كررت إسرائيل تهديداتها بشن هجوم بري واسع النطاق على قطاع غزة بذريعة تجنب تحوله إلى لبنان ثانٍ، معتبرة أن ذلك يستدعي عملية عسكرية على غرار عملية (السور الواقي) التي نفذتها في العام 2002 في الضفة الغربية. في وقت استشهد خمسة فلسطينيين وجرح عدد آخر برصاص قوات الاحتلال في الضفة. فيما أطلقت شخصيات وطنية مستقلة مبادرة لتسوية الأزمة السياسية الفلسطينية تتمثل في تشكيل حكومة خبراء ايد الرئيس الفلسطيني محمود عباس (ابو مازن) تشكيلها معلنا لأول مرة رؤيته للخروج من الأزمة، معتبراً ان الخبز ولقمة العيش أهم من الديمقراطية التي جائت به وبحكومة حماس إلى السلطة، رافضاً التهويل الذي يمارسه البعض من خطر نشوب حرب أهلية.

وقالت مصادر فلسطينية إن جنود الاحتلال قتلوا الناشط في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي محمد زكارنة (18عاما) وهدموا منزلا لجأ إليه في اشتباكات عنيفة مع مقاومين فلسطينيين لدى اقتحام عشرات الآليات العسكرية للبلدة فجر أمس وشنها عمليات دهم وتفتيش واعتقال. وبعد ساعات قتلت قوات الاحتلال هاني صمادي (18 عاما) وعز الدين كميل (16 عاما). وقالت مصادر طبية فلسطينية إن الشهيدين أصيبا برصاصات قاتلة في الصدر والرقبة أثناء قيامهما برشق الجنود الإسرائيليين بالحجارة.

كما استشهد عادل أبو الريش (23 عاما) الناشط في كتائب شهداء الأقصى المنبثقة من حركة فتح وفراس أبو الريش القريب من فتح حين أطلقت وحدة خاصة من الجنود الإسرائيليين المتنكرين في ملابس فلسطينية النار على السيارة التي كانا يستقلانها في مخيم عسكر في نابلس بشمال الضفة الغربية قبل الإفطار بدقائق.

وتأتي الاقتحامات في الضفة فيما صعدت إسرائيل عملياتها في قطاع غزة، وكررت تهديداتها باجتياح واسع لقطاع غزة حيث قال وزير الهجرة والاستيعاب الإسرائيلي زئيف بويم إن الحكومة الإسرائيلية قد لا تجد مفرا من شن عملية عسكرية واسعة في قطاع غزة على غرار (السور الواقي) من أجل ضرب ما أسماها (المنظمات الإرهابية)، ووضع حد لما دعاه تهريب الأسلحة من مصر في خطوة من شأنها أن تؤثر على ميزان القوى. وأوضح بويم القريب من رئيس الوزراء إيهود أولمرت للإذاعة الإسرائيلية أن (غزة لا يمكن أن تتحول إلى لبنان ثانٍ).

وكان بويم يشير إلى عملية (السور الواقي) التي قامت بها قوات الاحتلال في أبريل 2002 في الضفة الغربية وتسببت باستشهاد أكثر من مائتي فلسطيني وأسر حوالي خمسة آلاف آخرين كما قتل 29 جنديا إسرائيليا. واعتبرت هذه العملية الأكبر التي يشنها الاحتلال في الضفة الغربية منذ حرب يونيو1967.

ورأى بويم أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) وحركة فتح التي ينتمي إليها «يبديان ضعفا ولا يستثمران وضع حماس الصعب». وإزاء استمرار العدوان الإسرائيلي وجه رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية أمس نداء إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، لتحمل المسؤولية. وقال إن (هذا التصعيد العسكري والتهديدات باجتياحات واسعة في قطاع غزة وتنفيذ عمليات وجرائم اغتيال ضد قيادات وكوادر المقاومة الفلسطينية يأتي بعد أن فشلت كل محاولات الضغط والابتزاز السياسي في أن تسرق من الحكومة الفلسطينية المواقف والمطالب التي تعني الرضوخ للشروط الظالمة).

