مع تعاظم المأزق العسكري في العراق، وآخر فصوله الإعلان عن مقتل خمسة جنود أميركيين وخطف سادس، وجدت واشنطن نفسها مضطرة لتتحدث عن «جدول زمني» لضبط العنف في العراق رغم استبعادها الاستقرار قبل رحيل الرئيس الأميركي جورج بوش عن السلطة في 2009.
لكنها زادت من الضغوط على حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي لاتخاذ إجراءات تكبح العنف، في وقت شهدت مدينة الرمادي معارك عنيفة بين القوات الأميركية وقوات حكومية وبين مسلحين يعتقد أنهم من تنظيم القاعدة احتلوا مركزين للشرطة، فيما يسيطر مسلحون آخرون على عامرية الفلوجة القريبة.
وبينما تتصاعد الضغوط على بوش لتغيير سياسته في العراق واجه قائد القوات الأميركية في العراق جورج كيسي الانتقادات في مؤتمر صحافي مشترك في بغداد مع السفير الأميركي لدى العراق زلماي خليل زاد بالقول إن القوات الأميركية لطالما تبنت استراتيجية «كن متقدماً على العدو».
وأكد على أن العراق «ليس دولة يغمرها العنف الطائفي» الذي يتركز في خمس محافظات فقط، لكنه أقر بأن الوضع الأمني في العراق «صعب ومعقد ومن المحتمل أن يظل على حاله على المدى المتوسط». كما أكد مجدداً رأيه السابق بأن قوات الأمن العراقية ستتمكن من تحمل مسؤولية تأمين الأمن في عموم البلاد خلال 12 و18 شهراً. وقال إنه «كي تنعم بغداد بالأمن يجب التوصل لقرار سياسي» مقراً بأن «توفير الأمان (لسكان بغداد) في أحيائهم لن يحدث بين عشية وضحاها».
وقال كيسي انه لا يزال ملتزماً بخفض حجم القوات الأميركية مع تزايد قدرات القوات العراقية، لكنه أضاف «لا يمكنني أن أقول لكم متى يمكن أن يحدث ذلك». واتساقاً مع التغير الذي طرأ على السياسة الأميركية التي أصبحت تطالب بمزيد من النتائج من جانب حكومة المالكي قال خليل زاد من جانبه، إنه «يجب أن يعزز الزعماء العراقيون جهودهم لتحقيق الخطوات الأمنية والسياسية الهامة التي اتفقوا عليها»،
موضحاً أن الزعماء العراقيين وافقوا على الالتزام بإطار زمني لإحراز تقدم في مجال الأمن والاقتصاد بما في ذلك إجراء تعديلات على الدستور وتفكيك الميليشيات وإصدار تشريع جديد للنفط. وأضاف أنه يعتقد أنه سيتم «إحراز تقدم ملموس في الاثني عشر شهراً المقبلة».
وشدد على أن الولايات المتحدة تعمل مع الزعماء السياسيين والدينيين على استئصال العنف الطائفي والتوصل لخطة اقتصادية تؤكد على الحاجة إلى توزيع أكثر عدالة للموارد ومنها الموارد النفطية.كما أشار الدبلوماسي الأميركي إلى أهمية الإصلاحات الدستورية التي تضمن المساواة للجميع وكذلك إلى مراجعة أعمال لجنة اجتثاث حزب البعث المثيرة للجدل.
وأشار إلى تنظيم القاعدة وإيران وسوريا باعتبارها مصادر إشعال نار التطرف في العراق ومنها أعمال العنف الطائفي. وقال إن المنافسة بين الجماعات السياسية العرقية والطائفية من أجل الحصول على سلطة سياسية واقتصادية صارت «سمة غالبة على الخريطة السياسية». وقال إن دولاً أخرى تسكنها أغلبية سنية طلب منها أن تمارس ضغوطاً على حركة التمرد في العراق.
ولم يشر خليل زاد أو كيسي في المؤتمر مطلقاً إلى التقارير التي وردت في صحيفة «نيويورك تايمز» قبل ثلاثة أيام بشأن احتمال تعرض الحكومة العراقية لعقوبات غير محددة إذا فشلت في تحقيق أهدافها. لكن زاد بدا متفائلاً بالنجاح في العراق، بقوله إنه لا يزال ممكناً ويمكن تحقيقه من خلال «جدول زمني واقعي» لنقل المسؤوليات على الصعيد الأمني، مشيراً إلى أن مثل هذا الجدول سيتبلور قبل نهاية هذا العام.
وفي السياق، قال مستشار الأمن القومي الأميركي ستيفن هادلي إن حكومة المالكي بدأت في اتخاذ ما يستوجبه القرار الصعب لوقف العنف الطائفي.وأوضح هادلي، في محاولة لرمي الكرة في ملعب الحكومة العراقية، أن «عليها القيام بالمزيد والقيام بما يتوجب بشكل أسرع. لكنه استبعد أن يحل الاستقرار في العراق «قبل أن يغادر بوش البيت الأبيض»، قاصداً انتهاء ولايته في يناير 2009.
وتزامنت هذه التصريحات مع تزايد الخسائر البشرية الأميركية في العراق، ووصول عدد قتلى الجيش الأميركي خلال أكتوبر إلى 90 مع إعلان الجيش الأميركي أمس عن مقتل خمسة وفقدان سادس تبين بعد ساعات أنه خطف، ليصبح أكتوبر الذي بقي على انتهائه ستة أيام الأكثر دموية بالنسبة إلى الجيش الأميركي في العراق منذ مارس 2003.
إلى ذلك، أعلن الناطق باسم القوة المتعددة الجنسيات في العراق وليام كالدويل أن الهجمات على القوات الأميركية والعراقية ازدادت بنسبة 22 في المئة خلال شهر رمضان. ليتجاوز عدد القتلى في صفوف الجيش الأميركي عدد الضحايا الـ 2973 الذين سقطوا في اعتداءات 11 سبتمبر 2001.
وانعكست حالة الاضطراب التي تسيطر على أداء الجيش الأميركي، في قتل القوات الأميركية أربعة من رجال الإطفاء العراقيين خطأ. وفي مجال عسكري آخر، شهدت مدينة الرمادي ، مركز محافظة الأنبار، طوال أمس اشتباكات عنيفة بين القوات الأميركية وقوات حكومية مساندة من جهة وبين مسلحين يرتدون الملابس السوداء والبيضاء من جهة أخرى.
وقال شهود عيان لـ «البيان» إن الاشتباكات تركزت في الشارع الرئيس للمدينة «قرب مركز المحافظة، وخفّت حدتها قليلاً قبل الظهر، إلا أنها عادت بعد ذلك اشد عنفاً».وأضاف الشهود أن المسلحين الذين يشك في أنهم من تنظيم القاعدة احتلوا مركزين للشرطة في وسط المدينة، حيث احتل احدهما مسلحون يرتدون اللباس الأبيض بينما احتل الثاني مسلحون يرتدون اللباس الأسود.
وفي الفلوجة تميز الوضع أمس بالهدوء، عدا قيام القوات الأميركية بتسليم احد المراكز الصحية خمس جثث لمواطنين قتلوا في وقت سابق. وحسب شهود العيان فإن المسلحين من تنظيم القاعدة يحتلون الآن عامرية الفلوجة، وتجري حالياً مفاوضات بينهم وبين الأهالي، لإنهاء المظاهر المسلحة لدى الأهالي.