لكل عهد من عهود البشرية ما يميزه وغالباً ما تكون الانجازات العظيمة هي التي تخلد سيرة الإنسان وعبقريته.. والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، من بين أبرز القادة الذين احتضنهم المكان في جميع عصوره وفتراته فأحبه المكان بل عشقه وأخرج له جميع مكنوناته حتى صار هواؤه يبث هذا الحب وهذا العرفان لكل ساكن على هذه البقعة الوفية.

رحل زايد عن المكان لكنه بقي في كل قلب في كل نبض في كل زاوية من زوايا الوطن.. بنى زايد الخير الإمارات ليبقى فيها ما بقيت الحياة وليظل في عيون الإماراتيين أينما ولوا أنظارهم. يصادف اليوم الثاني من نوفمبر الجاري الذكرى الثانية لرحيل قائدنا ووالدنا ومعلمنا. وبهذه المناسبة نتواصل مع ذاكرة رجال عاصروا مراحل التكوين الأولى التي بدأت على يدي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي ببعد نظره وحكمته خط بعصاه مدناً على الرمال لنراها بعد فترة قياسية حقائق متجسدة في دولة هي اليوم مفخرة لكل العرب.

ونقابل بكل تقدير ومودة ووفاء في هذه المناسبة أولئك الرواد ونسجل حقيقة «زايد.. تاريخ إنسان وحضارة وطن» من خلال الاستماع إليهم مباشرة وهم يتحدثون عن ذكراه العطرة وتجاربهم مع القائد والمعلم والأخ وننقل عنهم بدايات مهمة في تاريخ الإمارات وهو التاريخ الذي عاصره جل من التقينا بهم. الشيخ سالم بن مسلم بن حم واحد من هؤلاء.. في محياه ترى تاريخ وطن وفي سماحته تكتشف شعباً تربى على مكارم الأخلاق والشهامة. يتذكر بن حم في مجلسه بالعين المؤسس الشيخ زايد قائلاً «في ذاكرة التاريخ هناك رجال نثروا عطرهم حباً للغير ومساعدة الآخرين، ورغم ذلك هناك جوانب في حياتهم تعيش في الظل لا يدري بها أحد سوى المقربين منهم». ويسترجع بذاكرته الزمان والمكان قائلاً: كان المكان يتيم المعالم موحش القسمات.. صحراء شاسعة ذات تلال وكثبان خادعة كسرابها. كانت شمس الصحراء هي الشيء الوحيد تقريباً الذي يشعر الإنسان بالتغيير عندما تطل بسرعة من الشرق وترحل بطيئة كغلي المرجل ثم تتوارى بعد يوم سحيق بالحر والعرق.

عصر الشدة كان الوقت عصيباً والزمن جار علينا والمرحلة عنوانها «الشدة» لم يغيرها إلا زعامة زايد لنا ومعدن الرجال يظهر عند الشدائد وزايد عمل بإخلاص وبذل الجهد وأجزل العطاء ووضع هدفاً استراتيجياً يبدأ بخطة عمل تطرح مسائل النجاح والفشل ليقود بنجاح أكبر وحدة عربية في التاريخ الحديث.

وأكد أن زايد عقل استشرف الحاضر والمستقبل البعيد وبعد اكتمال الوحدة الوطنية وتسمية دولة الإمارات العربية جاء الفصل الأهم والأصعب كيف يتم تدبير المال للإعاشة والبدء بالتوطين وفتح المدارس وصرف رواتب العاملين؟

ومع الأمل بوجود مصدر كبير للدخل جاءت قراءته لعالمه في تلك اللحظة ما هي الإمبراطوريات الآفلة والقادمة وكيف ستتغير موازين القوى العالمية ومن لديه القدرة على فتح الميادين التجارية والبحث في باطن الأرض عن الثروات.

