاء
وعما قدمه الشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ للوطن والمواطن قال بومطر: الأمن والأمان، فالكل يعيش في أمان وطمأنينة، وهذه وحدها مسألة في غاية الأهمية أن يكون الإنسان آمناً بين أهله وعشيرته، وقد توفرت كل متطلباته، يعيش في رفاهية وحياة هنيئة كريمة، وأذكر أنه طيب الله ثراه غضب يوماً عندما علم أن المجلس الوطني الاتحادي يناقش أزمة الإسكان، وكان سبب غضبه أن يكون هناك مواطن من أبناء الدولة لا يملك مسكناً، فالمسكن كما كان يقول دائماً: هو بداية الاستقرار والراحة، وهما حجرا الزاوية في المقدرة على الإنتاج والتفاني في العطاء للوطن.. وبالطبع أمر بتوفير مسكن لكل مواطن على امتداد البلاد كلها.
وعن العطاء قال الفريق متقاعد خلفان مطر قائد الحرس الأميري السابق: كان ـ رحمة الله عليه ـ يعطي بسخاء، ويحرص على ألا تعلم شماله ما أعطته يمينه، وكما قلت لك ولمسته بنفسي، كان يشعر بسعادة بالغة وهو يرى الابتسامة على وجوه من أمر بحل مشاكلهم أو التيسير عليهم، وهذا لا يقتصر على المواطنين فقط، بل على المقيمين، وعطاؤه ـ رحمة الله عليه ـ لم يقتصر أيضاً على الموجودين داخل الدولة، بل خارجها، وكم نشرت الصحف عن عطاء الشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ في العديد من بلدان العالم العربية الشقيقة، والإسلامية والصديقة، وأنا أؤكد لك ان هناك الكثير الذي قدمه بنفسه ـ رحمة الله عليه ـ ولم تعلم به الجهات الرسمية التي كانت تتولى الإشراف على توزيع المنح التي تقدمها الدولة بأوامر منه رحمة الله عليه.. منها مثلا المنح التي كان يقدمها اثناء رحلات القنص التي كان يقوم بها.
وهذه لم يحدث ان تضمنتها تقارير الهلال الأحمر أو الجمعيات الخيرية التي كانت كما قلت لك تتولى عمليات توزيع المنح للمحتاجين، القنص كان بالنسبة للشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ استمتاعاً بهواية، وعطاء بلا حدود، فكان أولاً كما قلت لك والداً للجميع وأقصد بهم من كانوا معه في رحلاته، فقد كان حريصاً على ان يوفر لهم كل وسائل الراحة وكل المستلزمات التي تكفل لهم رحلة استمتاع بالقنص، وكانت تلك الرحلات بالنسبة للقرى التي يحل الشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ بالقرب منها سواء في باكستان والهند والجزائر والمغرب جوار خير، فكان يعطي كل من جاء يعرض مسألته.
بل كان أحيانا يأمر بتمهيد الطرق لتلك القرى إذا طلب منه أهلها ذلك أو لاحظ هو ان الطريق يحتاج إلى تعبيد، وبالمناسبة ـ كان رحمة الله عليه ـ دقيق الملاحظة، وكان يطلب من زواره ان يعرضوا عليه ما يحتاجونه ويسعد عندما يرى السرور والبهجة على وجوههم عندما يحقق طلباتهم، وكان ـ رحمة الله عليه ـ لا يخلد للراحة بعد عناء القنص إلا بعد ان يطمئن على كل من كان معه، ثم يتفقد أحوالهم صباحا.. لقد قلت لك انه ـ رحمة الله عليه ـ كان صاحب قلب كبير محباً للخير كثير العطاء حتى السخاء.
زياراته لسوق الميناء
ويحكي بو مطر عن زيارات الشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ المتتالية لسوق الميناء الشعبي في أبوظبي، قال: كان رحمة الله عليه يزور السوق ويشتري بعض الاغراض بنفسه، ويعطي البائع أضعاف ثمن ما اشتراه، ويسأل بو مطر: هل تتصور ان الشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ كان ينقصه شيء حتى يشتريه من سوق الميناء؟، بالطبع لا، ولكنه كان حريصا على الترويج للسوق، وعلى تشجيع البائعين وتحريكا للسوق في الوقت نفسه.
حادثة الدعم
ويواصل بو مطر حديثه عن الشيخ زايد الإنسان ـ رحمة الله عليه ـ قال: كان بسيطا لم تغره السلطة، وكان عطوفا رحيماً متغاضياً عفواً ـ ويتساءل ـ يا رجل.. هل رأيت في حياتك أو سمعت عن رئيس دولة تتعرض سيارته لحادثة دعم كحوادث الدعم العادية في الشوارع؟!! هذا ما حدث مع الشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ لأنه كما قلت لك كان بسيطا لا يحب البهرجة ولا التكلف الزائد عن الحد، كان وقتها بابه مفتوحا للجميع يرحب بلقائهم وهو ـ رحمة الله عليه ـ الذي أرسى سياسة الباب المفتوح في التعامل مع المواطنين، وفرضها على المسؤولين حتى يشعر المواطن بالراحة والأمان، وان باب المسؤول مفتوح أمامه لحل مشاكله..
المهم حادثة الدعم تلك وقعت لسيارته في عام 1982م، حيث كانت أولوية المرور في بعض الدورات المغلقة في أبوظبي للقادم من اليمين على عكس باقي الدوارات، وكان الشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ يومها يقود سيارته بنفسه يتجول في شوارع أبوظبي يتفقد أعمال الإنشاءات وأحوال المواطنين، ولم تكن السيارة عليها العلم كما هو معتاد من قبل رؤساء الدول، ولم تكن أمام سيارته ولا خلفها أرتال سيارات الحراسة، بل كان ـ رحمة الله عليه ـ يتوقف في إشارات المرور كما يقتضي النظام المروري.
وكثيراً ما كان سائقو السيارات يفاجأون بأن من يتوقف في الإشارة على يمينهم أو يسارهم هو رئيس الدولة، ونعود للحديث عن الحادثة ـ يواصل بو مطر حديثه ـ ووصل بسيارته لإحدى تلك الدورات المغلقة، ولم ينتبه رحمة الله عليه ليفاجأ بسيارة تاكسي يقودها سائق آسيوي تصطدم بسيارته صدمة قوية حتى أنه رحمة الله عليه أصيب في كتفه وسافر للعلاج في الخارج، المهم، انتبه بعدها ـ رحمة الله عليه ـ إلى أو أولوية المرور في ذلك الدوار كانت لسائق التاكسي، فعفا عنه، وأرضاه.
تصور أنت لو كانت تلك الحادثة في بلد آخر ومع رئيس آخر غير الشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ، أعتقد أنها لم تكن لتحدث من الأساس لأنه لا يوجد رئيس دولة يسير في الطريق دون أن يتم إخلاؤه قبل مروره بساعات ولساعات طويلة بعد مروره، ثم تخيل أنت ما كان سيحدث للسائق لو كان في بلد آخر؟!!.. هذه هي عظمة زايد، وهذه العظمة مع التواضع ولين الجانب كانت من أسباب علو قدره وحب الناس له.. فلا يوجد شخص على وجه الأرض سمع بالشيخ زايد ولم يحبه ويقدره.. ويتمنى أن يكون من رعيته.. لكن الله سبحانه وتعالى عوضنا فيه خيراً بأبنائه الكرام الذين يقودون محمل أبوظبي من بعده. وإخوانه الحكام الذين يساهمون في قيادة محمل الإمارات كلها، فهم فيهم البركة وفيهم حب الوطن والإخلاص له، وهو أعظم ميراث تركه لنا الشيخ زايد رحمة الله عليه.
كان شخصية «رحومة»
سعيد بن أحمد بن دري كان أيضاً مرافقاً للشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ قال: الشيخ زايد رحمة الله عليه كان شخصية «رحومة»®. شخصية إنسانية غاية في الرقة والعطف والحنان والشفقة.. كان يعطف على الإنسان بغض النظر عن جنسيته أو ديانته.. كان يقول لنا دائماً: إنه إنسان.. وعلينا خدمة ورعاية الإنسان.. كان «رحمه الله» يعطف على الشجر وعلى الحيوان والطير.. فما بالنا بالإنسان.. يمكنني أن أقول لك باختصار: «كثير الكلام في زايد.. قليل».
وعن كيفية اقترابه من الشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ حتى وصل ليكون مرافقه الملتصق به قال سعيد: كان اقترابي منه رحمة الله عليه منذ كنت طفلاً صغيراً.. أذهب إلى مجلسه مع والدي رحمة الله عليه.. وأجلس أنظر إلى ذلك المقام الشامخ.. أنبهر من قوة شخصيته.. وتصيبني الرهبة كلما لاطفني بكلماته الرقيقة.. فشخصيته كانت قوية للغاية.. له هيبة.. وعليه وقار.. ومع هذا تشعر كأنك قريب منه منذ زمن بعيد.. فهو بفطنته وشخصيته المحبوبة يخفف عن الناس رهبة اللقاء مدركاً ما هم فيه.
