لا يختلف اثنان على أن الأسرة هي الجوهر الحقيقي للمجتمع، والأساس الذي يبنى عليه منجزاته لبنةً لبنة، وما من شك أن الأم في تلك الأسرة هي قطب الرحى الذي تدور حوله قيمة الأسرة صعوداً وهبوطاً، ومن ورائها المجتمع ككل، فهذان المحوران،الأم والأسرة، هما الدعامتان اللتان لا ينفك المجتمع الساعي للكمال عن الاهتمام بهما وتقدير جهودهما والحرص على تتبع نجاحهما لتتويجه وتعزيزه، والكشف عن الثغرات لتلافيها وتجنبها.

ومن هذا المنطلق النبيل كانت رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي واضحة جداً في هذا الخصوص.حيث غرس منذ سنوات بذرة الخير والتكريم من خلال إطلاقه لجائزة الأم العربية المثالية والأسرة العربية المثالية خلال مهرجان دبي للتسوق 2000 لتصبح هاتان الجائزتان ضمن الفعاليات الرئيسية للمهرجان، فلا حدود تقف في وجه إعطاء الناجح حقه من تبجيل، والشد على يده وجعله مثلاً يحتذى لكامل المجتمع العربي عبر الآفاق.

واليوم، وفي الدورة السابعة والثامنة لجائزتي الأم والأسرة العربية المثاليتين، يحمل لواء الإشراف والرعاية الكريمة سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، إيماناً من سموه بالدور الكبير الذي يقع على عاتق الأسر العربية في سبيل النهوض بواقع المجتمع وتوثيق العلاقات بين جميع أفرادها.

وللوقوف على أبعاد رؤية سموه لمستقبل الجائزتين وكيف ينظر إليهما وما الذي يحمله لهما كان لنا هذا الحوار مع سموه:

ـ لا شك في أن جائزتي الأم العربية والأسرة المثاليتين أصبحتا منبراً ترنو إليهما الأمهات والأسر العربية لتقديم أفضل ما عندها من تجارب تربوية ناجحة، بحيث زاد الإقبال عليهما بشكل كبير، فما هي رؤية سموكم في ظل رعايتكم الكريمة لتطويرهما وكيف ترونهما بعيون المستقبل؟

ـ لا يخفى على أحد أن هاتين الجائزتين باتتا تستقطبان أعداداً كبيرة من المشاركين وأصبح لهما موقعٌ على الساحة العربية بعد انقضاء حوالي 6 سنوات على انطلاقهما، فهذه المشاركة الواسعة تحتم علينا مواكبة لائقة بهما، وسنعمل على تطوير آلية اختيار الفائزين من خلال فريق العمل المحترف مع الأخذ بالاعتبار أهم معايير الموضوعية في الاختيار، وعلى تطوير أساليب التناول الإعلامي لهما بحيث يصلان إلى الأسر العربية في جميع دول العالم، من خلال وسائل الإعلام المختلفة.

وبخصوص رؤيتي لمستقبل الجائزتين فأستطيع القول بأني أؤمن بأن النجاح حليف الاجتهاد والعمل الدؤوب بشرط أن يكون التخطيط والتنظيم والإدارة المحكمة منهجا له، ولذلك أرى الجائزتين تنيران سبيل الأمهات والأسر وتضمدان جروحهما في العديد من الدول العربية وترفعان من شأنهما على الساحة المحلية.

احترام أصحاب التضحيات

ـ تعودنا أن يكون المجتمع الإماراتي الحاضن الكبير لمختلف التجارب والثقافات الرائدة، فما الذي، من وجهة نظركم، يمكن أن تضيفه هذه الجوائز من تعزيز لثقافة المجتمع الإماراتي المحلية؟

ـ إن أهم إضافة لعادات المجتمع الإماراتي وثقافته المحلية من خلال هاتين الجائزتين هي تكريس مفهوم التكافل الاجتماعي والتضحية دون تفريق بين جماعة وأخرى سعياً لترسيخ مفهوم الحب المطلق وتقديم المساعدة للجميع، ونحاول من خلال هذه الجائزة أن نعلم الأجيال الناشئة كيف يتم احترام أصحاب التضحيات والخبرات.

وكيف يجب أن نتخذ منهم أسوة حسنة نستحضرها في أوقات الأزمات، هذه المعاني كلها توطد لمفاهيم إنسانية عميقة تعمل على حماية المجتمع من أي زلزال قد يحاول ضرب الأخلاق والتربية.

