عندما أعلن رئيس دائرة محاكم رأس الخيمة أحمد بن محمد الخاطري مطلع العام الجاري عن تشكيل لجنة التوجيه الأسري خطر للكثيرين بأن في الأمر لغطاً وأن اللجنة لن يُكتب لها النجاح لأن المشاكل الأسرية المتوفرة في المجتمع شائكة وبعضها عصي على الحل. وبالرغم من ذلك التشاؤم فإن اللجنة مضت بخطى جادة في مواجهة المتاعب الأسرية فتمكنت من تذليل العديد منها بل أقنعت عدداً لا بأس به من الأزواج بالتخلي عن خلافاتهم والعودة إلى عش الزوجية.

* وفي حوار مع رئيس اللجنة جاسم محمد المكي سألته عن الغرض الحقيقي من إنشاء اللجنة فأجاب: ـ في الحقيقة إن اللجنة تنطلق من جملة أهداف تبدو لمن ينظر إليها بأنها بسيطة، لكنها في جوهرها عظيمة ولا أجد حرجاً إن وصفتها بأنها بثقل الجبال، ولعل أبرز ما تقوم به اللجنة إصلاح ذات البين بين الأزواج، وبمعنى آخر فإن اللجنة تسعى جاهدة وبكل الوسائل لمنع التفكك الأسري.

* هل معنى ذلك أن دور اللجنة ينتهي عند هذا الحد؟ ـ ليس ذلك بصحيح فاللجنة لا تدخر وسعاً من أجل لمّ شمل الأسر والحد من الطلاق ونشر الوعي بين أفراد المجتمع، وذلك من خلال المحاضرات والكتيبات وأشرطة الكاسيت والمنشورات، أضف إلى ذلك فإن اللجنة تقدم الاستشارات لكل من يرغب رجلاً أو أنثى، كما أنها توفر الإحصائيات للباحثين والدارسين للقضايا الاجتماعية.

اعتراف المجتمع

* هل تعتقد أن اللجنة نجحت في أداء مهامها الاجتماعية؟ ـ الشيء المهم الذي تحقق هو اعتراف المجتمع بأهمية اللجنة ويتمثل ذلك في الأعداد الكبيرة من الأسر التي تلجأ إليها في مكتبها بإدارة محاكم رأس الخيمة سواء من خلال الحضور الشخصي أو عن طريق الهاتف. * لماذا لا يكون ذلك الإقبال نتيجة القرار الوزاري الذي يمنع إحالة الخلافات الأسرية إلى القضاة إلا من خلال اللجنة؟ ـ ما من شك في أن القرار يمثل اعترافاً صريحاً بدور اللجنة في حل المشاكل بالتي هي أحسن، لكن مع ذلك فإن ثقة الناس فيها كانت دافعاً لتشجيع العديد من أصحاب المشاكل الأسرية بالذهاب إليها.

* هل من حرص على إبقاء العلاقة الزوجية؟ ـ بالتأكيد هي رغبة صادقة في حل الخلافات الأسرية في نطاق ضعيف يضمن حفظ أسرارها ويمنع دخول أطراف خارجية إليها. * وهل من تجاوب مع قرارات اللجنة؟ ـ ذلك صحيح وأستطيع القول إن اللجنة لا تكتفي بالانتظار في مكتبها بل تذهب إلى الأسر في عقر ديارها للمساهمة في حل النزاعات التي تحدث بين الزوجين.

* وماذا في جعبة اللجنة من الإنجازات؟ ـ من الأفضل أن تكون الإجابة بلغة الأرقام، فمنذ بدء اللجنة نشاطها استقبلت 305 حالات ونجحت في إبرام الصلح بين 107 حالات، أي بنسبة 35% في حين قامت بإحالة 103 حالات إلى القضاء ولا تزال تتداول 95 حالة. * وما نوعية المشاكل التي تحدث بين الأزواج؟ ـ من واقع الإحصائيات المتوفرة فإن المشاكل الأسرية يصل عددها إلى 52 مشكلة أهمها عدم الإنفاق على الأسرة، ضرب الزوجة، انعدام التفاهم، السكر، الخيانة الزوجية، هروب الزوج من الأسرة، قضاء الزوج معظم الوقت خارج المنزل، تدخل أهل الزوجة، بيع مجوهرات الزوجة، السحر، إفشاء الأسرار الزوجية، الغيرة، رغبة الزوجة في إكمال دراستها أو الحصول على الجنسية.

