فاز بنك غرامين في بنغلادش ومؤسسه الاقتصادي محمد يونس بجائزة نوبل للسلام أمس لجهودهما في مكافحة الفقر في العالم وإقراض الفقراء وإبعاد خطر الفقر عن الملايين مما أكسب البنك لقب «بنك الفقراء».
وجاء فوز البنك ومؤسسه مفاجأة ويتقاسمان الجائزة التي تبلغ قيمتها عشرة ملايين كرونة سويدية 36 ,1 مليون دولار- وتم اختيارهما من بين 191 مرشحاً.
وقال رئيس لجنة نوبل النرويجية اولي دنبولت مجويس في بيان لتوضيح أسباب اختيار الفائز لهذا العام من بين 191 مرشحا، إن تحقيق السلام الدائم لن يكون ممكنا دون تمكن مجموعات كبيرة من السكان من وسائل التخلص من الفقر.
وذكرت اللجنة النرويجية السرية المكونة من خمسة أعضاء عن اقتسام يونس وبنك غرامين الجائزة مناصفة انهما منحا الجائزة عن جهودهما لخلق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الطبقات الدنيا، وأن يونس وغرامين أثبتا أن أفقر الفقراء بوسعهم العمل لتحقيق التنمية.
وأضاف البيان أن السلام الدائم لن يتحقق إلا إذا تمكنت جماعات كبيرة من السكان من كسر قيد الفقر، والقروض الصغيرة من الوسائل التي تحقق ذلك، وتنمية القطاعات الدنيا تخدم في دفع الديمقراطية وحقوق الإنسان قدما.
وأسس يونس نمطا جديدا من البنوك عام 1976 يمنح القروض لفقراء بلاده خاصة النساء ليمكنهم من إدارة مشروعات أعمال صغيرة دون ضمان مرسيا نظاما جديدا للقروض المتناهية الصغر اقتبس في جهات شتى من العالم.
وقال يونس بعد إعلان فوزه إن اللجنة عبرت من خلال منحه الجائزة عن دعمها لحلم قيام عالم يغيب عنه الفقر. وأضاف «انه أمر لا يصدق. ما أزال غير قادر على تصديق أني حصلت على جائزة السلام». وقال«أنا سعيد جدا، إنكم تدعمون حلما بصياغة عالم خالٍ من الفقر، ومنحي الجائزة يمثل مجرد بداية».
وفي اتصال هاتفي مع الإذاعة من بنغلادش قال «هذا خبر رائع ، ليس فقط بالنسبة لي بل أيضا بالنسبة إلى ملايين الأشخاص في العالم الذين استفادوا من القروض الصغيرة، وسيكونون بمنتهى السعادة لسماعهم هذا الخبر، وسيكون من شأن ذلك أن يشحن الحركة بالكثير من الطاقة».
وقال يونس «في بنغلادش حيث لا ينجح شيء ولا توجد كهرباء نجح نظام القروض الصغيرة وعمل بانضباط كالساعة». وكان يونس يؤمن ان المرأة يمكنها أن تهزم الفقر إذا حصلت على قروض صغيرة تبدأ بها مشروعا تجاريا صغيرا أو توسعه. ويخدم بنك غرامين الآن نحو 1,6 ملايين مقترض. وتأسست مؤسسة غرامين التابعة للبنك عام 1997 وكونت شبكة عالمية شملت 52 شريكا في 22 دولة قدمت العون لنحو 11 مليونا في أسيا وإفريقيا والاميركتين والشرق الأوسط.
وبنك غرامين قدم قروضا صغيرة بلغت أكثر من 7 ,5 مليارات دولار لفقراء بنغلادش ليقدم شريانا للحياة للملايين ونموذجا مصرفيا تمت مضاهاته في أكثر من 100 دولة من الولايات المتحدة وحتى أوغندا. غير أن فلسفة يونس تقوم على مساعدة الفقراء على مساعدة أنفسهم على غرار المثل القائل «أعط رجلا سمكة تطعمه يوما ولكن علمه صيد السمك تطعمه مدى الحياة».