وكان أن تم الاكتشاف والاستخراج للنفط ليسد أول الثغرات في مصادر الدخل وتبدأ قصص أخرى في الدمج بين المدني والبدوي ووضع أسس الدولة الحديثة في إنشاء الوزارات والدوائر والربط بين الجهات المتباعدة مع العاصمة في حكم واحد ونظام واحد.

وأضاف: ما بين الميلاد والموت.. رحلة عطاء طويلة.. قطعها الشيخ زايد، طيب الله ثراه، بنى خلالها آمالاً كبيرة بينه وبين نفسه والآمال الكبيرة تبدأ بأحلام صغيرة لقد كان يحلم ببناء مجتمع جديد تختفي منه تلك المعاناة مجتمع فيه المدرسة.. العيادة.. السكن النظيف ومضة الكهرباء والماء النقي كان يتأمل أبناء البدو والمزارعين والصيادين ويتخيل بينهم الطبيب والمدرس والمهندس والضابط.

وتابع: كان زايد يرسم في ذهنه صورة مجتمع تضيئه شمس الحضارة وتغمره الرفاهية حتى قبل إن يتدفق النفط من جوف الأرض في أبوظبي وكان يحلم بجيل ينهل من العلم حتى الارتواء.

ويسترجع بن حم ذكرياته مع الشيخ زايد قائلاً: كان كثيراً ما يقف وليس من حوله شيء ثم يقول لنا كلمات كانت غريبة علينا في ذلك الوقت، فقد كان يملك في فكره وصدره أعظم شيء كان فكره يعرف الطريق الصحيح وصدره يحتضن آمال أمته ثم ما نلبث بعد زمن طال أو قصر إن نرى الكلام الغريب حقائق شاخصة أمام عيوننا.

وبهذا الخصوص يتذكر خمسينات القرن الماضي عندما كان الأهالي يحتفظون بأموالهم في المنازل داخل قطعة من القماش حيث لا وجود للبنوك في تلك الفترة إلا إن الشيخ زايد قال له «يا سالم سيأتي وقت نقودك لا تحملها معك في حلك وترحالك بل ستجدها أمامك».

وأردف قائلاً: ذهب بي خيالي في ذلك الوقت أن هذا الأمر صعب إن لم يكن مستحيلاً.

ومع مرور الأيام صدق كلام زايد لأنه كان يرى ما لا يراه الآخرون وتحقق كلامه حيث انتشرت البنوك في الدولة وتعددت أنواع المعاملات البنكية بما فيها التحويلات الخارجية.

تواضع وأبوة وقال: رافقت الشيخ زايد في حله وترحاله في الوطن وخارج الحدود منذ بدأ الشيخ زايد أول زيارة له إلى بريطانيا عام 1953 ومنها إلى دول أخرى كأميركا ولبنان والعراق ومصر وسوريا والهند وإيران فتعرف على العالم الخارجي وأصبحت لديه رؤية واضحة وزادت من قناعته بمدى حاجة البلاد إلى التنمية والتطور واللحاق بركب الحضارة والتقدم.

وأضاف بن حم «الشيخ زايد شخصية تلاقت فيها الأبوة والرحمة مع الحزم وإحقاق الحق فصنع تاريخاً مضيئاً يجب أن نعرف أسراره ولابد من ديمومة إعادة قراءته لأنه شخصيتنا وثبات وحدتنا وبالتالي لا يجوز أن تنعزل الأجيال عن قصة مجد صنعه رجل فذ استطاع أن يجعل هذا الكيان أسطورة عمل فريد ووحدة رائدة».

ومضى يقول: ربما يكون أهم جانب في شخصية هذا الرجل الفريد هو بساطته وتواضعه الشديدان وهما خصلتان استلهم منهما أسلوبه في إدارة شؤون الحكم وتمثل هذا التواضع في أنه لم يكن يدعي عصمه من الخطأ ولا تكبراً وترفعاً يبعده عن رعيته.