الشهور والخلافات

* هل لاحظتم علاقة بين الشهور والمشاكل الأسرية؟ ـ بالفعل فعلى سبيل المثال فإن شهر مارس من العام الجاري كان الأكثر خلافات أسرية، حيث بلغ عددها 48 حالة، في حين تدنت الخلافات بصورة ملحوظة في أغسطس وسبتمبر من العام الجاري فكانت 24 حالة لكل شهر. * هل من تفسير لذلك؟ ـ حتى الآن لا يوجد لدينا تفسير يوضح أسباب ازدياد الخلافات الأسرية في شهر مارس أو نقصها في أغسطس وسبتمبر، لكن بكل تأكيد فإنه مع المزيد من الدراسة يمكن التعرف على حقيقة علاقة الوقت بالخلافات الأسرية.

* يُفهم من كلامكم أن لجنة التوجيه الأسري سحبت بساط الإصلاح من تحت أقدام فاعلي الخير؟ ـ بل على العكس فإن المجتمع لا يزال ينعم بأهل الخير الذين لا يدخرون وسعاً في التدخل من تلقاء أنفسهم لحل مشاكل الآخرين سواء نظرياً بالكلام أو بالمال وبفضل جهود هؤلاء الخيرين فإن العديد من الخلافات أمكن علاجها في مهدها قبل أن تستفحل وتصبح مشكل مزعجة.

أسباب الخلافات

* باعتقادكم من الذي يقف وراء الخلافات الأسرية؟ ـ دعني أرمي بالاتهام على الجهل بحقوق الزوج أو الزوجة ونتيجة لذلك تتفاقم المشاكل بين الطرفين وتتحول لمعضلة يتعذر حلها إلا بعد عناء مرهق. * ما هو دليل اتهام الجهل كسبب في الخلافات الأسرية؟ ـ في مرات عدة فوجئت في لجنة التوجيه الأسري بأن الزوج أو الزوجة غير مدرك لحقوق الطرف الآخر وحين يعرف ذلك يتراجع ويعتذر عما بدر منه من أخطاء. ومن حسن الحظ فإن اللجنة لديها كتاب يحوي مئة سؤال وجواب يتعلق بحقوق الزوجين تفيد في إصلاح الأسر.

* ما هي أسباب ظاهرة هروب الزوج من أسرته؟ ـ ما من شك في أن الضغوط المعيشية إلى جانب الديون الضخمة والمعاملة السيئة للزوجة هي التي تترك الزوج أمام خيار واحد وهو الاختفاء عن أسرته. * إلى أين يذهب؟ ـ من واقع الحالات التي جاءت إلى اللجنة فإن بعض الأزواج «انخشوا» في أماكن لا أحد يعلم بها داخل الدولة، بينما يفضل غيرهم مغادرة الدولة بقصد قطع صلته بالأسرة نهائياً.

* كيف تتصرف اللجنة مع مثل هؤلاء الهاربين من أسرهم؟ ـ عندما نعجز من الوصول إلى الزوج وهذا بالضبط ما حدث مع كل الحالات المعروضة أمام اللجنة، فإننا نُحيل الأمر إلى جهات الاختصاص مثل وزارتي العدل والخارجية. *ذكرتم من قبل أن حالات هروب الأزواج من منزل الزوجية بلغت ست حالات، كيف شرحت الزوجات ما حدث؟ ـ أضع بين أيديكم بعض حالات الهروب:

الحالة الأولى

الزوجة: 51 سنة الطرفان من جنسية عربية. حضرت المستدعية في 30 يناير 2006 وأفادت بأن زوجها مبعد عن الدولة منذ خمس سنوات، وليس لديها أية معلومات عن مكانه منذ أن أبعد وحتى تاريخه، ولم يتواصل معها حتى بالهاتف وتطلب الطلاق للضرر.

