في مبادرة لإنهاء مسلسل القتل في العراق، وقعت أمس مرجعيات سنية وشيعية عراقية في مكة المكرمة على وثيقة مكونة من عشرة بنود تهدف إلى حقن الدماء ووقف العنف المذهبي الذي يشهده العراق من خلال دعوة كل عناصر الفتنة إلى تحريم قتل الأبرياء والعمل على إنهاء الاحتلال الأميركي، يأتي هذا في وقت لا يزال فيه الوضع متفجراً في العمارة، حيث سقط 85 قتيلاً وجريحاً في مواجهات بين الشرطة وجيش المهدي بالمدينة، مما دفع رئيس الوزراء نوري المالكي الى ارسال وفداً امني رفيع المستوى للتحقيق، وبالموازاة كشفت جريدة لوموند الفرنسية أن بغداد تتكتم على الخسائر البشرية للنزاع في العراق.
توقيع وثيقة
وتتضمن وثيقة مكة التي وقعها علماء شيعة وسنة بجوار بيت الله الحرام عشرة بنود شاملة لكل عناصر الفتنة في العراق وتركز على نبذ العنف وتحريم قتل الأبرياء وتحريم مداهمة المساجد وقتل المصلين والدعوة إلى الوحدة والتكاتف والعمل على إنهاء الاحتلال الأميركي للعراق.
وتدعو الوثيقة العراقيين للعمل من اجل أن يكونوا أمة واحدة متعايشة متحابة إضافة إلى نبذ الطائفية وكذلك تحرم التحريض والدعوة إلى القتل بكل أشكالها المباشرة وغير المباشرة.
وتشدد على بذل جميع الجهود من اجل إيقاف نزيف الدم الذي يشهده العراق ومنع التحريض والدعوة لكل ما يوصل إلى ذلك.
وقالت منظمة المؤتمر الإسلامي «إن هذه المبادرة تقتصر على جانب النزاع الطائفي لإخماد جمرته باعتبار أن هذا النزاع بما ينطوي عليه من خلفيات دينية يكون عادة أكثر أنواع النزاعات دموية وعنفا».
وأضافت في بيان لها «أن الأمر لا يتعلق بمبادرة للمصالحة بين العراقيين بل يتعلق بوقف الاقتتال المذهبي بين العراقيين».
من جهته، دعا ممثل المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني في كربلاء أمس إلى أن تكون بنود اتفاق مؤتمر مكة ملزمة لجميع الأطراف .
وقال احمد الصافي في خطبة الجمعة بالصحن الحسيني بكربلاء«إننا نرحب بمؤتمر مكة لأنه سيعزل الإرهابيين والتكفيريين إذا ما كان ملزما لجميع الأطراف، وإذا ما وضع المؤتمرون النقاط الحقيقية للصراع وتفهموا حقيقته» .
وأضاف أن الصراع الآن في العراق« ليس كما يقال بين الشيعة والسنة، فنحن أبناء بلد واحد ودين واحد وقبلة واحدة، ولكن هناك جهات تكفيرية تعمل على إشعال حرب طائفية».
ودعا الصافي الموقعين على بنود الاتفاق في مكة «ألا ينسوا أن يستشعر الشيعي والسني في هذا البلد انه غير مرتبط بطبيعة النظام السياسي القائم لأن هذا النظام له آلية لا علاقة لها بالمذاهب، وان يعرف السني حدود الشيعي ويعرف الشيعي حدود السني لأن عدم المعرفة يؤدي إلى معادلة فوضوية».
أمنياً، سيطرت ميليشيات جيش المهدي التابعة للزعيم الشيعي مقتدى الصدر على معظم شوارع مدينة العمارة والمباني الحكومية فيها بعد اشتباكات مع الشرطة العراقية استمرت يومين، وسارع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى إرسال وفد امني رفيع المستوى للتحقيق في هذه الأحداث وتهدئة الوضع هناك في علامة على الصعوبات التي تواجهها الحكومة في كبح جماح الجماعات الطائفية .
