اتخذت من الزاوية الخلفية لأحد الأسواق مكانا تتسول فيه فرغم أن تلك الزاوية بعيدة عن الأنظار وعن المتسوقين إلا أنها اكتفت بما تحصل عليه حتى ولو كان قليلا.كانت تأتي لتلك الزاوية في الليل وكأنها تهرب من أشعة الشمس ومن ضوء النهار لقد كانت تكره الضوء لأنها مصابة بحروق في كل وجهها فالضوء يذكرها بالنار التي أتت على كل جزء من وجهها ولم تبق لها إلا عين واحدة.

الخمار الأسود

وكانت «س» تضع على وجهها خمارا اسود وذلك لإخفاء معالمه حتى لا يتقزز منها احد فقد كانت هي نفسها لا تطيق أن تنظر إلى المرآة لبشاعة وجهها فكيف إذاً بالآخرين؟ في بعض الأحيان كانت «س» تتعرض لمواقف محرجة فقد كان بعض الذين يعطونها الصدقات يسألونها لماذا تتسولين وأنت كما يبدو عليك صبية لم تتجاوزي العشرين أو في بداية العشرين من عمرك فكانت ترد عليهم بان أحدا لن يقوم بتشغيلها إن رأي وجهها لشدة قبحه وعندما كانوا يرون وجهها يصابون بالصدمة لشدة بشاعته.

فقد أكلت النار جبهتها ومزقت شفتها السفلى إلى قسمين وأخذت عينها اليمنى من مكانها ولم يبق لها سوى العين اليسرى أما أسنانها فقد بقيت بدون شفة علوية تحميها بعد أن تقلصت بسبب النيران لذا فإن أي إنسان ينظر إليها لا يستطيع أن يكمل نظرته حيث يسحب بصره وفكره حتى لا يتذكر هذه الصورة البشعة مرة أخرى.

أذيع خبر هذا الوجه بين كثير من الناس حتى أن البعض كان يأتي من مكان بعيد فقط ليعطيها ما قسمه الله لها كانت «س» تمكث في مكانها حتى ساعة متأخرة من الليل ثم تنسل إلى بيتها تحت جنح الظلام كما جاءت. أما كيف تعيش ومع من وأين فلا احد يعرف عنها شيئا استمرت «س» على هذا الحال أكثر من أربع سنوات لا احد يعرف قصتها!

الغياب فجأة

فجأة تغيبت «س» عن مكانها حتى أن بعض الذين كانوا يأتون ليعطوها بعض الصدقات شعروا أنهم فقدوا شيئا ما ، استمر غياب المرأة أكثر من سنة ونصف السنة حيث أشاع البعض أنها ماتت فيما أشاع آخرون أنها سافرت إلى بلدها في حين قال طرف ثالث: لعل بعض الجهات الخيرية عطفت عليها لتعيش عندها

ومهما كان السبب في غيابها إلا أن هذا الغياب اثر في نفوس بعض الناس الذين كانوا يترددون على السوق ويروها بصفة دائمة أو أصحاب بعض المحلات حيث كانت تجلس «س» بالقرب منهم.بعد هذا الغياب الطويل رجعت المرأة إلى مكانها من جديد بدأت الصدقات تتدفق عليها كالسابق خاصة انه بعد أن استفسر البعض عن غيابها قالت إنها كانت مريضة ولا تقوى على الحركة.

جمعية خيرية تتدخل

في إحدى الليالي جاءت إحدى السيدات من جمعية خيرية تريد أن تقدم لـ «س» المساعدة وقالت السيدة لـ «س» إن حالتها الصحية وما يتعلق بوجهها وصلت إلى بعض أصحاب القلوب الرحيمة وإن الجمعية تريد أن تقدم كل مساعدة لك خاصة أن بعض المحسنين على استعداد لعلاجك؛ وان ذلك سيتم عن طريق الجمعية فرحت «س» بهذه الأخبار وقالت: وجهي ليس له علاج لان جزءا كبيرا منه قد احترق بالكامل كما أن عيني يصعب علاجها وان كان هناك مجال للمساعدة المادية فهذا أفضل.