وفي شأن الأزمة الداخلية الفلسطينية رجح الرئيس أبو مازن خيار تشكيل حكومة خبراء (تكنوقراط) كمخرج أخير للازمة الحالية، ولإنهاء الحصار الدولي الخانق منذ تولي حماس السلطة، ورفض محاولة البعض التخويف والتهويل من خطر نشوب حرب أهلية. وقال عباس في لقاء رمضاني مع الإعلاميين في رام الله الليلة الماضية بحضور قيادات فتح « إن خيار تشكيل حكومة خبراء هو الأفضل عندي، كمخرج من المأزق الراهن، وهو لا يكلف أياً من التنظيمات التنازل عما لا تريد التنازل عنه، ولمدة محدودة، قد تكون ستة أشهر».

وأضاف « حكومة الخبراء منذ فترة محل أحاديث متواترة في كل الفصائل والتنظيمات، وهي الأفضل على الأقل لأنه ستكون حكومة تسيير، وهي المهمة الأساسية لأي حكومة، وان التواؤم مع الشرعيات العربية والإقليمية والدولية لن يكون مشكلة أمام هذه الحكومة، التي تفتح الباب أمام حل الأزمة الحالية». وأوضح عباس« أن أكل العيش أهم عندي من الديمقراطية التي جاءت بهذا المجلس التشريعي وبي شخصياً، فليس مقبولاً أن نقبل بتجويع شعبنا تحت شعار رفض الخنوع، وتساءل ما معنى الخنوع؟» وتابع« يجب أن نكون عند مستوى المسؤولية ولا نقبل ببقاء الوضع الحالي».

وفي معرض تلخيصه لمحطات الأزمة قال عباس إن اتفاق حكومة الوحدة الوطنية قتل قبل أن ننطلق به إلى العالم، عندما رفضت حكومة حماس التواؤم مع الشرعية العربية والدولية ورفضت شروط اللجنة الرباعية والمبادرة العربية. وأضاف رداً على سؤال أن حكومة حماس ليست منتخبة بل تم تشكيلها من جانب أغلبية المجلس التشريعي التابعة لحماس. وشكك عباس في القوة التنفيذية التي شكلتها حكومة حماس و«لا شرعية لأي قوة تم تشكيلها بدون موافقتي».

وشدد عباس على رفض التخويف من خطر نشوب حرب أهلية واعتبر الحديث عنها أمراً سخيفاً ومقيتاً« يردده البعض دون شعور بالمسؤولية، وهي أمر لن يقبل به شعبنا، لأنه مجرد تخويف وتهويل لمنعنا من إبداع وسائل للخروج من الأزمة». وكانت شخصيات وطنية مستقلة اعلنت في وقت سابق امس مبادرة لتسوية الأزمة تتمثل أساساً في تشكيل حكومة انتقالية تكنوقراط.

وحسب المبادرة التي حملت اسم «نداء من اجل فلسطين» والتي تم الإعلان عنها في مؤتمر صحافي في رام الله، يبقى «تشكيل حكومة الوحدة الوطنية هو الخيارالأفضل». أما «في حال استمرار تعثر إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية حتى نهاية شهر رمضان فيدعو أصحاب المبادرة إلى تشكيل حكومة انتقالية من الكفاءات لمدة عام تعمل خلاله على معالجة الشأن الفلسطيني الداخلي وبخاصة وقف التدهور الاقتصادي والاجتماعي ومعالجة الفقر والبطالة وكسر الحصار السياسي».

ومن بين الشخصيات المشاركة في هذه المبادرة اقتصاديون ورجال أعمال ومنهم رئيس جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين محمد المسروجي، ومنهم كذلك أعضاء في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ونواب في المجلس التشريعي منهم النائبة حنان عشراوي ووزير المالية الأسبق سلام فياض. وكان سياسيون وممثلون عن فصائل يسارية فلسطينية وحقوقيون، اجتمعوا أكثر من مرة خلال الشهرين الماضيين لبلورة هذه المبادرة والإعلان عنها، حيث تم تشكيل لجنة متابعة للمبادرة تتكون من 21 شخصية، غالبيتهم من المستقلين.

وقال الدكتور ممدوح العكر، المفوض العام للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان «إن هذه المبادرة تأتي بدعم من عدد كبير من المستقلين، حيث رأينا انه من الواجب علينا أن نبادر في التأثير السياسي خاصة في ظل حالة الاستقطاب السياسي بين حركتي فتح وحماس». وأشار العكر الذي تحدث نيابة عن المشاركين في المبادرة إلى وجود مؤيدين للفكرة في قطاع غزة، موضحا انه سيتم العمل على تنظيم مؤتمر والإعلان عنها في غزة خلال اليومين المقبلين.