لذلك فلم يرد يونس أبدا على متسول كفيف أو أعرج أو أم تهدهد طفلها عندما يمدون أياديهم للحصول على أموال. وكان يونس قال عام2004 «أشعر بالأسف وأحيانا اشعر بالفزع لأنني أرفض منح الشخص، لكنني أكبح نفسي، لا أعطيهم أي شيء». وأضاف «أفضل حل المشكلة بدلا من مجرد منحهم مساعدة ورعايتهم لمدة يوم».
وقال يونس أستاذ الاقتصاد انه يحاول حل المشكلة منذ عام 1976 عندما أقرض ما يعادل 27 دولارا لنحو 42 امرأة في قرية قرب منزله في مدينة تشيتاجونج الساحلية بجنوب بنغلادش. ووقعت النسوة فريسة للمقرضين الذين يفرضون رسوما باهظة وكان الهدف الأولي ليونس مجرد إقناع مدير بنك محلي بالتقدم ومنحهن سلفا بشكل قانوني. لكن مدير البنك قال إن ذلك مستحيل دون تقديم ضمانات. وفعل آخرون الأمر نفسه.
وبدأ يونس رحلته ليثبت أنهم مخطئون ولم ينظر وراءه على الإطلاق. ويوزع غرامين وهي كلمة تعني قرية باللغة البنغالية عشرات الملايين من الدولارات شهريا لنحو 6 ,6 ملايين مقترض 96 في المئة من بينهم من النساء.
وولد يونس في عام 1940 في تشيتاجونج المركز التجاري لما كان يعرف في ذلك الوقت باسم البنغال الشرقية وهو ابن لأب كان يعمل حدادا ضمن 14 ابنا توفي خمسة منهم في سن الطفولة.
ودرس يونس في الولايات المتحدة في الستينات وعاد إلى بلاده حيث عمل أستاذا لمادة الاقتصاد في 1974، وتغيرت حياته إلى الأبد بعد مجاعة مدمرة اجتاحت بنغلادش في عام 1974 وخلفت مئات الآلاف من القتلى. وقام يونس في ذلك العام بزيارة ميدانية جعلته يتساءل عن كيف يمكن للنظريات الاقتصادية الحديثة توفير العدالة الاجتماعية للفقراء.
وقال لالان جوليس الذي شارك في إعداد كتاب عن حياته بعنوان «المصرفي النابغة» في مقال عام 1996 ونشرته صحيفة اندبندنت البريطانية «بينما كان الناس يموتون جوعا بالشوارع.. كنت أدرس نظريات اقتصادية رائعة». وقال «بدأت أكره نفسي، وعجرفة التظاهر بأن لدي إجابات». وأضاف «كنا جميعا كأساتذة بالجامعة أذكياء للغاية ولكننا لم نكن نعرف شيئا على الإطلاق بشأن الفقر المحيط بنا». ومضى يقول «قررت أن الفقراء أنفسهم سيكونون معلمي».
ويسترد بنك غرامين نحو 99 في المئة من القروض التي يقدمها رغم أن المقترضين ليسوا ملزمين بتقديم ضمانات ويدفعون فائدة تبلغ 20 في المئة على القروض المدرة للدخل والتي تكون دائما لمدة عام واحد. ويبدأ سداد المبلغ في الأسبوع الثاني من أخذ القرض الذي يعفي المقترض من جزء من المبلغ في نهاية العام.
وتجرى جميع التعاملات خلال اجتماعات علنية أسبوعيا في بلد يتفشى فيه الفساد . ويمنح غرامين قروضا معفاة من الفوائد للأشخاص الأشد فقرا.
ويتساءل يونس «لماذا ينبغي أن يحرم الفقراء من الخدمات المالية، لماذا تكون تكنولوجيا المعلومات امتيازا محصورا على الأغنياء.. لماذا لا يمكننا تصميم أشياء لصالح الفقراء». وتساهم نشاطات بنك غرامين في تأمين 1% من الناتج الداخلي للبلاد.