كان رحمة الله عليه متواضعاً.. بسيطاً غير متكلف.. كما قلت لك اقتربت منه وأنا صغير.. وأصبحت مرافقاً له وأنا كبير.. لم تغيره الأيام.. ولم تغيره السلطة ولا المال ولا أي شيء من متغيرات الدنيا.. ـ زايد رحمة الله عليه ـ هو الذي غير المكان والإنسان.. وغير نظرة البشر في كيفية التعامل مع الآخرين وبشهادة الجميع.. فقد كان الأشقاء والغرباء على حد سواء يحسدوننا عليه.. وكانوا يتمنون أن يكونوا في كنفه وتحت رعايته لما لمسوه من عطفه وإنسانيته.
ويتابع سعيد: عندما كبرت.. أصدر الشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ في عام 1999م قراراً بأن أكون مرافقاً له بصفة رسمية.. لقد أدركت فيما بعد أنه كان يراقبني في الفترة الماضية ويستكشف شخصيتي حتى تأكد من مقدرتي على مرافقته.. ولا أخفي عليك.. فرغم أنني كبرت.. إلا أنني كنت شاباً بعد.. وقد استغرب كثيرون وقتها: كيف لشاب صغير في السن والمقام أن يقترب من شخصية كبيرة في السن والمقام؟.. لكن توفيق من الله سبحانه وتعالى.. ثم عطف الشيخ زايد ساعداني كثيراً على اجتياز رهبة الاختبار الحقيقي في مرافقته له ـ رحمة الله عليه ـ.
تخيل أننا في كثير من الجولات التي كان يقوم بها ـ رحمة الله عليه ـ كان يتوقف فجأة أمام رجل يبدو من ملامحه أنه غير مواطن.. وغير عربي.. وأنه عامل بناء بسيط أو مزارع في مزرعة.. يناديه ويسأله عن اسمه وأسرته ومعيشته.. وهل هو مرتاح في عمله أم لا؟.. وإذا كانت له مشكلة أمر بحلها.. ثم يعطيه مبلغاً من المال ويمضي مواصلاً جولته.. تخيل أنت رئيس دولة يقوم بهذا العمل الإنساني الجليل.. مع شخص بسيط لا نعرفه.. هذا الموقف النبيل تكرر لا أقول عشرات المرات.. بل مئات المرات سواء في المدن أو القرى وحتى في الوديان والصحراء.
مشكلتها عندما قابلته
ومن المواقف الإنسانية التي شاهدها سعيد بعينيه قال: كان ـ رحمة الله عليه ـ يتجول يوماً بسيارته متفقداً كورنيش أبوظبي.. ولمح سيدة عربية تعرفت عليه فأخذت تحييه من بعيد.. وعندما اقترب منها سمعها تقول: إنها تتمنى أن تصافح الشيخ زايد.. فأمر السائق بالتوقف.. وناداها.. فهرولت للسلام عليه..
وبطبيعة الحال كان الموقف أكبر من تصورها واستيعابها.. فانعقد لسانها.. صافحته ـ رحمة الله عليه ـ وظلت ممسكة بيده دون أن تنطق بكلمة.. وبإنسانيته وعطفه أدرك ما كانت فيه.. فأخذ يخفف عنها ويبتسم لها ويسألها عن أحوالها وأسرتها.. لكنها ظلت شاخصة دون كلمة.. فسألها عن حاجتها.. قالت من بين دموعها: إن لها ستة عشر عاماً في الإمارات.. ولا تريد إلا سلامته.. سألها إن كانت في حاجة للمال فقالت: نحن أسرة ميسورة الحال وزوجي يعمل في إحدى شركات البترول..
وكنت أحلم بمصافحتك لأنك الزعيم العربي الوحيد الذي يمكن أن يقترب منه الناس ويصافحوه.. ولم أحلم بذلك في بلادي.. أنت الرئيس الذي أحبه المواطنون والمقيمون ولو سرت بدون أي حراسة لا تخاف على نفسك فقد أحبك الجميع.. استمر ـ رحمة الله عليه ـ يخفف عنها بابتسامته الحنون وعاد ليسألها: هل لك حاجة.. هل عندك مشكلة لنحلها لك؟.. قالت مندفعة: الآن بدأت مشكلتي.. فابتسم ـ رحمة الله عليه ـ قائلاً قبل أن يتعرف على مشكلتها: سنحلها لك بإذن الله..
