عقد الرئيس الأميركي جورج بوش أمس لقاء أزمة مع قادة الجيش الأميركي في العراق للتشاور معهم لكي يعرف ما إذا كان إجراء تغيير في الاستراتيجية مطلوبا لوضع حد للعنف المتصاعد الذي قتل أمس ثلاثة جنود أميركيين و40 عراقياً بعد يوم من توقيع وثيقة مكة التي تحرم الدم العراقي.
وتحدثت تقارير بريطانية عن أن لندن وواشنطن تدرسان ثمانية خيارات لتجاوز المأزق العراقي، في ظل تأييد بريطاني لبحث هذا الأمر مع سوريا وإيران. وبحث بوش مع كبار القادة العسكريين من خلال مؤتمر بالفيديو احتمالات إجراء تغيير في الاستراتيجية لوضع حد للعنف المتصاعد في العراق.
وجمع الرئيس بوش حوله في قاعة روزفلت في البيت الأبيض قائد القوة المتعددة الجنسيات في العراق جورج كايسي، وقائد القيادة المركزية جون أبي زيد الذي استدعي إلى الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة لإجراء مشاورات، ورئيس أركان الجيوش الأميركية بيتر بيس، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ونائب الرئيس ديك تشيني، والسفير الأميركي في بغداد زلماي خليل زاد ومستشاري الأمن القومي ستيفان هادلي وجاك كروش.
ووسط تعتيم على ما دار في الاجتماع قللت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس من أهمية المشاورات مؤكدة أنها لا تؤشر لإعادة تقويم الاستراتيجية العسكرية الأميركية في العراق. وتابعت «قلنا باستمرار انه ستتم إعادة تقويم خطة الأمن في بغداد مع نهاية فترة تطبيقها أي بنهاية شهر رمضان».
أما الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض توني سنو فقال إن الاجتماع هو واحد من سلسلة من اجتماعات التشاور الاعتيادية التي جرى تنظيمها منذ عدة أسابيع. وكان بوش قال في كلمته الإذاعية الأسبوعية أمس إن الحملة التي يشنها الإرهابيون في العراق لخفض معنويات الرأي العام الأميركي، لن تنال من عزيمته على المضي قدما لإكمال المهمة في العراق لكنه سيستمر في تعديل استراتيجيته تمشيا مع الظروف. وشدد على أن الولايات المتحدة تقوم «على الدوام بتصويب» تكتيكها لمواجهة الصعوبات والمشاكل الطارئة في العراق.
وتزامن مع انعقاد الاجتماع الإعلان عن مقتل 3 جنود اميركيين في محافظة الأنبار أمس ليستحق شهر أكتوبر الحالي لقب الشهر الأسود للأميركيين في العراق مع وصول خسائر الجيش الأميركي البشرية إلى 78. وأعلنت قيادة الجيش الأميركي مقتل الثلاثة في معارك أمس بينما كانوا يشاركون في عملية في الأنبار.
وقالت صحيفة «الغارديان» البريطانية إن لندن وواشنطن تدرسان ثمانية خيارات لتجاوز المأزق العراقي، في ظل تأييد بريطاني لبحث هذا الأمر مع سوريا وإيران.
وعرضت الصحيفة هذه الخيارات التي يدرسها الأميركيون والبريطانيون بدءا بانسحاب قوات التحالف وانتهاء بتعزيزها، مرورا بإشراك سوريا وإيران في إيجاد حل والرغبة في استبدال رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي.
وعلقت ناطقة باسم وزارة الخارجية البريطانية على ما نشرته الصحيفة بالقول «لا تغيير في سياستنا، ولكننا كما ترون ندرس باستمرار الوسائل لبلوغ أهدافنا»، مضيفة أن «ثمة مشاورات مستمرة» بين العاصمتين البريطانية والأميركية حول هذا الموضوع.
ونقلت «الغارديان» عن دبلوماسي في وزارة الخارجية البريطانية أن الانسحاب الفوري للقوات الأميركية والبريطانية يبدو مستبعدا إذ قال «يمكننا الانسحاب الآن وتركهم لقدرهم، لكن المكان قد ينفجر». وأشارت إلى إمكان سحب القوات البريطانية فقط.