ـ لقد بلغت الجائزتان مبلغاً أصبحت فيه نوعاً من التميز المحلي بصبغة عربية، تمنحها هذه الصبغة خاصية البقاء وتظهر مدى اهتمام الإمارات بها، هل تأتي الخصوصية للأم العربية نتيجة تضحياتها الكثيرة ومعاناتها المتكررة في ظل الظروف القاسية التي تعيشها ؟

ـ بالطبع، فإن الوطن العربي بدوله المختلفة وبشعبه العريض وقع تحت وطأة الركود الحضاري لسنوات طويلة وتجمد خارج الزمن في قوالب بعيدة عن التطور ومواكبة العصر، نتج عنه واقع مؤلم عاشته بعض الأسر في الدول العربية، وكانت الأم الخاسر الأكبر فيه وصاحبة المسؤولية الأولى، من هذا المنطلق ارتأينا أن نكرم الأم العربية المثالية ونميزها عن غيرها بهذه الجائزة بسبب تغلبها على تلك الظروف الصعبة وإيجاد بيئة تضمن لها الحفاظ على أفراد أسرتها بأقل الخسائر.

تعزيز مكانة الأسر

ـ هل لنا أن نعرف وجهة نظركم في الكيفية التي تعزز بها الجائزتان من مكانة الأسرة العربية؟

ـ لا تنفصل بحال من الأحوال الأسرة الإماراتية عن الأسرة العربية، حيث تتحد معها بالعديد من العادات والتقاليد والأعراف إضافة إلى محافظتها على التعاليم الدينية التي تجمعها تحت مظلة واحدة، وبناء على نتائج السنوات الماضية للجائزة اتضح لنا أن نسبة كبيرة من الأسر الفائزة والأمهات كانت من دول عربية شقيقة.

وهذا الفوز يصب بالتالي في خانة إشعار الأسر العربية ذات الإمكانات المحدودة بأن هناك من يحترمهم ويقدر تجربتهم في الحياة، ويدفع المجتمعات العربية نفسها لتوأمة الجائزة والاستفادة منها وتطبيقها في بلادهم، وبالتالي دخول العديد من الأسر ضمن بوتقة هدف الجائزتين وتعزيز مكانة الأسر عن طريقهما.

ـ من موقعكم القيادي الجديد الذي تبوأتموه كرئيس للمجلس التنفيذي لإمارة دبي هل هناك توجه لإنجاز برامج خاصة للأم والأسرة الإماراتية؟

ـ لقد كانت دبي ولا تزال تسعى لمنح الأسرة الإماراتية خصوصية لها طابعها المتزن. وبفضل توجيهات الوالد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي تولي دبي اهتماماً كبيراً بالبرامج الأسرية والاجتماعية والثقافية تمتد طيلة أيام العام تنظمها العديد من المؤسسات الاجتماعية كأنشطة «جمعية النهضة النسائية» وبرنامج «نساء وطني» .

وفعاليات مراكز الأمومة والطفولة، والاتحادات النسائية، وجهود برامج التطوير الحكومي من خلال توفير بيئة عمل مريحة للأم الموظفة وتوفير جميع مستلزمات الأسرة من مراكز حضانة وتعليم وصحة وبيئة اقتصادية تلبي حاجاتها.

عالمية التقدير

ـ من منطلق توجه دبي للعالمية هل نتوقع أن تصبح الجائزة عالمية في السنوات المقبلة خاصة وأن دور الأم العربية ومعاناتها مشتركة مع أمهات العالم حتى ولو اختلفت نسبها ؟

ـ إن تكريم الأم أياً كانت هو تكريم لجميع الأمهات، فأنا عندما أرى الأم الفلسطينية أو اللبنانية تُكرم فهذا يعني أن أمي هي التي تكرم، ففي ظل المعاناة تتوحد المشاعر والشخوص ليصبح الألم مشتركاً، والسعادة واحدة، كذلك الحال في النظر إلى جميع أمهات العالم، وأما حصرها بالأم العربية فلأنها الأقرب إلينا مشاركة بآلامها ومعاناتها وتضحياتها.

ـ الجائزة هي الأولى والأكبر في الوطن العربي وتعد إحدى الباقات التي كانت دبي سباقة إليها في محافلها على الصعيدين المحلي والعربي، ماذا يضيف هذا الفوز «الاجتماعي» لمضمار الجوائز الأخرى؟

ـ إن كل فوز لدبي هو فوز للإمارات ولشعبها وللوطن العربي أجمع، ويضاف إلى الرصيد العام الذي تحققه دبي في معظم نجاحاتها، وكون دبي كانت سباقة بسن هذه الجائزة فهو يعني أنها تدرك معنى النجاح وكيفية تحقيقها للمركز الأول في كل شيء تسعى إليه، وتعرف كيف تنال إعجاب الجميع على الصعيد المحلي والعربي والدولي.