ويستحضر الرجل قائلاً: يعجز القلب واللسان عن وصف تواضع الشيخ زايد، رحمه الله، فكان يقود سيارته في شوارع وطرقات العين بنفسه ولم يكن يرافقه أي حراس أو سيارات حراسة وعندما يرانا يوقفها ويترجل للسلام علينا ويأمرنا أن نركب معه ويطلب منا إما إن يأخذنا لوجهتنا أو إذا كان لدينا وقت يطلب منا الذهاب معه للقصر من أجل الحديث عن أحوال المواطنين والبلد ويصر على إن نتناول طعام الغداء أو العشاء معه.

وأكد إن زايد كان يهتم كثيراً بمعرفة أحوال الأهالي وأوضاعهم ويصر في جولاته التفقدية إن يسير أمام المنازل الشعبية وفي أوقات مختلفة حتى يرى بأم عينه الأوضاع المعيشية للشعب، وكان يلتقي بكل من يراهم أمام منازلهم ويتحدث معهم ويستمع لطلباتهم بدون تذمر أو تملل ويأمر بتنفيذها.

وأضاف «زايد سخر حياته لتأمين الاستقرار والرخاء لشعبه دون كلل أو ملل». وقال بن حم: كانت العين والمناطق التابعة لها عبارة عن صحراء قاحلة وأرض جرداء إلا أنها شهدت ثورة خضراء ونهضة حضارية هائلة بفضل الاهتمام والرعاية الكبيرة التي أولاها فقيد الوطن والأمة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لمشاريع تطوير العين منذ أن عين حاكماً عليها عام 1946.

وتابع: كان رحمه الله يتوقف عند الأشجار المهملة واليابسة ذات اللون الأصفر ويعتني بها ويخدمها ويعلمنا طرق ريها وتسميدها وكيف نعتني بها ونرعاها ويأمر بتوصيل الماء لها قبل إن يغادر المكان ويتوقف عند شجرة أخرى آيلة للسقوط فيقومها ويربطها ويوصينا خيراً بمثل هذه الأشجار قبل أن يغادر المكان فتحولت الرمال الصفراء إلى لوحات خضراء بعد أن أحضر المعدات والآلات اللازمة واستقدم المهندسين والفنيين المهرة وبدأت على يديه ملحمة خضراء ستظل درساً ومعجزة في هذا المجال.

وأضاف «زايد روض الصحراء وحقق للدولة اكتفاءً ذاتياً من المحاصيل الزراعية فكان حقاً معجزة قاهر الصحراء فبكاه البشر والشجر وتاقت إليه كل حبة رمل خطت عليها قدمه وتظللت بظله يوم مشى عليها متفقداً مشاريع الزراعة والعمران».

وأردف قائلا: منذ عين الشيخ زايد ممثلاً للحاكم بالمنطقة الشرقية لإمارة أبوظبي عام 1946 لم يكن هناك ما يحجبه عن شعبه ويفصله عنهم وأصبح بابه بقلعة المويجعي مفتوحاً للجميع بلا حواجز ويستمع إلى الكل صغيراً وكبيراً وفي أي وقت بدون تكلف أو تكليف.

وتابع: عندما حكم وترأس الاتحاد كبرت المسؤوليات وعمل على ترسيخ هذا الأمر من خلال الجولات السنوية التي يقوم بها في مختلف مناطق وإمارات الدولة ومثلت حدثاً وطنياً يحتل مكانة متميزة في قلوب ونفوس أبناء شعبه وصيغة فريدة في الحوار وضعها مع بدايات حكمه لتكون سمة حضارية وعلامة مميزة لمسيرة التنمية ويهدف من هذه الجولات إلى التعايش عن قرب مع المواطنين على الطبيعة حيث يقيمون ويتلمس نبض المواطن واهتماماته واحتياجاته، وحينها يشعر المواطن بقدرته على الحديث مع قيادته على نحو مباشر ودون حواجز ومسافات، في مشهد يعبر عن عمق الارتباط بينه والمواطنين من ناحية وما حققته المسيرة من قوة وترابط وتكافل وأمن وأمان من ناحية أخرى.