ورجحت اعتماد الانسحاب التدريجي، وخصوصا انه النهج الحالي الذي تتبعه واشنطن ولندن لكنه يظل رهنا بوضع قوات الأمن العراقية، لافتة إلى أن العاصمتين لن تكشفا البرنامج الزمني لهذا الانسحاب لمنع المتمردين من تكثيف أعمال العنف.
وبحسب «الغارديان» فإن الخيار الذي يلحظ إشراك سوريا وإيران في البحث عن حل هو أحد اقتراحات اللجنة الخاصة للكونغرس الأميركي برئاسة وزير الخارجية السابق جيمس بيكر، موضحة أن دبلوماسيين بريطانيين شاركوا في عمل اللجنة مع تأييد لندن هذا الخيار ومعارضة الإدارة الأميركية.
وتبحث واشنطن في إمكان إعادة نشر وحداتها في قواعد محصنة خارج المدن وحتى خارج العراق، على أن تدعم انطلاقا منها القوات العراقية دون التدخل مباشرة.
وتابعت «الغارديان» أن الأميركيين قد يرسلون تعزيزات على المدى القصير في محاولة للتصدي لموجة العنف الراهنة، ومن شأن ذلك حفظ ماء وجه الرئيس جورج بوش الذي كرر دائما انه لن يسحب قواته من العراق على وقع هزيمة. ويقضي الخياران الأخيران أما بتعيين «رجل قوي» يستطيع إرساء النظام مجددا وأما بتقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات، لكن الرئيس الأميركي أكد معارضته تقسيما مماثلا.
في غضون ذلك، شهدت العاصمة العراقية تفجيرا انتحاريا وهجوما بسيارة مفخخة أسفرا عن خمسة قتلى في وقت شهدت مدينة المحمودية انفجاراً بقذيفة صاروخية كان عدد ضحاياه 30 شخصاً وإصابة 50، غداة نداء وجهه رجال دين عراقيون سنة وشيعة من مكة المكرمة لوضع حد لأعمال العنف الطائفية.
وعاد الهدوء إلى مدينة العمارة في جنوب العراق بعدما شهدت مواجهات عنيفة طوال يومين بين الشرطة وعناصر ميليشيا جيش المهدي التابعة لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، فيما وقعت مواجهات جديدة في بلدة الصويرة في جنوب بغداد.
وفي مدينة العمارة جنوب بغداد عادت الحياة إلى طبيعتها اثر مواجهات دموية بين قوات الأمن العراقية وميليشيا جيش المهدي ما أدى إلى سقوط 24 قتيلا و150 جريحاً.
وأعلن وزير الدولة العراقي لشؤون الأمن الوطني شيروان الوائلي الذي أرسله رئيس الوزراء نوري المالكي لتهدئة الوضع أن الأزمة التي شهدتها المدينة على طريق المعالجة. وقال إن الجيش يسيطر الآن على المدينة والهدوء يسودها منذ مساء الجمعة.
وبعد 24 ساعة على توقيع وثيقة مكة لحقن الدم العراق، دعا المرجع الشيعي علي السيستاني الذين وقعوا على الوثيقة إلى الالتزام ببنودها. وأكد في بيان انه «لا يوجد في العراق صراع طائفي بين أبنائه من الشيعة والسنة، بل توجد أزمة سياسية، وهناك من يمارس العنف الطائفي للحصول على مكاسب معينة».
وقال إن الخروج من المأزق الحالي يتطلب قرارا واضحا وصادقاً من كل الفرقاء برعاية حرمة دم العراقي أيا كان ووقف العنف المتقابل بكافة أشكاله».
وفي السياق ذاته، تباينت آراء الساسة العراقيين بشأن جدوى وثيقة مكة المكرمة، في وقت اصدر مكتب رئيس الجمهورية جلال طالباني بيانا انفعاليا متزامنا هاجم الشيخ حارث الضاري، الذي وصفه بـ «ما يسمى رئيس هيئة علماء المسلمين». وقال إن تصريحاته «تتضمن الكثير مما يجافي العلم.
و يناقض روح الإسلام الحنيف، بل إنها تتضمن تحريضا مبطنا ضد من كانوا طوال عقود من الزمن قد ناضلوا ضد الجور والطغيان، ومن انتخبهم الشعب ممثلين وقادة له، وأن الضاري يجاهر بالدعوة إلى تخريب العملية السياسية و يحرض الأشقاء العرب على مناصبتها العداء».
بغداد، واشنطن ـ «البيان» والوكالات