أمة تقدر الأم

ـ كيف نستطيع استثمار الجائزتين في تعزيز مكانة الأسرة الإماراتية والعربية ؟

ـ إن مكانة الأسرة العربية والإماراتية ما زالت محفوظة ولها تقديرها الخاص، أما الجائزتان فإنهما تعكسان مظهراً حضارياً أمام الدول الغربية التي باتت تنسحب من ميادين الترابط الأسري، وتبعثان برسالة واضحة إلى أننا أمة تقدر الأم والأسرة وتحافظ عليهما وتسعى للنهوض بهما، في إطار الجوانب الأخرى التي تعيش حالة النهوض ذاته.

ومن منطلق الرؤية العالمية تعد الجائزتان خير دليل على أننا كمسلمين وعرب نحترم الأم ونكرمها، وما هو باحترام آني بقدر ما هو تذكير بفضلها في الوقت الذي بات دورها يهمش في بعض المجتمعات.

ـ كيف تنظرون، سموكم، إلى واقع الأسرة الإماراتية في ظل المتغيرات والمستجدات التي فرضتها طبيعة التطورات الاقتصادية الهائلة على الساحة الاجتماعية؟ وكيف تقيمون المزاعم التي تدعي أن هناك شرخاً في العلاقات الأسرية بسبب الطفرة الحضارية؟

ـ من المجحف القول إن هناك شرخاً في العلاقة بين أفراد الأسرة أو مع مجموع الأسر أو أفراد المجتمع ككل بسبب الانفتاح الاقتصادي الذي تشهده الدولة، في الوقت نفسه لا ننكر بأن الانفتاح الكبير والنجاح الاقتصادي الذي تحققه دبي يوماً بعد آخر واجتياح وسائل الاتصال المتعددة والتقنيات الحديثة حياة الناس وتفاصيلها قد أفرز سلبيات اجتماعية سطحت علاقة الأشخاص في بعض مراحلها، ولكننا نؤكد كذلك بأن لهذه السلبيات حلولاً ناجعة نعمل على تفعليها واستنباتها في تربة المجتمع المختلفة.

وإذا ما نظرنا إلى الجانب الإيجابي نجد أن النظرية القائلة بتوطيد علاقة أفراد المجتمع بسبب الانفتاح الاقتصادي تتحقق بدرجة مرتفعة في مجتمعنا، حيث تنشأ علاقة عمل تبادلية بين الناس تنتج عنها علاقة اجتماعية حميمة، لا تعترف إلا بالقيم والعمل والمبادئ، فالنجاح في الاقتصاد يعني النجاح في باقي نواحي الحياة وأنشطتها بشرط أن يكون لهذا النجاح والانفتاح حارس هي المبادئ والأخلاق.

ـ هل هناك توجه للمّ شمل الأسرة وضم الأب المثالي والأخت المثالية والأخ المثالي للأم؟

ـ بناء على تكريم الأسرة المثالية التي أفردنا لها جائزة خاصة يتم التكريم ضمنياً للأب والأخ والأخت وجميع أفراد الأسرة، أما إفراد الأم بجائزة عن بقية أفراد الأسرة فهو لما لها من شأن عالٍ عندنا في المجتمع الإماراتي .

وفي الدول العربية ولما لها من مكانة حددها القرآن الكريم بقوله تعالى «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا» وبالسنة النبوية بقوله صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي جاء يسأل عن أحق الناس بصحبته فقال له « أمك ثم أمك ثم أمك».

ـ عندما نتحدث مع سموكم نجد أنفسنا أمام الرجل الفارس والشاعر في آن واحد؛ الفارس بالإقدام والشجاعة والقيادة وسبر آفاق المجهول، والشاعر الذي يحمل بين جنبيه العواطف والوجدانيات من حب وفرح وحزن ونجوى، ما هي المكانة التي تحظى بها الأم عند سموكم كشاعر؟

ـ سأحاول تلخيص فكرتي بقصيدة سبق وأن كتبتها بعنوان «إلى أمي ... مع التحية» أقول فيها:

وش خانة «دبي» وْبَحَرْهَا

مادام شمس دبي ما حد

تبكي فيافيها وشجَرْهَا

والطير عيّا ما يغرّد

و«زعبيل» لى مظلم قصرْهَا

ما به سوى صوت الصدى يْرِدّ

وِنْجوم تسأل عن بدرها

لى ينير داجي الليل الاسود

يا شمعة الدار وسفرْهَا

يا أمّي من الشوق آتوقد

إن كان شِعْري ما حصرْهَا

الاشواق تظهر في التنهد

تجيب لي النسمه عطرها

لى يْغَار منّه فايح الورد

القلب ينبض به ذكرها

وِطْيوفها في العين ترقد

الله يطولْ في عمرْهَا

وتبقى لنا وبعمرها يمِدّ

وعساه ما يطولْ سفرْهَا

وِلْنا بخير إنشاء الله تْرِد.