وأردف قائلاً: بالرغم من أن المواطن يستطيع أن يشارك ويصل بصوته ومطلبه عبر مؤسسات الدولة المختلفة إلا إن الجولات السنوية التي سبقت هذه المؤسسات واستمرت بعدها ستظل دوماً لها خصوصيتها لأنها أعمق بكثير من مجرد لقاء إنها حالة انصهار وتوحد في بوتقة سياسية كبيرة يوضح القائد من خلالها أبعاد ما يجري محلياً وإقليمياً ودولياً ويحدد أولويات العمل الوطني ومتطلبات التنمية.

موقف وطنية وفي ما يتعلق بمواقفه السياسية والوطنية قال: إن شعوب الأقطار العربية والإسلامية كافة تشهد لزايد بأن اهتمامه بتأمين الرفاهية لشعبه لم يشغله أبداً عن أمته العربية والاهتمام بأمورها وقضاياها فكان من أكثر الداعمين لقضايا العروبة.

وأضاف بن حم: كان دور الشيخ زايد فاعلاً في تقوية روابط الأخوة ووشائج القربى على الصعيدين الإقليمي والدولي والعربي فضلاً عن إسهاماته المثمرة في بناء علاقات دولية قائمة على الاحترام المتبادل بين الشعوب ومرتكزة على مبادئ الحق والعدل والمساواة.

وقال «آمن زايد بأنه لا نصر ولا رفعة للأمة العربية إلا بالتضامن والوحدة والتآزر».

ويتذكر في هذا الصدد مقولته رحمه الله «النفط ليس أغلى من الدم العربي».. هذه المقولة التي دونتها المراجع والكتب بحروف من ذهب ودرستها الجامعات وتغنى بها أبناء العروبة والوطن من الخليج إلى المحيط.

ومضى يقول «العرب اختلفوا على الكثير ولكنهم اتفقوا على حب زايد». وأضاف «زايد أعطى العروبة كثيرا وحكمته السياسية لاقت كل ترحيب في جميع دول العالم».

مكانة العين

ويتطرق الشيخ سالم بن مسلم بن حم في حديثه للعلاقة الحميمة التي ربطت بين زايد المؤسس والباني وبين العين منذ سنوات الصبا والشباب ويكشف عن مظاهر الحياة الشاقة في ذلك الوقت، فلا وجود للكهرباء والمدارس والطرقات والمستشفيات.

ويسترجع أيام العين عندما كان لا يوجد بالمكان إلا أربع سيارات قائلا: في البداية لم نعرف سوى أربع سيارات، الأولى عند المرحوم الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان والثانية عند المرحوم الشيخ محمد بن خليفة آل نهيان والثالثة عند المرحوم الشيخ هزاع بن سلطان آل نهيان والرابعة عند المرحوم الشيخ زايد، كما لم نعرف طرق الاسفلت المعبدة الموجودة بكثرة في هذه الأيام، وكان يأمرنا الشيخ زايد بجمع أغصان الأشجار اليابسة ومرابيع الخشب ووضعها بجانب بعضها البعض فوق المناطق الرملية الوعرة حتى تمر السيارات فوقها مسرعة ولا تغرز في الرمل.

وتابع: كانت رحلتنا من العين إلى أبوظبي تستغرق ما بين 5 إلى 6 أيام على الإبل وقبل وصولنا لأبوظبي تبدأ رحلة جديدة وطويلة اسمها رحلة الانتظار أمام الخور فإذا رأينا ان منسوب الماء زاد في الخور والماء ارتفع ننتظر حتى ييبس الخور ويجف الماء خاصة عند غيوب القمر فإذا قل منسوب الماء وانخفض عن مستوى بطن الركاب جاءنا الفرج ونبدأ رحلة عبوره بالإبل.