ما هي مشكلتك؟ قالت: لن يصدق أهلي وأقاربي وصديقاتي أنني صافحت الشيخ زايد يداً بيد.. فضحك ـ رحمة الله عليه ـ وقال لها: نحن سنجعلهم يصدقون.. وأمرني بأخذ رقم هاتفها.. وفي المساء كنت أدق باب بيتها.. ومعي مبلغ من المال.. ومجموعة هدايا قيمة.. وساعة يد حريمي عليها صورته ـ رحمة الله عليه ـ.. وأبلغتها رسالة منه: الآن سيصدقون أنك صافحتي زايد يداً بيد.
العشاء على الشيوخ
سمعت هذه السالفة فأدركت أن أتعرف على تفاصيلها من سعيد بن أحمد بن دري الفلاحي الذي كان مرافقاً للشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـ قال سعيد: نعم هي صحيحة مئة بالمئة.. فقد كان ـ رحمة الله عليه ـ يتجول في منطقة المبزرة في العين.. وكان يوم خميس.. يعني منطقة المبزرة مليئة بالرواد.. فشعر ـ رحمة الله عليه ـ بسعادة الناس وفرحتهم وأنسهم بتلك المنطقة الجميلة التي تحولت إلى جنة خضراء توفرت فيها كل الخدمات وسبل إسعاد الناس وراحتهم بعد أن كانت منطقة جبلية موحشة..
ففرح بذلك وأمرني أن نقدم العشاء لكل من كان في المبزرة.. وأن تجول سيارات الشرطة بين الناس لتطلب منهم البقاء في أماكنهم لأن عشاءهم تلك الليلة على الشيوخ.. وانطلقنا إلى مطاعم العين ولم نترك فيها وجبة واحدة.. ووزعناها على الناس الذين كانوا في غاية السعادة ويدعون بأن يجعل الله له ذلك في ميزان حسناته.. وعندما عدنا ليلتها إلى القصر في أبوظبي سألني ليزداد اطمئنانا: هل عشيتم الناس وكم وجبة قدمتم؟.. قلت له: نعم قمنا بتنفيذ ما أمرتنا به على أكمل وجه وقدمنا ثلاثة آلاف وجبة ولم يتبق أحد لم يتناول من أكل الشيوخ.. فانفرجت أساريره وشعرت بسعادته ورضاه.
طالبة قفزت من نافذة الباص
ويتابع سعيد: كنا في طريقنا من أبوظبي إلى الوثبة، ومرت سيارته ـ رحمة الله عليه ـ بجوار باصي مدرستي من مدارس البنات الإعدادية كانا في طريقهما من المدارس إلى بيوت الطالبات في بني ياس، وعندما لمحت الطالبات سيارته ـ رحمة الله عليه ـ أخذن يلوحن بأيديهن لتحتيه، توقف بسيارته لرد التحية، وخوفاً من الزحام أغلق سائقا الباصين أبوابهما، وفوجئت بإحدى الطالبات وعمرها حوالي 12 عاماً تقفز من نافذة الباص وتتجه صوبه ـ رحمة الله عليه ـ فمنعها الحرس، وكنت معه في السيارة فأخبرته بالسالفة فقال: دعوها، وسألها بحنان الأب: لماذا قفزتي من نافذة الباص؟
فقالت بانبهار: «أشوف بابا زايد بالعين ولا أسلم عليه باليد؟ مستحيل، أنا لم أكن أحلم بذلك في منامي ولن أضيع الفرصة في يقظتي»، سلم عليها بحنان، وشرح لها خطورة ما فعلته، وطلب منها ألا تخاطر بنفسها مرة أخرى، ثم أعطاني حقيبة بها مبلغ كبير من المال وطلب مني توزيعه على من هن في الباصين ومن كن فيهما أيضاً، وقمت بتوزيعه فعلاً على كل من كن في الباصين من الطالبات ومدرساتهن، وبذلت مجهوداً كبيراً في التعرف على منازل الطالبات اللاتي كن في الباصين وذهبن إلى بيوتهن قبل مقابلته ـ رحمة الله عليه ـ وأعطيتهن نصيبهن، وزاد معي مبلغ من المال فأعدته له، سألني لماذا: قلت: لقد أعطيتني أمانة وأديتها كما أمرت وما تبقى لا بد أن يعود لصاحبه، فلم يكن راضياً. لأنه كان يريد توزيع كل المبلغ على الطالبات ولا يبقى منه شيء.
حكاية اليهودي
كنا في سويسرا ـ يتابع سعيد ـ وعندما يكون الشيخ زايد في أي مكان كان يلقى كل ترحيب، وكان عدد كبير من العرب والمسلمين في الخارج يحرصون على السلام عليه، ومنهم من كانت له حاجة يعرضونها عليه في رسائل، وذات يوم جلس لاستعراض الرسائل والرد عليها، وكان يأمر بإعطاء كل صاحب حاجة حاجته، ولاحظ ـ رحمة الله عليه ـ أن الشخص الذي كان مكلفاً بعرض الرسائل قد أخفى إحداها في جيبه، واستمر يعرض الرسائل إلى أن انتهى منها.
فسأله الشيخ زايد: هل انتهينا؟ قال: نعم، فعاد الشيخ ليسأله عن الرسالة التي أخفاها في «مخباه»، فأجابه أنه أخفاها لأن صاحبها يهودي ويطلب مبلغاً من المال لغرض ما، فأمره أن يعطيه ضعف ما طلب، قائلاً له: إننا نتعامل مع الآخرين على أنهم بشر، وليس وفقاً لجنسياتهم أو دياناتهم، أعطه ما يريد ليعرف ذلك الشخص كيف يتعامل المسلمون مع غيرهم، أعطه، فربما يهديه الله بسببنا.
عندما استاء زايد
كان من عادته رحمة الله عليه أن يتناول طعام الغداء مع جميع أبنائه، ويجلس معهم مدة من الوقت، ثم يرخصهم ليمضي كل منهم لحال سبيله، أما في رمضان فكانوا يتجمعون عنده عقب الإفطار يجلسون لساعة أو ساعتين، وذات يوم، وبعد أن انصرف أبناء زايد والآخرون ولم يبق إلا خاصته، وحوالي منتصف الليل، دق جرس هاتفي عدة مرات ولم أرد عليه احتراماً للجلسة التي كنا فيها، ولما وصل الأمر إلى ما يقارب عشرة اتصالات من هاتف واحد أمرني رحمة الله عليه أن أرد على التليفون فربما كان هناك شيء مهم طالما أن صاحب الاتصال يلح عليه.
وعندما رددت جاءني من الجانب الآخر صوت سيدة عربية لا أعرفها، لكنها قالت لي: أنا تعبت وأنا أبحث عن رقم هاتفك، وأعلم أنك قريب من الشيخ زايد، وأنك توصل إليه حاجة الناس، إنني أستحلفك بالله أن تخبر الشيخ زايد عن حالتي، فزوجي مدين بمبلغ ستين ألف درهم، وهو في السجن، ولا أعرف كيف أدبر هذا المبلغ الكبير، وأنا وأولادي في ظروف في غاية السوء، أنا أريد الإفراج عن زوجي ونعدك بأننا لن نبقى في بلدكم، لا نريد البقاء بعد الإفراج عن زوجي.
وعندما انتهت المكالمة سألني الشيخ زايد رحمة الله عليه عنها فأخبرته بتفاصيلها، فاستاء ـ رحمة الله عليه ـ وأمرني بأن أبادر بتسديد ديون الرجل والإفراج عنه فوراً ـ ثم تساءل سعيد ـ أتدري لماذا استاء رحمة الله عليه؟ ـ وأجاب ـ لأن السيدة قالت: لا نريد البقاء في الإمارات، نريد العودة إلى بلادنا، فقط، أفرجوا عن زوجي، وبعد نصف ساعة كنت على باب بيتها أبلغها بأوامره رحمة الله عليه بالإفراج عن زوجها، وأعطيتها مبلغاً إضافياً من المال، وأمرني أن أبلغها بأن الشيخ زايد يريد أن تبقى في البلاد ولا ترحل عنها، وأن تبقى كأنها في وطنها. وأذكر كلمات جليلة وجميلة قالها لي ـ رحمة الله عليه ـ: «يا سعيد، إن جاءك أحد يريد أن توصل شكواه أو حاجته للمساعدة، فهي في ذمتك إن لم توصلها لي».
