حذر المحللون السياسيون في تركيا من ان الشعور المعادي لأوروبا في البلاد سيتصاعد بعد إقرار الجمعية الوطنية الفرنسية قانوناً يجرم نفي صفة الإبادة عن المجازر التي ارتكبت بحق الأرمن إبان الحرب العالمية الأولى، وأكدوا ان ذلك يمكن ان يؤثر سلباً على جهود أنقرة في سعيها إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي.
ويأتي هذا بالتزامن مع إعلان رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان أمس ان الاتحاد الأوروبي ليس في موقع «إعطاء الدروس لتركيا في موضوع حقوق الإنسان بعدما انتهكت فرنسا، حرية التعبير بتمرير مشروع قانون يعاقب نفي حصول إبادة الأرمن».
وقال رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان في خطاب نقله التلفزيون «الأفضل لأولئك الذين يحاولون إعطاءنا دروساً ان يحتفظوا بنصائحهم لأنفسهم».
وأضاف «الأفضل لهم أولاً ان يصححوا الخطوة التراجعية التي قاموا بها على صعيد حرية التعبير قبل ان يأتوا إلينا».
وهددت أنقرة باريس باتخاذ خطوات تعوق قدرة الشركات الفرنسية على الإفادة من الفرص التي تتيحها السوق التركية، من دون تحديد ماهية هذه الخطوات، محذرة من تدهور العلاقات بين البلدين.
وفي رأي الشارع التركي فإن الخطوة الفرنسية تعني ان باريس لا تزال تعارض سعي تركيا إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي، وهي تضع عائقاً جديداً أمام مشروع الانضمام كما قال سنجيز اكتار، مدير مركز الاتحاد الأوروبي في إحدى جامعات اسطنبول.
واعتبر اكتار ان «هذا التصويت يتخطى المسألة الأرمنية». مضيفاً ان «المسألة الحقيقية وراء ذلك هي طريقة نظر النخبة الفرنسية إلى تركيا. هناك حذر شديد تجاه ترشيح تركيا وعضويتها المستقبلية في الاتحاد».
وأضاف «ينظر المواطن التركي العادي إلى التصويت الفرنسي باعتباره منبثقاً من خيار أوروبي عام».
وتتراجع نسبة الأتراك المؤيدين لانضمام بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي منذ بدأت أنقرة مفاوضات الانضمام في أكتوبر 2005، وسط تشكيك واسع في مدى احتمال دخول هذا البلد المسلم النادي الأوروبي.
وبحسب إحصاء تركي، انخفض معدل تأييد الانضمام في تركيا إلى 44% بعدما كان 55% في خريف عام 2005 وأكثر من 70% قبل عامين.
وقال الأكاديمي أحمد انسل « في وقت تبدو فيه العلاقة بين أوروبا وفرنسا في حال سيئة فهذا القرار يؤكد ان فرنسا تعتبر نفسها درع أوروبا في مواجهة تركيا».
وأضاف «كلما حاولنا الاقتراب من أوروبا، حاولت أوروبا الابتعاد عنا».
ووصف سادات لاسينر من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية التحرك الفرنسي بأنه انعكاس «لأزمة الهوية في أوروبا حول حقيقة الاتحاد الأوروبي وهل يستطيع بلد مسلم الانضمام إليه». وقال «هذه القضية مرتبطة بالأرمن، بيد انها من جهة أخرى ضربة تحت الحزام لمسعى تركيا إلى الانضمام للاتحاد.»
ورأت الصحافة التركية في الخطوة الفرنسية محاولة لعرقلة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وطلبت من أنقرة العمل بحكمة وعدم التراجع عن مسعاها لملاقاة المعايير الأوروبية.
وقالت صحيفة الوطن الشعبية ان «فرنسا المتكبرة لا تريد ان تصبح متساوية في الاتحاد الأوروبي مع تركيا التي تحتقرها»، وأضافت «انها تسعى عبر هذا العمل الظالم إلى إغضاب تركيا وجعلها تشعر بعدم الاطمئنان بهدف ضرب إرادتها وتصميمها على الانضمام للاتحاد الأوروبي.
واعتبرت صحيفة «الصباح» الواسعة الانتشار ان التصويت الفرنسي وجه ضربة إلى حرية التعبير ومنح تركيا في الوقت نفسه فرصة لتعزيز حظوظ انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي عبر تبني الدفاع عن الحريات العامة.
وتعرضت تركيا لضغوط من جانب الاتحاد الأوروبي لضمان حرية التعبير عبر تعديل البند 301 من قانونها الجزائي الذي ينص على عقوبة بالسجن تصل إلى ثلاث سنوات بسبب «إهانة القومية التركية».
وكان اورهان باموك، الكاتب التركي الذي فاز أخيراً بجائزة نوبل للآداب، تعرض للملاحقة في إطار البند المذكور بسبب مواقفه من القضية الأرمنية التي تعارض الموقف التركي الرسمي، ولكن أوقفت ملاحقته لأسباب إجرائية.