من جانب آخر قال: زمن أول يحضر لنا عدد قليل من أهالي أبوظبي المقتدرين في الصيف للمقيظ والهرب من حرارة ورطوبة الساحل والتمتع بأكل الرطب تحت ظلال النخيل الباردة وأذكر عندما حكم زايد زاد عدد الأهالي الذين يحضروا للعين بصورة ملحوظة وهل علينا الأهالي من كل حدب وصوب في الدولة لأن الكل أصبح مقتدرا بفضل الله ثم بفضل زايد.

وأضاف: ظل هذا حالنا حتى جاءت الثروة والمعدات وتعدل كل شيء إلى الأحسن وبدأ زايد يهتم بالمنطقة فعرفنا أول مستشفى وهو مستشفى «كندي» الذي يسمى الآن «الواحة» ويقع جنوب مدينة العين.. موضحا أن الشيخ زايد حقق في العين طفرة عمرانية هائلة، ومعجزة خضراء أثارت دهشة الخبراء والمراقبين في مختلف أنحاء العالم.

وتابع «زايد لم يزرع الصحراء فحسب بل زرع فينا الفضائل والمكارم وغرس الحب والعطاء فحصد العرفان والوفاء». مسألة المياه

وفي هذا الصدد قال: من أهم المسائل التي كان زايد يوليها اهتمامه الأول مسألة توفير المياه حيث إن شح المياه وقلة مصادرها وندرتها وما يتبعها من مشاكل بين الأهالي كانت الهاجس الأول عند زايد فبادر إلى عمل كل ما في وسعه ليجعل الماء ينساب بوفرة وبدأ بإصلاح الأفلاج القديمة المهملة واهتم بحفر المزيد من الأفلاج الجديدة لتفي بالغرض المطلوب.

وقد كان فلج «الصاروج» أولها والذي استوجب حفره جهدا كبيرا وسنوات عديدة كان خلالها زايد أول المشاركين بالحفر وضحى بوقته واقفا بيننا ولم يبخل بماله وأفكاره وتعليماته ليرشدنا إلى المسار الصحيح للفلج وتكللت أعماله بالنجاح وتدفقت المياه غزيرة من فلج الصاروج وغيره من الأفلاج لينساب الماء عبر السواقي بين المزارع ويصل إلى القاصي والداني، الغني والفقير. ومن هنا بدأت الخضرة والحياة تدب كما لم تكن من قبل مؤذنة ببداية عهد جديد مع الخصب والنماء.

وأضاف: مع توفر الماء غمرتنا السعادة وانفرجت أسارير زايد ووقف أمام معضلة تؤرق الجميع وهي مسألة توزيع المياه أو نظام السقاية وصمم على إيجاد حل حازم وفوري لها.

ولعل أبرز ما تحقق في تلك الفترة الصعبة من تاريخ مدينة العين القرار الذي أصدره الشيخ زايد والقاضي بإعادة النظر في ملكية المياه وجعلها على ندرتها متوفرة للجميع بالإضافة إلى تسخيرها لزيادة المساحات الزراعية فعمد سموه إلى إصلاح نظام السقاية القديم الذي كان يستفيد منه الغني على حساب الفقير حيث كانت مياه الآبار أو حصة الماء من السقاية فقط من حظ الأغنياء الذين يقومون بشرائها أو بيعها ورهنها للآخرين.

وأشار بن حم إلى ان حب زايد للناس وتوقه إلى المساواة والعدل بين الجميع، جعله يهتدي إلى مبدأ إسلامي عادل وهو «الماء والكلأ لكل الناس» لينهي بذلك فكرة تجارة الماء.. فساد العدل وطابت النفوس ورضي الجميع بهذا القرار التاريخي.

وأضاف: لم تكن ندرة الماء والمال وقلة الإمكانيات حجر عثرة أمام الشيخ زايد لتطوير مدينة العين حيث وضع خطة دقيقة لاستثمار إمكانيات المدينة وعمل بدأب من أجل بلوغ ذلك الهدف، وبدأ بتأسيس أول مدرسة بالعين حملت اسم «المدرسة النهيانية» وافتتحتها عام 1959 وكان يوليها وقتا كبيرا واهتماما بالغا ويزورها بانتظام للاطمئنان على أبنائه الطلبة .

وتشجيعهم وحثهم على طلب المزيد من العلم واستمر على هذا النهج حتى خط بعصاه على الرمل موقع الجامعة التي احتضنت أفواج الطلبة القادمين من المدارس وأنشأ أول سوق تجارية وشبكة طرق ومشفى طبي ليجسد الشيخ زايد ما كان يحلم به إلى حقيقة واقعة. وأضاف «سيخلد التاريخ اسم زايد ومحبته ستبقى في قلوبنا للأبد لأنه لم ينشئ وطنا من بناء وحجر وإنما بشرا وتاريخا وشعبا».

ويصمت قليلا قبل ان يتابع: قبل زايد لم تكن هناك ثروة، ولكن ثروة زايد كانت بأعماله وخدماته.. فهو الثروة الحقيقية.. والله بارك أعماله فنجحت وعمت خيراتها القريب والبعيد.

ذكاء فطري

وقال: عندما حكم زايد استراح الناس وشعرنا بالأمان الذي بعثه بين جميع القبائل التي عدل زايد أمورها بالعدل والأمان وأصبحنا نعيش بروح الأسرة الواحدة، فالعدالة تسود الجميع وزايد هو أب الجميع يستقبلنا ويجلس معنا تحت ظلال شجرة خارج قصر المويجعي وأعلن منذ توليه مقاليد الحكم تسخير الثروات من أجل بناء تقدم الوطن ورفع مستوى معيشة المواطنين. ويرجع بن حم بالذاكرة إلى عام 1974 أثناء انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الثاني في مدينة لاهور الباكستانية.

قائلاً: كان الشيخ زايد يرأس وفد الدولة وأثناء جلوسنا في احدى زوايا ردهات المؤتمر تقدم صحافي بريطاني واقترب من الشيخ زايد محاولاً الوصول إليه لإجراء حديث معه وبينما حاول الحرس منعه من ذلك شاهد الشيخ زايد هذا الموقف وطلب من الحرس السماح للصحافي بالاقتراب وأمره بالجلوس بجواره مستفسراً عن رغبته وحاجته إلا ان الصحافي بادره بسؤال قائلا: معروف عن سموكم ترفيه الشعب فتغدق عليهم المال والكماليات والممتلكات وتوفر لهم الخدمات والسكن الفاخر والرعاية الصحية والتعليم مجانا بدون أي مقابل حتى ولو رمزي.. فما هو رد سموكم؟.

يضيف: شعرنا بصعوبة الإجابة.. ولكن الشيخ زايد بادرنا جميعا بالإجابة وكأنها حاضرة في ذهنه منذ زمن بعيد وعلى الفور وبدون تردد سأل الصحافي: هل أنت متزوج؟.. وهل لديك أطفال؟.. وهل تتكفل بعلاج وتعليم أبنائك وتوفر لهم الخدمات الضرورية؟.. فأجابه بنعم.. وهنا اقترب الشيخ زايد منه قليلاً وكأنه يهمس في أذنه وأجابه قائلاً: أنا عندي يقين راسخ إن شعب الإمارات هم جميعاً أبنائي وأنا الأب المسؤول عن توفير كل احتياجاتهم ومستلزماتهم الضرورية مثلما توفر أنت حاجات أبنائك.. وأنهى إجابته بالقول «اللي ما يربي عياله في حياته متى يربيهم؟».. وهنا ذهلنا جميعاً برد زايد وإجاباته المحكمة بمن فيهم الصحافي البريطاني الذي ابتسم ابتسامة خفيفة وانسحب بهدوء. وتابع بن حم «حتى ذكاءه الفطري وظفه في خدمة شعبه داخلياً وخارجياً».