وبمناسبة اللقاء معه ـ رحمة الله عليه ـ حول موائد الطعام، كان من تواضعه ـ رحمة الله عليه ـ يتناول بيده الكريمة من الطعام ويقدم لنا، يعطينا من اللحم، من العسل، يقول لنا: خذ من هذه فطعمها جيد، وهذه مفيدة للقلب ومريحة للمعدة، وكنا نتعجب: فنحن من حوله لنخدمه وليس ليقدم لنا هو الطعام!!، لكنه كان متواضعاً تواضعاً جماً رحمة الله عليه.
يومه طويل
وعن يوم الشيخ زايد قال سعيد: يومه كان طويلاً جداً، كان نشاطه يبدأ من السابعة صباحاً، يخرج ليتفقد المشاريع والمنشآت والمزارع والقرى التي يتم إنشاؤها، وكنا نتناول الغداء في أي مكان يختار هو، وكان أولاده ـ أطال الله أعمارهم ـ يحرصون على تناول الغداء معه، وبعد الغداء يجتمع معهم حتى صلاة العصر ثم يرخصهم، ويواصل هو جولاته حتى المساء.
ونعود للقصر ليلتقي مع أبنائه المواطنين، يستمع لشكواهم ويحل مشاكلهم، يعطي كل صاحب حاجة حاجته بصدر رحب وابتسامة عريضة وقلب حنون وعطف الوالد على أولاده، وعقب انصرافهم يجلس مع خاصته ليستمع إليهم ويتعرف منهم على أحوال العامة من الناس، ويستمر ذلك إلى منتصف الليل، نحن الشباب كنا نشعر بالتعب والإرهاق، بينما هو ـ رحمة الله عليه ـ يواصل نشاطه والابتسامة لا تفارق شفتيه.
أنقذني من مشكلة
ويتابع بن دري: مشكلة صعبة واجهتني في حياتي بسبب الشعر لم ينقذني منها إلا الله سبحانه وتعالى، ثم الشيخ زايد، فكان ـ رحمة الله عليه ـ يحب الشعر والشعراء ويقربهم من مجلسه، وذلك ليس بغريب على شاعر مرهف الإحساس، وكان يفضل القصائد القصيرة، كان يقول: خير الكلام ما قل ودل، وعندما يكثر الكلام تكثر الأخطاء، المهم، ذات يوم من أيام سنة 2000م كنا في جلسة خاصة في أميركا، وكأنه كان يريد اختبار شاعريتي، قال بيتاً من الشعر وطلب مني تكملة القصيدة.
وهذا أمر ليس سهلاً على الإطلاق، ويمكنك أن تتصور صعوبته في أنك يجب أن ترد فوراً، وأن تكون قد فهمت من البيت الذي قاله ما يقصده، وما ينوي أن يقوله في القصيدة، ومن صعوبة الموقف أن البيت الأول كان من إبداعه في حينها، أي أن الأمر لم يكن معداً له سلفاً، لا أخفي عليك أنني شعرت بثقل المسؤولية وصعوبتها، لكن وفقني الله في أن أكمل الأبيات كما كان ينوي ويقصد..
الاهتمام بالشجرة
ويعرف الجميع مدى اهتمامه ـ رحمة الله عليه ـ بالشجرة... حيث أمر بزراعة آلاف الهكتارات من الغابات في مختلف مناطق الإمارات، والجميع أيضاً يعرف مدى اهتمامه ـ رحمة الله عليه ـ بإكثار أشجار النخيل حتى وصل عددها في الإمارات إلى حوالي 40 مليون نخلة، أما النموذج الحاضر في أذهاننا دائماً ـ جزيرة صير بني ياس ـ فهي تحتوي على بساتين ضخمة من التفاح والبرتقال وأنواع الفاكهة الأخرى، إضافة إلى أشجار الزيتون والنخيل..
حتى أنها احتوت على تشكيلة واسعة من المزروعات والأشجار التي يربو عددها على المليونين.. تنتشر في نحو 250 غابة تضم أشجاراً من: السدر والسمر والمليح والآراك والسلم، كما يوجد في الجزيرة أيضاً 260 غابة مُسيجة تضم نحو ثلاثة ملايين من الأشجار الحرجية المحلية التي تتحمل الحرارة والعطش، ونحو 300 ألف شجرة فاكهة وزيتون وخرنوب وتمر هندي في أكثر من 23 مزرعة.
كل هذه الأشجار، وكل تلك الأعمال الإنسانية الرائعة أمر زايد بغرسها، فغرست حبه ـ رحمة الله عليه ـ في قلب كل إنسان.. نسأل الله الرحمة كلما هز النسيم غصنا أو ورقة من تلك الأشجار.