وقال مصدر أمني في العمارة إن مبعوثا للصدر وصل أيضا إلى المدينة، فيما قال الميجر البريطاني في البصرة تشارلي بوربريدج إن الجيش العراقي نشر سريتين «نحو 230 جنديا» أمس ا للمساعدة في الدفاع عن مراكز الشرطة في العمارة. وأضاف أن الجيش البريطاني وفر غطاء جويا وكان مستعدا لتقديم المزيد من المساعدة إذا طلب منه ذلك.
وذكر المصدر الأمني في العمارة أن الشرطة تحاول السيطرة على مكتب الصدر في العمارة ، في وقت جددت الميليشيا هجماتها على ثلاثة مراكز للشرطة على الأقل وأضرمت النار فيها.
وسرى في بغداد حظرا للتجول أمس بعد يوم من قول واشنطن إن نتائج حملتها التي استمرت شهرين بهدف الحد من العنف من خلال إرسال تعزيزات هائلة للعاصمة كانت مخيبة للآمال وأنها ستعيد النظر فيها وتسببت الانتكاسات في الصراع للسيطرة على بغداد في زيادة الضغوط على الرئيس الأميركي جورج بوش، حيث أعلن المتحدث باسم البيت الأبيض توني سنو أن الرئيس جورج بوش سوف يجري اليوم السبت مشاورات مع قادة القوة المتعددة الجنسيات في العراق وقادة القوات الأميركية في الشرق الأوسط تتناول الوضع في العراق.
وأكد سنو أن هذه المشاورات «منتظمة» ولا تأتي ردا على تصاعد موجة العنف خلال الفترة الأخيرة الذي يطرح شكوكا جدية حول استراتيجية الرئيس الأميركي في العراق.
وأكد زعماء جمهوريون في مجلس الشيوخ أمس أن تغييرا جوهريا سيحدث في الاستراتجية الأميركية في العراق بعد انتخابات الكونغرس الشهر المقبل، ، ولم يستبعد خبراء في واشنطن أن يشمل ذلك تغييرا في الحكومة العراقية نفسها باستبدال المالكي برجل قوي في ظل فشل الحكومة العراقية في تنفيذ الخطة الأمنية ومواجهة العنف الطائفي.
ولمواجهة هذا الفشل، كشفت صحيفة لوموند الفرنسية أن الحكومة العراقية تتكتم على الخسائر البشرية للنزاع في العراق.
وقالت الصحيفة في عددها الذي يصدر اليوم « إن الحكومة العراقية أصدرت تعليمات للسلطات الطبية بعدم تقديم حصيلة الخسائر البشرية للأمم المتحدة التي كشفت تقاريرها الثمن الباهظ الذي يدفعه المدنيون للحرب».
وحسب الصحيفة فإن رئيس الوزراء نوري المالكي كاتب وزارة الصحة موجها لها تعليماته بالتوقف عن نشر الأرقام«، ردا على التحقيق الذي نشر في 11 أكتوبر الجاري والذي تحدث عن مقتل حوالي 655 ألف مدني في العراق مند غزو أميركا العراق
وفي برقية دبلوماسية حصلت الصحيفة على نسخة منها «حذر رئيس بعثة الأمم المتحدة في العراق اشرف قاضي مقر الأمم المتحدة من أن هذا التطور قد يمس قدرة بعثة المساعدة الدولية في العراق على إحصاء عدد المدنيين القتلى والجرحى».
إلى ذلك، أعلنت أمس مفوضية الأمم المتحدة العليا للاجئين وجود أكثر من 750 ألف مهجر في العراق منذ التدخل الأميركي سنة 2003 .
وقالت إن 365 ألف شخص من هؤلاء، أي ما يقارب نصف العدد الإجمالي، هربوا من منازلهم خلال الأشهر الثمانية الماضية اثر تصاعد موجات العنف الطائفي المتلاحقة بعد تدمير مرقد الإمامين في سامراء في فبراير.
وأعلن الناطق باسم الصليب الأحمر في جنيف رون ردموند« لجأ 6,1 مليون عراقي إلى الخارج ولاسيما إلى سوريا والأردن حيث يعيش عدد كبير منهم منذ عدة عقود. وسجلت حركات النزوح السكاني بشكل رئيسي في وسط البلاد حيث يتوجه النازحون إلى المناطق التي تتلاءم مع هويتهم الطائفية ليقيموا لدى أقاربهم فيها».