وعلق الشيخ سالم بن مسلم بن حم على هذا الموقف: يربط البعض بين ازدهار الإمارات و النفط، ولكن هناك مناطق كثيرة من العالم. دول عديدة تمتلك النفط و لم تحقق لشعبها ووطنها ما حققته دولتنا من ازدهار.

وتابع: الحق ان الإمارات ونجاحها هي من بعد فضل الله تعالى وتوفيقه ومنه وكرمه هي هبة الشيخ زايد والشيخ راشد وإخوانهما الذين غرسوا غرسها وسقوه بعرق جهودهم وصبرهم وتضحياتهم.

أقوال وأحاديث ويتذكر أقوال وأحاديث زايد التي يكررها على مسامعهم دائما في مجالسهم قائلا: زايد مثل الأب الكبير الذي يرعى أسرته ويتعهد أولاده ويأخذ بيدهم حتى يتجاوزوا الصعاب ويشقوا طريقهم في الحياة بنجاح ويؤكد باستمرار حرصه البالغ على تحقيق سعادة أبنائه المواطنين.. ويقول لنا دائما «إن الرئيس إذا لم يرع شعبه وأبناء دولته فإنه لا يستفيد ولا يفيد كذلك فإن أبناء الشعب لا يكون عندهم إحساس أن وراءهم راع يلتفت لهم ويهتم بهم ويرعاهم»..

كما يؤكد «أن الرئيس كالوالد تماما فمثل ما يهتم الوالد الحنون بتربية أبنائه ورعايتهم انطلاقا من واجبه تجاههم فإن على الرئيس أن يرعى كذلك أبناء شعبه ويهتم بهم ويعرف عنهم كل شيء بدقة فالتربية والرعاية سواء أكانت من الرئيس أو الوالد واجبة وبعد ذلك التوفيق من عند الله».

وأكد بن حم أن أولويات زايد كانت إقامة المدارس والمساكن والخدمات الطبية وإنشاء المطارات والموانئ وشق الطرقات وبناء الجسور وانقلبت الإمارات التي كانت في أحضان الرمال قبل أن يأتي زايد إلى أكبر ورشة عمل في كل اتجاه وأصبح هدير الآلات في كل مكان وانتقل آلاف الأهالي من منازل العريش والطين إلى البيوت الصحية النظيفة وامتدت الطرق الحديثة فوق رمال الصحراء ودخلت المياه العذبة والكهرباء إلى كل بيت وانتقل التعليم من نظام الكتاتيب إلى المدارس العصرية.

وانتشرت المدارس على اختلاف مراحلها في كل بقعة من البلاد وفتحت عشرات الفصول الجديدة لمحو أمية من فاتهم قطار التعليم وبدأت العيادات في تقديم خدماتها الطبية للبدو في الصحراء بعد أن حرموا من الرعاية الصحية طويلا ونجحت المسيرة في تعويض قرون من التخلف والجمود.

وتابع «حرص المرحوم على رعاية أبنائه المواطنين وارتبط بهم وعمل على متابعة أحوالهم حتى يكاد يلم بظروف كل مواطن وأحوال كل منطقة في أرجاء الوطن وأصبح أطفال الدولة كلهم يقولون «أبونا زايد».

فقد أحبوه وهم لم يروه لأن كل عرق فيهم ينبض بحب زايد وسيغرسون هذا الحب في أبنائهم ليورثوه أبناءهم وسيظل زايد يحبه الإنسان والمكان والزمان».

ومضى يقول «زايد غرس الحب والعطاء فحصد العرفان والوفاء من الجميع». وانتهى إلى القول: لقد عاش زايد وحتى أيامه الأخيرة على عهده بالعين وأهلها، يزورها، ويعاودها، يتجول في مناطقها، ويتفقد ويشاهد على الطبيعة مشاريعها التنموية ولا يتوانى في أعطاء توجيهات جديدة بإقامة مزيد من المشروعات الخدمية والتطويرية، تجسيدا لحرصه على توفير أكبر قدر ممكن من الرخاء والرفاهية للمواطنين ولإضفاء مزيد من عناصر الجذب السياحي واللمسات الجمالية على هذه المدينة الجميلة.. مدينة الخضرة والجمال والمعالم الحضارية والتاريخية البارزة.

وتابع «كان يسير على قدميه في وهج الصيف اللاهب وفي مواقع غزيرة الرمال يتابع سير العمل في المشروعات ليصنع من الصحراء جنة».

وأضاف بن حم: كان الشيخ زايد يتابع كل صغيرة وكبيرة ولا يترك أمرا إلا بت فيه وفي جعبته حل لكل معضلة.. مشيرا إلى انه عندما طالت يد التعمير جزيرة صير بني ياس تذمر العمال من طبيعة الجزيرة وكثرة انتشار الزواحف بها وتوقفوا عن العمل خوفا من الزواحف ولبعدها من المستشفيات، وعندما وصل الخبر للشيخ زايد أمر بصرف مكافآت تشجيعية لهم، فتحول إضرابهم عن العمل إلى عزيمة وإصرار من أجل الإمساك بالزواحف الموجودة وتنظيف الجزيرة منها، لدرجة أن العمال تركوا أعمالهم وهبوا لتنظيف الجزيرة. ومضى يقول «كانت أبوظبي والعين وكل شبر في الإمارات يستأثر بجل اهتمامه وخدم الإمارات بإخلاص وجد فقد كان طيبا ويسر القلب ويسعد النظر».

الصيد والقنص

وأكد أن الشيخ زايد كان مولعا بالقنص والصيد وكان يعشق رحلات القنص في ربوع الإمارات وخارجها «كان زايد قناصا بارعا يهوى الصيد بالصقور ويمضي فصل الشتاء في القنص وأحب الصقور لقلبه الحر والشاهين وينظم مع رفاقه رحلات للصيد والقنص يعود بعدها إلى أبوظبي أو العين». وأضاف: كان فارسا مغوارا يحب ركوب الإبل والخيل وحتى في شهر رمضان كان يركب الخيل ويذهب للقنص وهو صائم. ومضى يقول: علمنا زايد أدق تفاصيل وأسرار الطيور وعرفنا منه أن الحر أقدر في القنص من الشاهين على الرغم أن الشاهين أسرع.

وقال: كان زايد لا يعتبر رحلات الصيد والقنص للترفية فقط بل كان يعتبرها للعمل ولا تخلو رحلة القنص من جلوسه إلى الناس والتحدث معهم بكل صراحة حول كل ما يدور في أذهانهم ويستمع إلى رغباتهم وتطلعاتهم بصدر رحب.

وأضاف: منذ بدأ عهده أيقن أبناء وطنه وأمته، أنهم إزاء حاكم استثنائي تلخصت فيه كل معاني الإنسانية، وهي معان صارت أساسا راسخا لمسيرته الطويلة، وكان فقيد الوطن بحق نصيرا للإنسانية، وتعدت إنسانيته الإمارات التي غمرها حبا وعطاء لتصل إلى شتى بقاع الدنيا.

ونقش اسمه بأحرف من نور ليس في التاريخ فحسب، ولكن في قلوب البسطاء والمحتاجين الذين مد إليهم يد العون والمساعدة فأقام لهم دور العبادة والمستشفيات والمؤسسات الخيرية فتبدلت حياتهم من معاناة وكرب إلى هناء وعز.

وخلص إلى القول: لابد ان نعترف أنه من الصعب علينا أن نسطر كل ما يجيش في صدورنا وصدور كل المحبين لزايد الخير فللرجل تاريخ حافل بأسطر نيرة ومضيئة ومسيرة عطاء تمتد آثارها ومعالمها على طول وعرض ساحة الوطن العربي وبلدان إسلامية كثيرة وله في وطنه ثمار جهد وتعب متواصل حققت نهضة عملاقة يتباهى بها أبناء الإمارات ويواصلون مع قائدهم دروب نمائهم وعزتهم.