ثمرات شهر رمضان وبركاته كثيرة ومتعددة، لو أحسن الإنسان الإقبال على الله، على الوجه الذي يريده الله عز وجل وكل هذه الثمرات تصب في النهاية لصالح هذا الإنسان، بل هي تتعداه لتفيض على أسرته وجيرانه، ودائرة عمله وهكذا تنداح الدائرة حيثما تحرك وسار.

وعلى قدر استفادة الإنسان من شهر رمضان ونجاحه في الانصهار به، فإن ثمرات ذلك وبركاته وأنواره تستمر معه لأطول فترة ممكنة ـ إن لم أقل العمر كله فيبقى مراقباً لنفسه، متابعاً لهمساتها، مدققاً في حركاتها وسكناتها، حذراً من وساوسها وإيحاءاتها، متيقظاً لمنعرجات الطريق، ذلك لأن الطريق طويل، والمنعطفات فيه كثيرة، والالتواءات فيه مخيفة، والسير في غفلة وشرود قد يجعل المركبة تدخل في طريق فرعي وعر، فإذا بصاحبها يجد نفسه وسط المتاهة يقلّب نظره في السماء، ومن ثَمّ فلابد من اليقظة المستمرة والحذر الدائم.

ومن عجائب هذه اليقظة: أنها تولّد من النور نوراً، وتستخرج من الثمرات ثمرات أخرى كانت غائبة عن العين، فإذا العمر مباركش بفضل الله تعالى.. وتلك نعمة لا تزال تسمو بالإنسان، فتحلو به ومعه الحياة.

يلاحظ بوضوح مثلاً أن تتجسد للعيان أخلاقيات سماوية رائعة، وتتجلى قضايا إيمانية عميقة، فرقابة الله عز وجل ـ مثلاً ـ تكون في ذروتها لدى الإنسان ـ وهذا هو مقام الإحسان كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن هذا المقام فقال: (ان تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)

فأنت تلاحظ ـ في ذات نفسك، وفي جميع لمحيطين بك، ان رقابة الله تكون أوضح ما تكون بعد درس رمضان.

حيث لا يسمح أحدنا لهواه أن يغلبه، مهما كان ضغط هذا الهوى على نفسه، حتى حين يخلو بنفسه، حيث لا تراه عين بشر، تجده يستشعر قرب الله تعالى منه، ورقابته عليه، ومحاسبته إياه، هذه ـ مثلاً ـ علبة التدخين.. على مقربة من هذا الإنسان المبتلى بها، والذي يزعم أنه لا يستطيع الاستغناء عنها، هاهي في متناول يده، ولا يحول بينه وبينها أحد، وهذه المعشوقة التي توله بها قلبه تدعوه بإلحاح مثير، ولكنه ـ في هذه اللحظة ـ ينظر إليها في استعلاء، ولا يبالي بها، ولا يكترث لإيحاءاتها، ذلك لأن رقابة الله قد ملأت عليه نفسه.

والخوف من سخط الله قد عمر قلبه، ومن ثَمّ ألزم نفسه الإعراض عنها وإن كرهت، وفي هذا درس عظيم لأولئك الذين يزعمون أنهم غير قادرين على الخلاص منها ولو لساعة من نهار..! وهكذا قل في بقية الشهوات التي يحسب الإنسان أنه قد أصبح أسيراً مستذل النفس لها.. وقد قيل في هذا المعنى الإيماني العميق:

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوتُ، ولكن قل عليّ رقيبُ

ولا تحسبنّ الله يغفلُ ساعةً ولا أنّ ما يُخفى، عليه يغيبُ

فإذا تصورنا أن مجتمعاً ما استمر على هذه الصورة الوضيئة النقية، بقية أشهر السنة، فإننا يمكن أن نقول: لقد استطاع الإسلام أن يصنع في دنيا الناس ملائكة يمشون على الأرض أرجلهم تطأ الثرى، وأرواحهم مشدودة إلى الملأ الأعلى، وخيرهم عام على الحياة:

أولئك قومي بارك الله فيهمُ على كل حالِ ما أعفّ وأكرما

أحمد عبدالمجيد