قال الشيخ: حديثي اليوم يتناول ما أميل إلى تسميته بمدرسة المشاغبين التي جمعت وتجمع أعداداً من الكتاب والإعلاميين وحتى دور النشر ومواقع الانترنت. وهم أناس ومؤسسات يطغى على إنتاجهم ميل صبياني إلى المشاغبة والمشاكسة وقلة الاحترام والأدب فنراهم يجمعون كل ضار ومؤذ وغريب وشاذ ويقدمونه للناس ولعامتهم، وكل همهم وأملهم أن يزلزلوا العقائد ويطيحوا بالثوابت ويغربوا للناس عن إيمانهم وتاريخهم.

ومدرسة المشاغبين هذه مدرسة قديمة فهي على الأقل بدأت مع بدء ما يسمى بعصر النهضة العربية المتعثرة والمفلسة ـ كما أثبتت الأيام ـ إن لم نرجع إلى ما سبق من قرون وعصور. وقد تكفلت هذه المدرسة ولا تزال أن تثير الغبار في الوجوه، وأن تتطاول على النصوص تحت راية البحث العلمي.

وأن تطعن في الرموز من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان بحجة أن العصمة لا تجوز لمخلوق مهما بلغت مكانته وفضله، وأن تتهم المخلصين من الإسلاميين في ذممهم وأمانتهم العلمية والشخصية تحت عنوان النقد الموضوعي وحرية التفكير والتعبير، وأن تقدم للناس أشكالاً من اللهو مما يثير الغرائز ويغلب لغتها على لغة العقل مما يزيد في ميل الناس والشباب منهم بصفة خاصة إلى متابعة نتاجهم وتنازع مؤلفاتهم.

وأعضاء مدرسة المشاغبين ومدرسيها في مختلف البلدان اجتمعوا في صفات كأنهم قد تواضعوا عليها. فهم ماهرون في الكذب وتلفيق الأخبار واختراع الأقوال ونسبتها إلى من لم تصدر عنه، وهم بارعون في التنقيب والانتقاء للأخبار الضعيفة والأقوال الموضوعة.

ومنهم من يمضي جُلّ وقته في تصيدِ كل كذبة وردت في الكتب قديمها وحديثها ليخرج على الناس بمؤلفاتٍ تخالف ما تعارف عليه الناس، فتصدم الضمائر النظيفة وتسيء إلى صفاء النفوس العفيفة، وهم مجيدون في التأويل الذي لا أصل له وفي التعليل الذي لا منطق فيه، فينينطقون النصوص بما لم تقله ويستخرجون من أحداثٍ للتاريخ وسننه ما لا يعنيه أو يشير إليه.

حتى يؤدي الكذب والانتقاء والتأويل عندهم إلى معارف صادمة، وإلى أخبار وقصص وفهم للنصوص والتاريخ لم تخطر في بال الشيطان نفسه.

وحتى يستطيع المشاغبون والمشاكسون من هؤلاء إنجاز هذه المهام الغريبة تراهم يغلبون الهزل على الجد والهزء والسخرية على النقد، وهم أبعد الناس عن توثيق ما ينقلون وعن إقامة الدليل والحجة على ما يدعون. ذلك أنهم يعرفون حق المعرفة أن دعاويهم الباطلة لا تصمد في وجه البحث الجاد، ولا يمكن إلا أن ينكشف زيفها والخداع فيها أمام الموضوعية في الدراسة والتناول.

لذلك ترون هؤلاء أقرب إلى الإنشاء والتعبير منهم إلى البحث العلمي والتدقيق التاريخي. فجهودهم الساعية إلى التزييف والتحريف كثيراً ما تأخذ شكل المقالات الصحافية وإن جمعت بعد ذلك في كتاب، وشكل اللقاءات والمقابلات التلفزيونية والإذاعية حيث لا منهجية تضبط الحديث.

وحيث تتكفل الفوضى والقطع والوصل أمر التورية والتعمية والتعتيم. ولم أنهم كانوا على حق لاستطاعوا أن يقدموا تصوراتهم للناس وللنخب خاصة في بحثٍ علمي متكامل يخدم أوله وآخره النتيجة التي يريدون الوصول إليها والحقيقة التي يريدون الدعوة إليها.

ومما يؤسف ويؤلم أن بعض مهرة هؤلاء المشاغبين قد تحولوا إلى نجوم في الصحافة والإعلام، يعملون معاولهم في دين الأمة وتاريخها وتراثها أمام نظر وسمع القائمين على الأمر باسم حرية التفكير والتعبير وهم لا يتورعون عن الإساءة إلى كل من يحسن الناس الظن فيهم من الأموات والأحياء معجبين بأنفسهم وداعين الناس إلى أن يعجبوا بهم وببهلوانياتهم الساقطة.

والناس مع قلة المعرفة والعجز عن الإحاطة بما صح من معطياتٍ وأخبار، لا يملكون إلا أن يصدقوا ما يقال لهم ويدهشوا بما يتم الوصول إليه أمام أعينهم من معجزاتٍ فكرية، لا رصيد لها إلا ما يعتمل في صدور الناس من رغبةٍ في التحلك من العزائم وانحطاط الهمم والسير وراء الشهوات واللذائذ.

إن شطراً كبيراً مما يسمى اليوم نقد التراث وإعادة كتابة التاريخ والتصوير الصادق والموضوعي للوقائع والأحداث يقوم به ثلةٌ من المشاغبين الذين لا يرون للحق والحقيقة منزلة تجعلهم يستحون مما يفعلون، فإذا سألتم عن سبب كل هذا الجهد الضائع والمضيّع قيل أنها أولية العقل على النقل ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ماهر سقا أميني