في الليلة التالية رجعت مندوبة الجمعية الخيرية وعرضت على «س» علاجها فقد استعد احد الخيرين لعلاجها حتى ولو أدى ذلك للقيام بعملية ترقيع للوجه.قالت «س» إنني غير مستعدة هذه الليلة للذهاب وربما في وقت آخر ثم أخذت من المندوبة عنوان الجمعية ووعدتها بأنها ستزورها قريبا.

انتظرت مندوبة الجمعية كثيرا إلا أن «س» لم تأت وهكذا عادت المرأة إلى الاختفاء من جديد ونسي الناس وكذلك مندوبة الجمعية قصتها.في احد الأيام كانت مندوبة الجمعية تجلس مع بعض الصديقات فقالت لها أحداهن إنها رأت امرأة مشوهة الوجه ومحروقة بشكل بشع فلماذا لا تساعدها الجمعية؟ أجابت المندوبة لقد حاولت الجمعية مساعدتها وقصت على النسوة ما دار بينها وبين المرأة

وكيف أن فاعل خير كان يريد علاجها على حسابه الخاص إلا أنها «أي السيدة المحروقة» تهربت من ذلك وطلبت مساعدة مادية بدلا من العلاج.وهكذا اتفقت مندوبة الجمعية والسيدة التي رأت المرأة المحروقة على أن تذهبان معا للحديث مع «س» مرة ثانية لعلها تقتنع أن تعالج وجهها.

المفاجأة

ذهبت السيدتان لمقابلة «س» في مكانها الجديد في زاوية جانبية لأحد الأسواق الكبيرة وشاهدا طفلا يبلغ عمره نحو 4 سنوات يجلس معها وعندما شاهدت «س» مندوبة الجمعية أمامها حاولت أن تبتعد عنها إلا أن مندوبة الجمعية لاحقتها وطلبت منها أن تشرح لها سبب رفضها للعلاج.

أجابتها: إني يائسة من ذلك ولا أريد علاجا. وسألتها مندوبة الجمعية عن الطفل قالت لها إنه أخوها. دار حديث قصير بين مندوبة الجمعية و«س» وخلال هذا الحديث كان الطفل ينادي «س» بكلمة ماما وهنا بدأ الشك يتسرب إلى نفس مندوبة الجمعية وعندما سألتها لماذا ينادي؛ الطفل بماما إذا كنت أخته؟ فقالت لها إنه متعود على ذلك لأنني أنا التي ربيته بعد موت والدتنا وقبل أن تنهي مندوبة الجمعية كلامها كانت «س» تأخذ يد الطفل وتذهب بعيدا لتغيب بين الناس.

أحست مندوبة الجمعية أن الطريقة التي تتصرف بها «س» توحي بالشك والاهم من ذلك هو أن «س» عندما أخذت بيد الطفل وانطلقت به بسرعة وبدون تعثر وهذا لا يمكن أن يتأتى لشخص فاقد عينه وهذا ما زاد شكوك مندوبة الجمعية الخيرية التي نقلت شكوكها إلى رئيسها في الجمعية.

طلب رئيس الجمعية من المندوبة أن تتابع الأمر فقد تكون شكوكها صحيحة وقد تكون خاطئة بدأت مندوبة الجمعية وسيدة أخرى من الجمعية أيضا متابعة «س» حتى رأينها في مكان ما بالقرب من مجمع تجاري وهنا قالت لها مندوبة الجمعية نحن نريد مساعدتك وأنت ترفضين فإما أن تقولي لنا الحقيقة وإلا سنبلغ الشرطة عنك الآن ولن ندعك تذهبين قبل أن نعرف الحقيقة.

حاولت «س» أن تهرب من الموقف إلا أن السيدتين احاطتاها ومنعتاها من الهروب واتصلت احدهما بالشرطة عن طريق هاتفها النقال وهنا قالت «س» أرجوك أغلقي الهاتف وسأقول لك كل شيء.

أغلقت السيدة الهاتف وبدأت «س» تروي للسيدتين قصتها قالت لهما: إنني متزوجة من ست سنوات وزوجي يعمل في إحدى الشركات بمرتب جيد وكانت الحياة في السنوات الثلاث الأولى تسير على ما يرام وبقيت كذلك حتى أدمن زوجي الكحول فانفق كل ما لديه من مال وبدأ يستدين من أصدقائه ومن البنوك كما بدأ يتأخر عن عمله خاصة في فترة الصباح ما دفع مدير الشركة لان يطرده ومنذ ذلك الحين وأنا التي انفق على البيت أقوم بالتسول ،

وفي احد الأيام تعرضت لموقف خطير حيث شاهدني بعض الشباب وأنا أتسول فحاولوا اخذي بسيارتهم بالقوة إلا أنني بدأت اصرخ فهربوا وعندما عدت إلى البيت أخبرت زوجي بما حصل لي وقلت له إنني لن أقوم بهذا العمل بعد الآن لأنه يسبب لي الكثير من الإحراج والأذى النفسي عندها ضربني وهددني إذا لم استمر في التسول فإنه سيقتلني فقلت له أريد أن أعود إلى بلادي فوافق خاصة وأنني أنجبت قبل نحو سنة ونصف السنة ابني الثاني فأصبح الحمل عليه ثقيلا فلو سافرت إلى بلادي فسيذهب هو لينام عند أصدقائه من السكارى ولن يضطر إلى استئجار بيت من غرفتين.

وقالت لها مندوبة الجمعية فما سر الحروق التي في وجهك؟ وهنا اجهشت «س» بالبكاء وقالت لها وجهي ليس فيه أية حروق بل وجهي جميل جدا والذي أضعه على وجهي هو قناع اشتراه لي زوجي حتى أضعه على وجهي وذلك كي لا أتعرض لأية مضايفات من الرجال بسبب جمالي وثانيا عندما يرى وجهي أي شخص فانه سيشعر بالتعاطف معي ويعطيني المزيد من المال.

وهنا خلعت «س» القناع عن وجهها فبدا جميلا بشكل لا يمكن تخيله أثرت هذه القصة في السيدتين وقالت لها وكيف نستطيع مساعدتك الآن؟ أجابت «س» إن زوجي من حيث المبدأ لا يمانع من سفرها هي واولادها لكنه لا يستطيع أن يشتري لنا تذاكر سفر لذا علي أن أتدبر أمري بنفسي.وأضافت لدي مبلغ من المال استطيع أن اشتري به تذكرتين للسفر ولكن علي أولا أن ادفع القسط المتبقي من إيجار البيت وان أعطي زوجي مبلغا آخر قبل سفر وإلا فانه لن يسمح لي بالسفر ثم علي شراء تذكرة لي.

وهنا قالت لها مندوبة الجمعية إنها ستحقق معها وستساعدها إن هي تأكدت ان روايتها صحيحة ووافقت «س» على ذلك وأعطت عنوان بيتها لمندوبة الجمعية وجاءت لزيارتها «كصديقة» ومن خلال الحديث مع زوج «س» تأكدت مندوبة الجمعية ان ما قالته «س» صحيح وقدمت تقريرا إلى مدير الجمعية تطلب منه مساعدة «س» وشراء تذكرة سفر لها كي تعود إلى بلدها.

بعد اقل من ثلاثة أيام كانت مندوبة الجمعية في زيارة لبيت «س» حيث سلمتها ثلاث تذاكر سفر لها ولابنيها ومبلغا من المال يكفي أن تسد به القسط المتبقي عليها من البيت. وفي الوقت المحدد للسفر جاءت مندوبة الجمعية إلى بيت «س» لتوصلها بسيارتها الخاصة إلى المطار ودعت «س» المندوبة وشكرتها على صنيعها وقالت لها لدي هدية بسيطة ومتواضعة أريدك أن تقبليها مني مدت «س» يدها إلى حقيبتها

وأخرجت منها لفافة كان فيها «قناع الوجه الذي كانت تلبسه عندما كانت تتسول في الشوارع وبالقرب من الأسواق بعد اقل من عشرين دقيقة كان النداء الأخير لطائرة «س» انتهت العشرون دقيقة وحلقت «س» في الهواء مندفعة إلى بلادها تاركة وراءها القناع البشع الذي يذكرها ببشاعة زوجها وبشاعة مد اليد إلى الناس وبشاعة التسول وبشاعة الغربة وبشاعة الخمر والإدمان وبشاعة كل ما هو سيئ.

إعداد: احمد سلطان