الحالة الثانية

الزوجة: 31 سنة ـ الزوج 46 سنة (كلاهما من الجنسية العربية) حضرت المستدعية في 20 فبراير 2006، وأفادت بأن لديها طفلة واحدة، وزوجها حكم عليه بالإبعاد عن الدولة لأن عليه قضايا نصب واحتيال، وتطلب الطلاق للضرر، حيث إنها تعمل في أحد محلات الملابس في الإمارة ولا تريد مغادرة الدولة مع زوجها وترى الحل الأمثل هو خلعها قبل إبعاده،

وأفادت أن زوجها دخل السجن بعد عشرة أيام من زواجهما ولم تعرف عنه شيئاً في السابق ثم اتضح أن عليه قضايا عدة ولم تستمر حياتهما الزوجية كثيراً فخلال فترة الزواج قضى أيامه إما مطارداً من قبل الشرطة أو في السجن، ولذلك لم تشعر بالسعادة معه. وترتب على دخوله السجن أضرار على أسرته 1ـ النفقة عليها وعلى الطفلة. 2ـ الديون.

الحالة الثالثة

الزوجة: 30 سنة ـ الزوج: 30 سنة (مواطنان) تم عقد قرانهما منذ أربع سنوات، ويقيم في إمارة أخرى من إمارات الدولة، ومجهول محل إقامته، ولم تستدل على عنوانه ولا عن عمله، وانقطع عن الاتصال بها أو زيارتها وتركها من دون مبرر.

الحالة الرابعة

الزوجة: 28 سنة، ومواطنة، متزوجة من خليجي: هجر زوجته منذ 3 سنوات وعاد إلى بلده، ولم يأت لزيارة زوجته ورؤية أطفاله وانقطع عن الاتصال بهم انقطاعاً تاماً. الآثار الاجتماعية والنفسية المترتبة على غياب رب الأسرة: ـ الظروف المادية صعبة، حيث إنها لا تعمل وبالتالي ليس لديها أي دخل. ـ تعيش هي وأطفالها مع والدتها كبيرة السن، وتقوم الجدة برعاية الأطفال. ـ عدم توفير مسكن لها ولأبنائها.

الحالة الخامسة

الزوجة: 55 سنة الطرفان آسيويان الزواج منذ 10 سنوات، الأبناء: 1 وعمره 9 سنوات. ـ الزوج سافر إلى بلاده منذ عام 1997 أي ما يقارب 9 سنوات، وأفادت بأنها لا تعلم عنه أي شيء حتى الآن وانقطع عن الاتصال بها ولديها شهود على ذلك. ـ الزوجة سبق وأن تزوجت مواطناً ثم توفيّ ولديها منه أبناء وكان هذا الزواج من المواطن الزواج الأول وتم حصولها على جواز الإمارات كما حصلت على الجنسية، إلا أنها بعد وفاة زوجها المواطن تزوجت من (الآسيوي) فتم سحب الجواز والجنسية عنها.

الأضرار التي ترتبت على غياب الزوج: ـ حالياً لا تحمل أوراقاً ثبوتية لأن الزوج الآسيوي لم يطلقها وتركها معلقة. ـ الطفل: وعمره 9 سنوات (تطلب استخراج إثبات نسب) لأنه عند سفر والده كانت الزوجة حاملاً.

الحالة السادسة

الزوجة: 32 سنة، الزوج: 63 سنة (كلاهما من الجنسية العربية) الزوج غادر الدولة منذ عام 2004، ومجهول محل الإقامة، اتصلت بأهله وأفادوها بأنهم لا يعلمون عنه شيئاً، ليس لديهما أبناء، وتقيم حالياً في الدولة مع والدتها وشقيقها. الأضرار التي لحقت بها من بعد غياب الزوج: ـ إقامتها ستنتهي في شهر يونيو 2006 وترغب بالبقاء في الدولة مع أهلها لذا تطلب الطلاق. ـ الإحراج الذي سببه لها مع الكفيل المواطن (حيث ذكرت بأن الكفيل يطالبها بمبالغ، إلا أن المواطن ما زال يقدم لهم المساعدات على الرغم من غياب الزوج)

حوار ـ سليمان الماحي: